الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال ابن يونس : قال مطرف : يعاقب الغاش ; لمعصيته لقوله عليه السلام : ( من غشنا فليس منا ) ولا تفارق مناعة ; لأن مال العصاة معصوم إلا يسير اللبن ويسير الخبز يتصدق به عليه ; لأن التأديب بالأموال ترويج كالكفارات ، ولا يرد إليه الزعفران المغشوش ونحوه ، بل يباع عليه خشية أن يدلس بثمرة أخرى ، ويرد إليه من كسر من خبز ، قال مالك : ويقام من السوق .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : قال مالك : لا يخلط القمح بدونه ، ويعاقب الفاعل . وكذلك [ ص: 87 ] القمح بالشعير ; لأن الناس ينفرون من ذلك إذا اطلعوا عليه بخلاف المتأصل ، وكذلك جميع أنواع الطعام إلا التمور في الحائط عند الجذاذ ; لأنه العادة ، فإن خلط القمح بالشعير لعياله كره مالك بيع فضلته ، وكذلك غيره ، وخففه ابن القاسم إذا لم يتعمد ، وقال ابن القاسم : بيع الجزار الهزيل بالسمين ، والمشتري يرى ذلك ويجهل هذا من هذا كالشراء بالدرهمين بخلاف عشرين رطلا ; لأنه خطر ، قال : قال سحنون : يجوز صب الماء على العصير لئلا يصير خمرا ، قال صاحب البيان : لا يحل خلط لبن بقر وغنم ، وأن يبينه للمشتري ; لأنه غش ، قاله ابن القاسم ، ومنع خلط القمح بالشعير منه سدا للذريعة ، فإن بين مضى ، وإلا فله الرد ، ويلزمه تبين مقدارهما .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا بعت من البائع مثل الثمن ، فلا يرجع في تدليس ولا غيره ; لأنك عاوضت على السلعة سليمة ، أو بأقل قبل علمك رجعت بتمام الثمن ، دلس أولا لتعين الضلالة ، أو بأكثر ، فلا رجوع للبائع عليك إن دلس ، وإلا فله الرجوع وأخذ الثمن ، ثم لك رده عليه ، أو تتقاصان إن شئتما ، وإن بعته ثم علمت بالعيب فالخيار للبائع لضرر الشركة في غرم نصف قيمة العيب ، أو يأخذ نصف المعيب بنصف الثمن ولا شيء عليه للعيب ، قال صاحب النكت : إن رد على المشتري نصف العبد بالعيب وكان البائع غرم نصف قيمة العيب مثله أخذه من المشتري لذهاب ضرر الشركة ، وللمشتري رد المبيع وأخذ الثمن ، وعند أشهب : إذا باع بأقل من نصف الثمن بالأقل من تمام نصف الثمن أو نصف قيمة العيب ، ولو باع نصفه ووهب نصفه رجع في الموهوب بنصف قيمة العيب على القولين ، فإن وهب نصفه وبقي نصفه بيده وجب له الرجوع في الموهوب بنصف قيمة العيب ، ويخير البائع بين غرم نصف قيمة العيب ، وبين أخذ نصف العبد ، ويرد نصف الثمن .

                                                                                                                [ ص: 88 ] فرع

                                                                                                                قال اللخمي : القيام بالسرقة والإباق على أربعة أوجه فنقول : المشتري يمكن أن يكون عبدك فاحلف لي ، ولم نطلع منك على ذلك ، أو أخبرت بذلك ، أو فعل ذلك عندي وأخبرت بحدوثه عندك ، أو علمت بحدوثه ذلك عندك ، فعليه اليمين هاهنا للجمع بين دعوى العلم وثبوت ذلك ، ولا يمين في القسم الأول ولا خلاف في هذين ، واختلف فيما عداهما يحلفه ابن القاسم ; لأنه أمر ممكن ، وخالفه أشهب سدا لاتساع الدعاوي على البائعين ، فإن قال العبد : كنت أبقت عند البائع ، قال مالك : يحلف البائع ; لأنه لطخ .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا ظهر بأحد الخفين ، أو المصراعين ونحوه مما لا يفترق رد الجميع أو يرضى بهما ; لأن تفريقهما ضرر ، وقاله الأئمة .

                                                                                                                قال : يرد السمسار الجعل في الرد لعدم حصول المقصود ، قال صاحب النكت : إلا أن يدلس لدخول المدلس على ذلك ، قال أبو الحسن : إلا أن يدلس السمسار معه فيرد لدخوله هو أيضا على ذلك ، قال ابن يونس : قال سحنون : هذا إذا زدت على البائع كرها ، أما لو قبل باختيار السمسرة ، ولو استحقت من المشتري ثم ظهر فرجع بقيمة ما نقصه رجع أيضا على السمسار بما ينوب ما دفع البائع من قيمة العيب ، وإن رد بطوعه لم يرجع ، وإن حدث بيد المبتاع عيب مفسد واطلع على عيب قديم فرجح بقيمته رد السمسار من الجعل ما ينوب العيب ; لأنه جزء السلعة .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا قال البائع : المردود غير المبيع ، صدق المبتاع إن كان المردود يشبه الثمن وإلا صدق البائع ، قال صاحب البيان : قال ابن القاسم : إن قال : الثمن عشرة ، وقال البائع : خمسة أو عرض صدق مع يمينه ; لأنه غارم إلا أن [ ص: 89 ] يأتي بما لا يشبه ، فإن أتيا جميعا بما لا يشبه رد البائع القيمة يوم قبض السلعة معينة ، قال : وهو مشكل ، فإن الثمن إنما كان له وهو صحيح ، وذلك أيضا بعد أيمانهما ، أو نكولهما جميعا ، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر ، صدق الحالف ، وإن أتى بما لا يشبه ; لأن صاحبه كذب دعواه بنكوله .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا علم الرقيق صنعة ترفع قيمته ، ثم ظهر على عيب فله الرد ، أو يحبس ولا شيء له ; لأنه إنما علم لنفسه فليس له لزام ذلك لغيره ، وأما الصغير يكبر ، والكبير يهرم ففوت ، ويرجع بقيمة العيب ; لأن هذه عين أخرى ، قال ابن يونس : قال بعض القرويين : كان يجب في التعليم الإمساك والرجوع بقيمة العيب لما أنفق في التعليم ، وقد قال أشهب : إذا أعتق فرد العتق للدين ويبيع فيه ، ثم أيسر ، ثم أعدم ، ثم ظهر على عيب كان عند البائع الأول ، فله قيمة العيب ، ولا يرده لضرره بالعتق عليه .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا زوجها فله الرد وما نقصه التزويج ، وليس للبائع فسخ النكاح ; لأن النكاح صحيح لا يبطله إلا الطلاق ، والبائع أذن في التصرف ، فإن ولدت فالولد يجبر النقص فلا شيء عليه ، وقال غيره : لا يجبر النقص بالولد كما جبرها .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال اللخمي : إذا خاطه وأحب الإمساك ، له الرجوع بالعيب ، وإن أحب الرد لم يرد للقطع شيئا في التدليس وكان شريكا بالخياطة بقيمة الخياطة يوم الرد ; لأنه يوم تحقق الشركة إن زادت الخياطة وإلا فلا ، وقيل : قيمة الخياطة لا بما زادت وهو فرع الفسخ هل من جنس العقد أو من أصله ؟ وفي غير المدلس يقدم ثلاثة قيم : غير معيب ، ومعيبا ، ومقطوعا مقيما مخيطا ، فإن قيل : الأول مائة ، [ ص: 90 ] والثاني تسعون ، والثالث ثمانون رد عشر ثمنه ، وإن قيل : تسعون فلا شيء عليه ; لأن الخياطة جبرت القطع ، وإن قيل : مائة كان شريكا بعشرة ، هذا إذا لم يتغير سوقه ، فإن صبغه ولم يقطعه وأحب التمسك أخذ قيمة العيب ، كان البائع مدلسا أم لا ، وإن رد كان شريكا لما يزيده الصبغ يوم الرد في المدلس وغيره ; لأن أثر التدليس في التنقيص لا في الزيادة .

                                                                                                                ووافقنا ( ح ) وقال ( ش ) وابن حنبل : يبطل الرد ; لأن الصبغ عقد معاوضة فلا يجبر البائع عليه إلا برضاه .

                                                                                                                وجوابه : لا بد من أحد الضررين : إما إلزام المشتري معيبا لم يدخل عليه أو إلزام البائع معاوضة لم يرضها ، وهو أولى أن يحمل عليه لتقدم حق المشتري بالعقد ، فإن نقصه لم يغرم للتنقيص في التدليس ، وإلا غرم ، والاعتبار بالزيادة والنقص يوم العقد ، فإن نقص يوم العقد غرم ، وإن لم ينقص يوم الرد ، وإن زاد يوم العقد ونقص يوم الرد ، فلا غرم ; لأنه لو رده ذلك اليوم برئ .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الجواهر : إذا باع حليا ، بخلاف جنسه نقدا فوجده معيبا يجوز دفع الأرش للمشتري من جنس المبيع أو من سكة الثمن عند ابن القاسم وأشهب ، ويمتنع ما يخرج من جنس المبيع أو سكة الثمن عند ابن القاسم ، وأجازه أشهب ; لأنه دفع ظلامة لا معاملة مقصودة ، وقال سحنون : يمنع الصلح فيها مطلقا ; لأنه كصرف مستأخر .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية