الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 305 ] سورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم

آ. (1) قوله تعالى: سبحان : قد تقدم الكلام عليه مستوفى أول البقرة. و "أسرى" و "سرى" لغتان، وقد تقدم الكلام عليهما في سورة هود، وأن بعضهم خص "أسرى" بالليل. قال الزمخشري هنا: "فإن قلت: الإسراء لا يكون إلا ليلا فما معنى ذكر الليل؟ قلت: أراد بقوله: "ليلا" بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء، وأنه أسري به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة; وذلك: أن التنكير دل على البعضية، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة "من الليل"، أي: بعضه كقوله: ومن الليل فتهجد به . انتهى. فيكون "سرى" و "أسرى" ك "سقى" و "أسقى" والهمزة ليست للتعدية، وإنما المعدى الباء في "بعبده"، وقد تقدم أنها لا تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول عند الجمهور، في البقرة خلافا للمبرد. [ ص: 306 ] وزعم ابن عطية أن مفعول "أسرى" محذوف، وأن التعدية بالهمزة فقال: "ويظهر أن "أسرى" معداة بالهمزة إلى مفعول محذوف، أي: أسرى الملائكة بعبده، لأنه يقلق أن يسند "أسرى" وهو بمعنى "سرى" إلى الله تعالى; إذ هو فعل يقتضي النقلة كمشى وجرى وأحضر وانتقل، فلا يحسن إسناد شيء من هذا مع وجود مندوحة عنه، فإذا وقع في الشريعة شيء من ذلك تأولناه نحو: أتيته هرولة".

قلت: وهذا كله إنما بناه اعتقادا على أن التعدية بالباء تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول في ذلك، وقد تقدم الرد على هذا المذهب في أول البقرة في قوله: ولو شاء الله لذهب بسمعهم . ثم جوز أن يكون "أسرى" بمعنى "سرى" على حذف مضاف كقوله: ذهب الله بنورهم يعني فيكون التقدير: الذي أسرى ملائكته بعبده، والحامل له على ذلك ما تقدم من اعتقاد المصاحبة.

قوله: "ليلا" منصوب على الظرف. وقد تقدم فائدة تنكيره. و "من المسجد" لابتداء الغاية.

قوله: "حوله" فيه وجهان، أظهرهما: أنه منصوب على الظرف، وقد تقدم [ ص: 307 ] تحقيق القول فيه أول البقرة. والثاني: أنه مفعول. قال أبو البقاء: "أي: طيبنا ونمينا". يعني ضمنه معنى ما يتعدى بنفسه، وفيه نظر لأنه لا يتصرف.

قوله: "لنريه" قرأ العامة بنون العظمة جريا على "باركنا". وفيهما التفاتان: من الغيبة في قوله: الذي أسرى بعبده إلى التكلم في "باركنا" و "لنريه"، ثم التفت إلى الغيبة في قوله "إنه هو" إن أعدنا الضمير على الله تعالى وهو الصحيح، ففي الكلام التفاتان.

وقرأ الحسن: "ليريه" بالياء من تحت، أي: الله تعالى، وعلى هذه القراءة يكون في هذه الآية أربعة التفاتات: وذلك أنه التفت أولا من الغيبة في قوله: الذي أسرى بعبده إلى التكلم في قوله: "باركنا"، ثم التفت ثانيا من التكلم في "باركنا" إلى الغيبة في "ليريه" على هذه القراءة، ثم التفت بالياء من هذه الغيبة إلى التكلم في "آياتنا" ثم التفت رابعا من هذا التكلم إلى الغيبة في قوله: "إنه هو" على الصحيح في الضمير أنه لله، وأما على قول نقله أبو البقاء أن الضمير في "إنه هو" للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجيء ذلك، ويكون في قراءة العامة التفات واحد، وفي قراءة الحسن ثلاثة. وهذا موضع غريب، وأكثر ما ورد الالتفات [فيه] ثلاث مرات على ما قال الزمخشري في قول امرئ القيس:


3025 - تطاول ليلك بالإثمد ... ... ... ...

[ ص: 308 ] الأبيات. وقد تقدم النزاع معه في ذلك، وبعض ما يجاب به عنه أول الفاتحة.

ولو ادعى مدع أن فيها خمسة التفاتات لاحتاج في دفعه إلى دليل واضح، والخامس: الالتفات من "إنه هو" إلى التكلم في قوله: وآتينا موسى الآية.

والرؤية هنا بصرية. وقيل: قلبية وإليه نحا ابن عطية، فإنه قال: "ويحتمل أن يريد: لنري محمدا للناس آية، أي: يكون النبي صلى الله عليه وسلم آية في أن يصنع الله ببشر هذا الصنع"، فتكون الرؤية قلبية على هذا.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث