الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الهدايا في حق قضاة الأحكام

وإذا ثبتت هذه التشديدات ، فالقاضي والولي ينبغي أن يقدر نفسه في بيت أمه وأبيه ، فما كان يعطى بعد العزل ، وهو في بيت أمه يجوز له أن يأخذه في ولايته وما يعلم أنه إنما يعطاه لولايته فحرام أخذه وما أشكل عليه في هدايا أصدقائه أنهم هل كانوا يعطونه ، لو كان معزولا ، فهو شبهة فليجتنبه تم كتاب الحلال والحرام بحمد الله ومنه وحسن توفيقه، والله أعلم .

التالي السابق


(وإذا ثبتت هذه التشديدات، فالقاضي والوالي ينبغي أن يقدر نفسه في بيت أبيه وأمه، فما كان يعطى بعد العزل، وهو في بيت أمه يجوز له أن يأخذه في ولايته ) ، أو للعمالة، ( وما علم أنه إنما يعطاه لولايته فحرام أخذه ) .

قال التقي السبكي في فصل المقال: قال أصحابنا لا يقبل القاضي الهدية ممن لم تكن له عادة بالهدية، ولا ممن كانت له عادة ما دامت له خصومة ، فإن لم تكن له خصومة جاز له أن يقبل، والأفضل أن لا يقبل. وقد أطلق الأصحاب فيما إذا كان له عادة قبل القضاء جواز القبول، قال ابن الرفعة : وهذا لعمري فيما إذا لم يكن ما تقدم من الإهداء إليه في حال ترشحه للقضاء، وغلب على الظن حصوله عن قرب له، بل كان ذلك لقرابة أو مودة .

قال السبكي ، قلت: وإذا فرض ذلك فينبغي أن يمتنع الشخص المترشح للولاية من قبول هدية من غلب الظن أن هديته لذلك ، ويكون حكمها حكم الهدية للقاضي، وحيث قلنا بجواز القبول للقاضي إذا كانت عادة متقدمة، فالأولى أن لا يقبل ويسد على نفسه باب قبول الهدايا مطلقا، (وما أشكل عليه من إهداء أصدقائه أنهم هل كانوا يهدون له، لو كان معزولا، فهو شبهة فليجتنبه) ، قال الشافعي رحمه الله تعالى: وما أهدى له ذو رحمة ومودة كان يهاديه قبل الولاية، فالترك أحب إلي، ولا بأس أن يتمول، وعلى هذا جرى العراقيون كأبي الطيب والبندنيجي ، وابن الصباغ ، وقال الإمام: إن الأولى في هذه الحالة أن يثيب المهدي، فإن لم يثبه فليضع ذلك في بيت المال. وفي الشامل: إن من أصحابنا من قال: لا يجوز قبولها للخبر ووجهه في الحاوي أنه قد تحدث له خصومة، فيكون قد تسبب بالهدية للممالأة، وقضية كلام هذا القائل أنه لا يجوز للحاكم قبول الهدية ممن هو من أهل ولايته مطلقا، وإليه أشار الفوراني والمسعودي ، والمشهور الأول، وكله إذا كانت الهدية بعد الولاية قدر ما كانت قبل الولاية أو مثلها، فلو كانت أكثر أو أرفع مثل إن كان يهاديه بالطعام، فصار يهاديه بالثياب، قال في الحاوي والكافي والتهذيب: لم يجز قبولها، وقال الرافعي : إنها تصير كهدية من لم تعهد منه الهدية، وقال الماوردي أيضا فيما إذا كانت عادته أن يهدي إلى الإمام قبل الولاية قدرا معلوما فأهدى إليه بعد الولاية أكثر منه لا يحرم القبول إذا كان من جنس الأول، وفي الفرق غموض، هذا حكم الهدية للقاضي ممن له عادة بالهدية إليه قبل الولاية .

وحاصل القوم فيها: إنها في حال الخصومة حرام لئلا ينكسر قلب خصمه، وفي غير حال الخصومة إن زاد على عادته فكذلك، وإن لم يزد جاز، والأولى تركها، أما من ليست له عادة، فالذي قاله العراقيون والبغوي والرافعي التحريم للخبر، وعبارة الماوردي مصرحة بالتحريم، واقتصر الإمام والغزالي على الكراهة، وعلى هذا، فالأحسن أن يثيب أو يضعها في بيت المال ليندفع عنه محذور المثل، وهذا على المشهور في أنه يملك الهدية في هذه الحالة، وعن القفال حكاية وجه أنه لا يملكها، ومن هذا يؤخذ أن القبول حرام عند هذا القائل لا محالة، وقد حكيناه مرتين عن الفوراني والمسعودي ، والكلام في قبولها ممن هو من أهل ولايته، أما قبولها ممن ليس من أهل ولايته ولا خصومة له، وكانت له عادة بالهدية له، قال الإمام: فهو قريب، والمستحب له الامتناع، وقال أبو الوليد الباجي في المنتقى: قال ابن يونس : لا يقبل القاضي هدية من أحد، لا من قريب ولا من صديق وإن كافأه بأضعافها إلا مثل الولد والوالد وأشباههم من خاصة القرابة، زاد سحنون ، ومثل الخالة والعمة وبنت الأخ، وقال ابن أبي زيد القيرواني في كتاب النوادر له: ويكره قبولها للقاضي ممن كان يهاديه قبل أن يلي أو من قريب أو صديق أو غيره، ولو كافأه بأضعافه إلا من [ ص: 165 ] الصديق الملاطف، أو من الأب والابن وشبهه من خاصة القرابة التي تجتمع من خاصة القربى ما هو أخص من الهدية، قال مطرف وابن الماجشون ، وهو قول مالك ومن قبله من أهل السنة: وقد أطلنا القول في هذا ولنختم ذلك بالأخبار المتعلقة بهذا الباب مما لم يذكره المصنف، ثم نتبعه بذكر فصول ومسائل ليكون بذلك كالتتميم لهذا الكتاب بعون الملك الوهاب، فأقول: تقدم للمصنف ذكر الرشوة، وقد وردت في ذمها أخبار، فمن ذلك ما رواه أبو داود في السنن، فقال: حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن ، عن أبي سلمة ، عن عبد الله بن عمرو ، قال: "لعن رسول الله صلى عليه وسلم الراشي والمرتشي" . وقال ابن ماجه في السنن: حدثنا علي بن محمد ، حدثنا وكيع ، حدثنا ابن أبي ذئب عن خاله الحارث بن عبد الرحمن بن سلمة ، عن عبد الله بن عمر ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعنة الله على الراشي والمرتشي" . أخرجه أبو داود وابن ماجه كلاهما في كتاب الأقضية وإسناده جيد، كلهم من رجال الصحيح إلا الحارث خال ابن أبي ذئب ، وإنه روى له الأربعة، وليس فيه قدح، وقال البزار في مسنده: حدثنا الوليد بن عمرو بن سكين ، حدثنا يعقوب بن إسحاق ، حدثني عمر بن حفص ، حدثنا الحسين بن عثمان بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الراشي والمرتشي في النار" .

قال البزار : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الرحمن بن عوف إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وقد قال فيه عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه عن أبي هريرة ، وقال ابن أبي ذئب ، عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة ، عن عبد الله بن عمرو اهـ كلام البزار .

ورواه أحمد في مسنده فقال: حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة ، حدثنا عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الراشي والمرتشي" . في الحكم، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن عمرو وقال: صحيح الإسناد، ورواه الترمذي عن محمد بن المثنى ، حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا ابن أبي ذئب عن خاله الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة ، عن عبد الله بن عمر ، وقال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي" . وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه الترمذي من حديث عمر بن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم" قال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعائشة وابن حيدة وأم سلمة حديث أبي هريرة حديث حسن .

وروي عن أبي سلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح، وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: حديث أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أحسن شيء في هذا الباب .

وأخرج أبو سعيد النقاش في كتاب الفرق بين القضاة العادلة والجائرة من طريق سلم بن قتيبة ، حدثنا ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه لعن الراشي والمرتشي والمفتري الذي يسعى بينهما" ، ومن طريق ليث عن أبي الخطاب عن أبي زرعة عن ثوبان قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والذي يعمل بينهما" ، وأسنده النقاش أيضا عن عائشة وأم سلمة وأبي سلمة عن أبيه، ومن ذلك ما ورد في هدايا الأمراء، قال الترمذي : باب هدايا الأمراء ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو أسامة عن داود بن يزيد الآمدي عن المغيرة بن شبيل عن قيس بن أبي حازم ، عن معاذ بن جبل قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، فلما سرت أرسل في أثري فرددت، فقال: أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيب شيئا بغير إذني، فإنه غلول، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، لهذا دعوتك، فامض لعملك" .

قال الترمذي : وفي الباب عن عدي بن عميرة وبريدة والمستورد بن شداد وأبي حميد وابن عمر ، حديث معاذ حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي أسامة عن داود الأودي ، انفرد الترمذي بإخراجه، وقال أبو داود في السنن باب هدايا العمال : حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى عن إسماعيل بن أبي خالد ، حدثني قيس ، حدثني عدي بن عميرة الكندي : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أيها الناس من عمل منكم لنا على عمل فكتمنا منه مخيطا فما فوقه، فهو غل يأتي به يوم القيامة، فقام رجل من الأنصار أسود [ ص: 166 ] كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله اقبل عني عملك قال: وما ذاك؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: وأنا أقول ذلك: من استعملناه على عمل فليأت بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ، وما نهي عنه انتهى" . انفرد أبو داود بإخراجه، وقال أبو داود أيضا: حدثنا زيد ابن أخي أبي طالب ، حدثنا أبو عاصم عن عبد الوارث بن سعيد عن حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه عن النبي صلى عليه وسلم، من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول ، وهذا إسناد صحيح .

وقال أبو داود أيضا: حدثنا موسى بن مروان الرقي ، حدثنا المعافى ، حدثنا الأوزاعي عن الحارث بن يزيد عن جبير بن نفير عن المستورد بن شداد ، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن كان لنا عامل فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم، فليكتسب خادما، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا، قال أبو بكر : أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق" .

قال المنذر في حواشيه: قيل: هذا يتأول على وجهين; أحدهما أنه إنما أباح اكتساب الخادم والمسكن من عمالته التي هي أجر مثله، وليس له أن يرتفق بشيء سواها، والوجه الآخر أن للعامل السكنى والخدمة، فإن لم يكن له مسكن وخادم استؤجر له من يخدمه فيكفيه مهنة مثله، ويكتري له مسكن يسكنه مدة مقامه في عمله، والله أعلم .



وهذه فصول ومسائل لها تعلق بالباب: -

(فصل آخر) :

الرشوة حرام بالاتفاق وكذا بذلها إن كان على أن يحكم بغير الحق، أو يقف عن الحكم بالحق، وأما إذا كان على أن يحكم بالحق، فلا يحرم البذل ويحرم القبول صرح به الماوردي ، وأبو الطيب وابن الصباغ ، وعلى الأول يحمل: لعن الراشي، وهذا التفصيل يؤيد القول بأن الرشوة المال المدفوع قبل الحكم ، سواء كان بحق أم بباطل، وقال النووي في الروضة: وأما المتوسط بين الراشي والمرتشي فله حكم موكله منهما، فإن كان وكيلا عنهما حرم; لأنه وكيل عن الآخذ، وهو محرم عليه، قال ابن الرفعة : ثم ما حرمناه منها على الحكم بالحق محله إذا كان للحاكم رزق من بيت المال، فإن لم يكن له رزق وكان ممن يجوز أن يفرض له فقال للمتحاكمين: لا أحكم بينكما حتى تجعلا لي جعلا، فالمحكي عن الشيخ أبي حامد ، وهو المذكور في تعليق القاضي أبي الطيب : أنه يحل له ذلك، وعليه جرى الجرجاني في التحرير، قال ابن الصباغ : ويجوز مثل ذلك; لأنه لم يذكر أنه طلبه من أحدهما واعتبر البندنيجي في جواز ذلك أن يكون مشغولا في معاشه بحيث يقطعه النظر عن اكتساب المادة كما قاله في الحاوي، أما إذا لم يقطعه إما لغناه بما يستمده وإما لقلة المحاكمات التي لا تمنعه من الاكتساب، فلا يجوز أن يرتزق من الخصوم، ثم اعتبر في الحاوي في حالة الجواز مع ما ذكرناه ثمانية شروط; أحدها أن يعلم به الخصمان قبل التحاكم، فإن لم يعلماه إلا بعد الحكم لم يجز أن يرتزقهما، الثاني أن يكون على الطالب والمطلوب، الثالث أن يكون عن إذن الإمام فإن لم يأذن لم يجز، الرابع أن لا يجد متطوعا، فإن وجد لم يجز، الخامس أن يعجز الإمام عن دفع رزقه، فإن قدر لم يجز، السادس أن يكون ما يرتزقه من الخصوم غير مضر بهم، فإن أضر بهم وأثرى عليهم لم يجز، السابع أن لا يستزيد على قدر حاجته، فإن زاد لم يجز، الثامن أن يكون قدر المأخوذ مشهورا يتساوى فيه جميع الخصوم، وإن تفاضلوا في المطالبات، فإن فاضل بينهم لم يجز إلا أن يتفاضلوا في الزمان، فيجوز قال: وفي هذا معرة على المسلمين، ولئن جاز في الضرورات، فواجب الإمام وكافة المسلمين أن يزال مع الإمكان إما بأن يتطوع بينهم بالقضاء من هو أميل وإما أن يقام لهذا بالكفاية فلو اجتمع أهل البلد مع أعوان بيت المال على أن جعلوا للقاضي رزقا من أموالهم جاز، وكان أولى من أن يأخذ من أعيان الخصوم، وأطلق في كتاب القسمة القول بأنه لا يجوز للقاضي أن يأخذ شيئا من الرعية، إذا لم يكن له رزق من بيت المال .



(فصل) :

قال ابن القاص في كتاب أدب القاضي: قال مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى والثوري وأبو حنيفة : لا بأس أن يأخذ القاضي أجرة ، وروي عن عثمان : لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرة، ولا صاحب مغنمهم ، ومعناه من غير بيت المال، أو يكون على الاختبار له; لأنه قد روي عن عمر بن الخطاب رضي [ ص: 167 ] الله عنه كان يرزق شريحا كل شهر مائة درهم ، وحجة أخرى أن القاضي عامل من عمال المسلمين، وقد جعل الله للعاملين على الصدقة في كتابه سهما، وهذا كله إذا كان من مال الله عز وجل منهم أو أجراه السلطان، وقال الشافعي رحمه الله تعالى في كتاب الصدقات: ولو أهدى إلى الساعي رجل من أهل عمله، فأخذ هديته وأثابه عليها حلت له، فإن لم يثبه عليها فليجعلها في الصدقات، لا يحل له عندي غير ذلك، وإن أعطاه رب المال فحرام أخذه، فأما أن يهدى إليه على طريق الهدايا لا على طريق الرزق على عمله، فإن الشافعي قال في كتاب القاضي: ولا يقبل من أحد الخصمين هدية حتى ينفذ خصومتهما .

وحكى محمد بن الحسن في كتابه عن أبي حنيفة أنه قال: لا ينبغي للقاضي أن يقبل هدية، فإن ذلك موقع التهمة ويطمع فيه الناس، وحكى الخصاف عنه أنه كره قبولها وإن قبل لم تسقط عدالته.. .



(فصل) :

ينبغي للقاضي على مذهب الشافعي أن يثيب على الهدية ، فإن لم يثب عليها ولم يرد صاحبها الثواب، ففيها قولان أحدهما ما قال في أدب القاضي من جواز قبول الهدية إذا أنفذت الخصومات، والآخر: ما قال في كتاب الصدقات في هدايا العمال من أهل عمله إن لم يثب عليها فهي حرام. .



(فصل) :

وإذا أخذ القاضي رشوة على قضائه فقضاؤه مردود وإن قضى بحق والرشوة مردودة، وكذلك كل قضاء يقضى بعدة بثواب، فإن قبل القاضي القضاء بقبالة، وأعطي عليه رشوة، فولايته باطلة، وقضاؤه مردود، وإذا أعطى رشوة على عزل قاض ليتولى مكانه، فكذلك وإن أعطاها على عزله دون ولايته نفسه، فعزل الأول برشوته واستقضى هو مكانه لغير رشوة نظر في المعزول، فإن كان عدلا فإعطاء الرشوة على عزله حرام، والمعزول على قضائه إلا أن يكون من عزله قد تاب برد الرشوة قبل عزله، وقضاء المستخلف باطل إلا أن يكون المستخلف أيضا قد تاب قبل الولاية فيصح قضاؤه .



(مسألة) :

إذا كانت الهدايا حلالا وهي لبيت المال، فربما يقول من هي بيده أنا لي حق في بيت المال فآخذها منه ، فالجواب ليس له إلا بإذن الإمام الناظر في المصالح وأموال بيت المال، فإن رآه أهلا لذلك وضعها فيه وإلا صرفها إلى من هو أحق بها، وهذا بيان أموال بيت المال كلها، وفي هذه زيادة خصوصية تقتضي تحتم الإتيان بها إلى الإمام من جهة أن المهدى إليه تحقق لأنه لا يختص بها، بل لا بد أن يأتي بها الإمام، فإن طيبها له قبلها وإلا دفعها إلى بيت المال لم يبق له غرض خاص فيها، فتزول التهمة عنه، ولا يصير في معنى الرشوة بخلاف ما إذا أخذها وغاب، فإن التهمة حينئذ متمكنة، والميل قوي لما حصل له بخصوصه من المنع من جهة مسألة العالم الذي تعين عليه تعليم العلم، أو وجب فرض كفاية، ولم يتعين هل يجوز قبوله الأجرة أو الهدية عليه، فالجواب هذا مما اختلف العلماء فيه، والأولى التنزه عنه، ولا يظهر التحاقه في التحريم بالقاضي، فإن القاضي فيه وصفان; أحدهما الوجوب، والثاني كونه نائبا عن الله تعالى، والعالم ليس فيه إلا الأول فقط .



(فصل) :

أحسن أحوال الفقيه أن يشتغل بالعلم لله تعالى ولا يأخذ عليه شيئا، ويكتسب بتجارة أو زراعة أو صناعة إن قدر على ذلك، ولم يعطله عن العلم، فإن عطله ذلك عن العلم ولم يكن له ما يقوم، فإن تيسر له رزق حلال ممن يسوقه الله على يده بلا شبهة، فذلك فضل من الله تعالى، والتناول من الجهات الموقوفة للعلم قريب إذا قام بشروطها وهي تتفاوت بالنظر إلى حل مال صاحبها وغير ذلك، فإذا صحت فهي جيدة، وليست كالكسب; لأنها على كل حال تشبه الأجر على العلم، ففيها نقص من هذا الوجه، ولكن لا يجري فيها الخلاف في أخذ الأجر على العلم; لأنها ليست أجرا حقيقة، وقد تكلم أهل العصر في كونها إجارة أو جعالة، وكله خبط، والصواب أنها صدقة بصفة، فالذي يأخذها لاتصافه بتلك الصفة ودخوله في الوقف بذلك، فإن تعلم العلم وعمله لله خالصا، وأخذ ذلك لاتصافه بتلك الصفة، فذلك أحسن المراتب، ولا ينقص ذلك من ثواب تعلمه وتعليمه شيئا، وإن تعلم وعلم لينال ذلك لم يحصل له ثواب إلا أن يغير الله قصده بعد ذلك، وتناول العلوم بعد اتصافه بالاستحقاق وبالصفة المحضة لا يشبه أجرة، ولا جعلا، ولا رزقا وتناوله قبله ليتعلم أو يعلم كتناول الرزق الذي [ ص: 168 ] يجعله الإمام من بيت المال على ذلك حلال، والحاصل أن المدارس كالأرزاق وأخذها كأخذ الرزق على العلم، فإن نظر الطالب أو المدرس في حال اشتغاله إليها ولم يشتغل إلا لأجلها فلا أجر له، وإن كان يشتغل فيه لكن سكنت نفسه بسببها ولولاها لم يشتغل لضرورة كسبه، فله أجر، ولكنه دون القسم الثالث وهو أن يعرض عن ملاحظتها بالكلية، ويكون اشتغاله لله تعالى خالصا بحيث لو قطعت أو لم تكن لم تتفاوت الحال عنده، وإن حصلت أخذها كالنحلة، فهذا أرفع الدرجات وعليه يحمل حال السلف الذين كانت لهم الأرزاق من بيت المال، وفي الحال الثاني والثالث لا يأتي الخلاف في أخذ الأجرة على العلم، وفي الحال الأول قد يأتي باعتبار قصده، ومع ذلك ليس من الرشوة في شيء; لأن الرشوة صاحبها يتوصل بها إلى غرض لنفسه، وهذه صاحبها يتوصل بها إلى غرض للمتعلم وللمسلمين ولله تعالى، وهو نشر العلم، فلا معنى للرشوة ههنا أصلا بخلاف الذي يعطي عالما مالا ليعلمه .

مسألة: فهذه هي التي ظهر اختلاف العلماء فيها لعود الغرض فيها إلى الباذل، فإن اشترك هذان القسمان، فالأخذ على ما هو واجب، وللعلماء اختلاف فيه، ولكن المرتبتان مختلفتان، والخلاف في الثانية أظهر منه في الأولى، وأما الأرزاق بجميع وجوهه فلا خلاف فيه إلا ما أشرنا إليه بالنسبة إلى غرض الآخذ له .



(فصل) :

وفي السير الكبير للإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة رحمهما الله تعالى تخريج شمس الأئمة السرخسي ما نصه: وإذا بعث ملك العدو إلى أمير الجند هدية، فلا بأس أن يقبلها ويصرفها للمسلمين ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل هدية المشركين في الابتداء، ثم لما ظهر منهم مجاوزة الحد في طلب العوض أبى قبول الهدية منهم بعد ذلك، وقال: إنا لا نقبل زبد المشركين ، فبهذا تبين أن للأمير رأيا في قبول ذلك، فإن طمع في إسلامهم، فهو مندوب إلى تألفهم، وإن لم يطمع في إسلامهم فله أن يظهر الغلظة عليهم برد الهدية، فإن قبلها كان ذلك فيئا للمسلمين; لأنه ما أهدى إليه لعينه، بل لمنفعته بالمسلمين، فكان هذا بمنزلة المال المصاب بقوة المسلمين، وهذا بخلاف ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الهدية، فإن قوته ومنفعته لم يكن بالمسلمين على ما قال الله تعالى: والله يعصمك من الناس ، فلهذا كانت الهدية له خاصة ثم الذي حمل المشرك على الإهداء إليه خوفه منه وطلبه الرفق به وبأهل مملكته وتمكنه من ذلك بعسكره، فكانت الهدية بينه وبين أهل العسكر، وكذلك إن كانت الهدية إلى قائد من قواد المسلمين ممن له عدة ومنعة; لأن الرهبة منه والرغبة في التألف معه بالهدية ليرفق به وبأهل مملكته، إنما كان باعتبار منعته، وذلك بمن تحت رايته، وبجميع أهل المعسكر وإن كان أهدى إلى بعض المبارزين أو إلى رجل من عرض الجيش فذلك له خاصة; لأن الهدية إلى مثله لم تكن على وجه الخوف منه أو طلب الرفق به، وإن كان فذلك الخوف باعتبار قوته في نفسه إذ لا يقع له فيكون ذلك سالما له خاصة، وعلى هذا قالوا: من أهدى إلى مفت أو واعظ شيئا ، فإن ذلك سالم له خاصة; لأن الذي حمل المهدي على الإهداء إليه والتقرب معنى فيه خاصة بخلاف الهدية إلى الحكام، فإن ذلك رشوة; لأن المعنى الذي حمل المهدي على التقرب إليه ولايته الثابتة بتقليد الإمام إياه، والإمام في ذلك نائب عن المسلمين والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "هدايا الأمراء غلول" . يعني إذا حسبوا ذلك لأنفسهم، فذلك بمنزلة الغلول منهم، والغلول اسم خاص لما يؤخذ من المغنم، فعرفنا أن ذلك بمنزلة الغنيمة، وتخصيص الأمير بذلك دلنا على أن مثله في حق الواحد من عرض الناس لا يكون غلولا، وفي الحديث: فهلا جلس في بيت أبيه وأمه ، وفيه إشارة إلى ما قلنا اهـ .



(فصل) :

في قبول هدايا المشركين الحربيين فيه أربعة أقوال ، أحدها: أنه كان ممنوعا، فنسخ منعه، الثاني: أنه على التخيير، الثالث: أن المنع مستمر، الرابع: يقبل إن كانوا أهل كتاب، والأول قول الخطابي، والثاني قول الحنفية ، قال السبكي : وهو المختار، والثالث مقتضى قول أبي عبيد القاسم بن سلام ، فإنه قال في كتاب الأموال أن المثبت عندنا أنه لم يقبل هدية مشرك من أهل الحرب بذلك تواترت الأخبار، والرابع اختيار ابن حزم وفي [ ص: 169 ] الرافعي عن نص الشافعي في حرملة: أنه إذا أهدى مشرك إلى الإمام أو الأمير هدية، والحرب قائمة، فهي غنيمة بخلاف ما إذا أهدى قبل أن يرحلوا عن دار الإسلام، وعن أبي حنيفة أنه للمهدى إليه بكل حال وهو رواية عن أحمد قال السبكي وهذا الذي نقله عن أبي حنيفة ، ورواية عن أحمد أنها للمهدى إليه بكل حال: مخالف لما ساقه محمد بن الحسن في السير الكبير، فإن ظاهره أنها لا يختص بها المهدى إليه، سواء كانت في حال حرب أم لا، في دار الإسلام أم لا إذا كان المهدى إليه الإمام أو الأمير، ويمكن أن يقال: إنه محمول على أنها ليست بغنيمة، بل يكون المقصود بها الهدية وحينئذ يكون على حكم الهدايا سواء كانت في حال الحرب، أم لا، والشافعي يقول: إنها في حال الحرب غنيمة لا هدية .



(فصل) :

قال الماوردي في الأحكام السلطانية: الهدايا في حق قضاة الأحكام أغلظ مأثما، وأشد تحريما لأنهم مندوبون لحفظ الحقوق على أهلها دون أخذها يأمرون فيها بالمعروف وينهون عن المنكر، وحال القاضي ثلاثة أقسام:

أحدها: هدية في عمله من أهل عمله، فإن لم يهاده قبل الولاية لم يجز أن يقبل هديته سواء كان له محاكمة أم لا; لأنه معرض لأن يحاكم، وهي من المتحاكمين رشوة محرمة، ومن غيرهم هدية محظورة، وإن كان يهاديه قبل الولاية لرحم أو مودة، وله في الحال محاكمة لم يحل قبول هديته، وإن كان يهاديه قبل الولاية وليس له محاكمة، فإن كانت من غير جنس هداياه لم يجز أن يقبلها، وإن كان من جنسها، فوجهان لجواز أن يحد له محاكمة .

الثاني: هدية في عمله من غير أهل عمله، فإن كان مهديا دخل بها صار من أهل عمله، فلا يجوز أن يقبلها سواء كانت له محاكمة أم لا، وإن لم يدخل وأرسلها وله محاكمة هو فيها طالب أو مطلوب، فهي رشوة محرمة، ولمن أرسلها ولم يدخل ولا محاكمة له، ففي جواز قبولها وجهان; أحدهما: لا يجوز لما يلزمه من التزامه، والثاني: يجوز لوضع الهدية على الإباحة .

الثالث: هدية في غير عمله ومن غير أهل عمله لسفره عن عمله، فنزاهته عنها أولى، فإن قبلها جاز، قال السبكي : وبقي قسم آخر لم يصرح به الماوردي ولا غيره، وهو أن يكون في غير عمله من أهل عمله، وذلك يفرض على وجهين:

أحدهما: أن يسافرا جميعا، وهذا قد يقال إنه بخروجه صار من غير أهل عمله .

والثاني: أن يرسلها وهو مقيم في عمله إلى القاضي وهو خارج عن عمله، والجواز في مثل هذا وإن اقتضاه إطلاق ما تقدم من النص، لكنه بعيد لا سيما إذا عرف بقرينة الحال أنه إنما يهدى إليه لأجل الولاية، وقد يتخذ مثل هذا حيلة يتوقع سفر القاضي فيتخذ عنده يدا في سفره، فإذا عاد تحاكم إليه قال: والصواب عندي في هذا المنع مطلقا سواء أرسلها إليه أو خرج معه وأن القاضي لا يقبل الهدية مطلقا لا في عمله ولا في غير عمله، ولا من أهل عمله، ولا من غيرهم إلا أن يكون ممن لا يتوقع له حاجة عنده البتة، ويحمل النص على هذا، والله أعلم، وإلى هذا قد انتهى بنا الكلام في شرح كتب تفصيل الحلال والحرام، ونسأل الله سبحانه التوفيق لمحابه ومراضيه مع حسن الختام، واتفق ذلك في ضحوة نهار الأحد ثامن عشر جمادى الثانية من شهور سنة 1199 قدر الله ختامها في خير العافية ووداعها، قال ذلك وكتبه مؤلفه أبو الفيض محمد مرتضى الحسيني غفر الله له بمنه وكرمه حامدا لله ومصليا ومسلما ومستغفرا ومحسبلا ومحوقلا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث