الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ومن آداب السماع أن لا يقوم الفقير للرقص مع القوم

جزء التالي صفحة
السابق

ومن الأدب أن لا يقوم للرقص مع القوم إن كان يستثقل رقصه ولا يشوش عليهم أحوالهم ، إذ الرقص من غير إظهار التواجد مباح ، والمتواجد هو الذي يلوح للجميع منه أثر التكلف .

ومن يقوم عن صدق لا تستثقله الطباع فقلوب الحاضرين إذا كانوا من أرباب القلوب محك للصدق والتكلف .

سئل بعضهم عن الوجد الصحيح فقال : صحته قبول قلوب الحاضرين له إذا كانوا أشكالا غير أضداد .

فإن قلت : فما بال الطباع تنفر عن الرقص ويسبق إلى الأوهام أنه باطل ولهو ومخالف للدين فلا يراه ذو جد في الدين إلا وينكره .

فاعلم أن الجد لا يزيد على جد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد رأى الحبشة يزفنون في المسجد وما أنكره لما كان في وقت لائق به وهو العيد ومن شخص لائق به وهم الحبشة .

نعم نفرة الطباع عنه ; لأنه يرى غالبا مقرونا باللهو واللعب ، واللهو واللعب مباح ، ولكن للعوام من الزنوج والحبشة ومن أشبههم .

وهو مكروه لذوي المناصب لأنه لا يليق بهم وما كره لكونه غير لائق بمنصب ذي المنصب فلا يجوز أن يوصف بالتحريم فمن سأل فقيرا شيئا فأعطاه رغيفا كان ذلك طاعة مستحسنة ، ولو سأل ملكا فأعطاه رغيفا أو رغيفين لكان ذلك منكرا عند الناس كافة ومكتوبا في تواريخ الأخبار من جملة مساوية ويعير به أعقابه وأشياعه ومع هذا فلا يجوز أن يقال : ما فعله حرام ; لأنه من حيث إنه أعطى خبزا للفقير حسن ، ومن حيث أنه بالإضافة إلى منصبه كالمنع بالإضافة إلى الفقير مستقبح ، فكذلك الراقص وما يجري مجراه من المباحات ، ومباحات العوام سيئات الأبرار وحسنات الأبرار .

سيئات المقربين ولكن هذا من حيث الالتفات إلى المناصب .

التالي السابق


(ومن الآداب أن لا يقوم) الفقير (للرقص مع القوم إذا كان يستثقل رقصه ويشوش عليهم أحوالهم، إذ الرقص من غير إظهار الوجد مباح، والمتواجد هو الذي يلوح منه للجميع أثر التكلف) ، وبهذا يظهر الفرق في الوجد والتواجد والوجود، وتقدم شيء من ذلك آنفا، وقال القشيري في الرسالة: التواجد استدعاء الوجد بضرب اختيار وليس لصاحبه كمال الوجد وهو غير مسلم لصاحبه لما يتضمن من التكلف، وقال قوم: إنه مسلم لصاحبه واستدلوا بالخبر، "فإن لم تبكوا فتباكوا" واستدلوا بقصة أبي محمد الجريري لما قال له الجنيد: وأنت ما لك في السماع شيء؟ فقال: إذا حضرت موضعا فيه سماع، وهناك محتشم أمسكت على نفسي وجدي، فإذا خلوت تواجدت. فأطلق في هذه الحكاية التواجد ولم ينكر عليه الجنيد .

وأما الوجد فهو ما يصادف قلبك ويرد عليك بلا تعمد وتكلف، وأما الوجود فهو بعد الارتقاء عن الوجد ولا يكون وجود الحق إلا بعد خمود البشرية; لأنه لا يكون للبشرية بقاء عند ظهور سلطان الحقيقة، وقال أبو علي الدقاق: التواجد يوجب استيعاب العبد، والوجد يوجب استغراق العبد، والوجود يوجب استهلاك العبد، (ومن يقوم عن صدق) وحق (لا تستثقله الطباع فقلوب الحاضرين إذا كانوا من أرباب القلوب محك للصدق والتكلف) ، فمن قام عن تكلف فقد أوقع نفسه في زلة كبيرة إذ قد يطلع عليه بعض أرباب القلوب من الحاضرين، فيرى بنور الفراسة وهو مبطل في قيامه فيوجب عليه موافقته في القيام فيقع به حرج كبير كما تقدمت الإشارة إليه قريبا في تفسير قول أبي عمرو بن نجيد (سئل بعضهم عن الوجد الصحيح) ما هو (فقال: صحته قبول قلوب الواجدين له إذا كانوا أشكالا غير أضداد) بأن يؤثر فيهم حاله بما ظهر عليه من أمارة الغلبة والقهر في حركاته وسكناته فيوقع الله صدقه في قلوبهم فينال كل منهم نصيبه من حاله، قال القشيري: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا الفرج الشيرازي يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: قال أبو سعيد الخراز: من ادعى أنه مغلوب عند الفهم يعني في السماع وأن الحركات مالكة له فعلامته تحسين المجلس الذي هو فيه بوجده، قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي: فذكرت هذه الحكاية لأبي عثمان المغربي فقال: هذا أدناه وعلامته الصحيحة أن لا يبقى في المجلس محق إلا أنس به ولا مبطل إلا استوحش منه. اهـ .

فهذا معنى قول المصنف أشكالا غير أضداد، (فإن قلت: فما بال الطباع تنفر عن الرقص ويسبق إلى الأوهام أنه باطل ولهو ومخالف للدين فلا يراه ذو جد في الدين إلا وينكره) هل لذلك من سبب، (فاعلم أن الجد لا يزيد على جد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد) ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه (رأى الحبشة يرقصون في المسجد) ويلعبون (فما أنكره لما أن كان في وقت لائق به وهو العيد) قيل هو يوم عيد الفطر، (ومن شخص لائق به وهو الحبشة) وهم من عادتهم ذلك، (نعم نفرة الطباع عنه; لأنه يرى غالبا مقرونا باللهو واللعب، واللهو واللعب مباح، ولكن للعوام من الزنوج والحبشة ومن أشبههم) ممن هو على طريقتهم، (وهو مكروه لذوي المناصب) الرفيعة؛ (لأنه لا يليق بهم وما كره لكونه غير لائق بمنصب ذي المنصب فلا يجوز أن يوصف بالتحريم) وله مثال .

(فمن سأل فقيرا شيئا فأعطاه رغيفا كان ذلك طاعة مستحسنة، ولو سأل ملكا فأعطاه رغيفا ورطلا من الخبز كان ذلك منكرا عند الناس كافة) وفي نسخة: عند الكافة (ومكتوبا في تواريخ الأخبار من جملة مساويه) أي: معايبه ومخازيه (يعير به أعقابه) أي: أولاده (وأشياعه) أي: أتباعه، (ومع هذا فلا يجوز أن يقال: ما فعله حرام; لأنه من حيث أنه أعطى خبزا للفقير حسن، ومن حيث إنه بالإضافة إلى منصبه كالمنع بالإضافة إلى الفقير مستقبح، فكذلك الرقص وما يجري [ ص: 574 ] مجراه من المباحات، ومباحات العوام سيئات الأبرار وحسنات الأبرار سيئات المقربين) ، وهو من كلام أبي سعيد الخراز، كما تقدمت الإشارة إليه مرارا، (ولكن هذا من حيث الالتفات إلى المناصب) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث