الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                فرع ،

                                                                                                                قال صاحب المقدمات : إذا اشترط عدم الضمان : ثلاثة أقوال : المشهور : أنه لا ينفعه ; لأنه خلاف مقتضى العقد ، وكذلك المرتهن والمستعير ، وقال أشهب : ينفع ; لأن الأصل : اعتبار العقود ، ولأنه كان قادرا على عدم التزامه ، وإنما رضي المسمى لسقوط الضمان ، وينفع فيهما ; لأنه زيادة معروف ، بخلاف الإجارة لأنها مكايسة .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : يصدق مستأجر الغنم والدواب إلى مكة ذاهبا وراجعا في ضياعها في الابتداء ; لأنه أمين ، وعليه الأجرة ; لأن تسليم العين تسليم المنفعة ، والأصل بقاؤها عنده ، كما أن الأصل : براءته من الضمان إلا أن يأتي ببينة على وقت الضياع ، فلا أجرة لعدم المنفعة ، وإن أخبر رفقاءه أنه أخبرهم بالضياع حلف وسقطت الأجرة وقت الضياع ; لأن ذلك مرجح لجهته ، وقال غيره : يصدق في الضياع ، ولا يلزمه من الأجرة إلا ما قال : إنه انتفع به ; لأنه أمين .

                                                                                                                قاعدة : يقع التعارض في الشرع بين أصلين وظاهرين ، وأصل وظاهر ، ودليلين وبينتين ، ويختلف العلماء أيهما يقدم ؟ فالأصلان نحو : زكاة الفطر عن العبد الذي انقطع خبره ، الأصل : بقاء حياته ، والأصل عدم وجوب الزكاة ، [ ص: 506 ] والمقتول ملفوفا فينازع في حياته قبل الجناية : الأصل : بقاء حياته ، والأصل : البراءة من القصاص ، والظاهر : أن اختلاف الزوجين في متاع البيت ، كل واحد منهما يده ظاهرة في الملك ، فسوى الشافعي ورجحها بالعادة ، وشهادة عدلين منفردين برؤية الهلال ، الظاهر : صدق العدل ، والظاهر عدم خفاء ذلك على الناس مع الصحو وكثرة الجمع ، قبلها مالك وردها سحنون ، والأصل والظاهر : كالمقبرة القديمة ، الأصل عدم النجاسة ، والظاهر اختلاط ترابها بصديد الأموات وفضلات بطونهم ، والخلاف في جميع هذه الصور مذكور في موضعه بناء على هذه الأصول ، فتلاحظ هذه القاعدة في هذه الفروع ، قال ابن يونس : قيل : نقض ابن القاسم وغيره أصلهما ، إذا استعار دابة إلى موضع فلما رجع قال ربها : أعرتها لدون ذلك ، صدق ابن القاسم المستعير في الضمان لا في الكراء .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا اكترى قصعة يضمنها إلا أن يقيم بينة على ضياعها للتهمة ، قال ابن يونس : قال محمد : يضمن في دعواه الكسر ; لأنه قادر على تصديق نفسه بإحضار الفلقتين ، ويصدق إلا أن يقول : سرقت الفلقتان أو تلفتا فيصدق ، وإن كان بموضع يمكن إظهارهما لم يصدق ، وإلا صدق في الضياع ; لأنه أمين يعجز عن تصديق نفسه .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : يصدق في ضياع الثوب ( وغصبه وسرقته لأنه أمين إلا أن [ ص: 507 ] يتعدى أو يفرط ، قال اللخمي : قال سحنون : لا يصدق في ضياع الثوب ) ، ونحوه ، وقاله أشهب في الجفنة للتهمة ، قال : والمذهب أبين ; لأن الرقاب في يديه أمانة ، ولو قال : احترق الثوب ولم يأت منه بشيء لم يصدق لقوة التهمة بذلك ، ولو قال بعد الأخذ : ضاع قبل ذلك : لا يصدق عند ابن القاسم إلا ببينة تشهد أنه ذكر ذلك قبل ذلك فيحلف ، وعليه من الأجرة إلى وقت سماع ذلك منه ; لاستيفاء المنفعة إلى ذلك الوقت ، وقال أشهب : يصدق وعليه من الأجرة ما أقر أنه انتفع به ; لأنه أمين ، قال : والأول أحسن إذا لم يكن في سفر ، وإلا صدق مع يمينه .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : لا ضمان على الراعي إلا أن يتعدى أو يفرط ; لأنه أمين ، وإن استرعى عبدا بغير إذن سيده فتعدى فليس على سيده ولا في رقبته ; لتعدي رب الغنم في استعماله ، وإن شرط على الراعي الضمان فسدت الإجارة لمناقضة العقد ، ولا ضمان عليه ، وله أجرة المثل وإن زادت ، وقال غيره : لا يزاد على التسمية لرضاه بها ، ومن المحال أن تكون أكثر ; لأن شرط الضمان له حصة من التسمية ، قال ابن القاسم : وكذلك إن شرط عليه إن لم يأت لتسمية ما مات ضمنه له أجرة المثل بغير ضمان ، وإذا خاف على شاة فذبحها لم يضمن ; لأنه حافظ للمال على الضياع ، ويصدق إذا جاء بها مذبوحة ; لأن ذلك يكثر في الرعي ، وقال غيره : يضمن ما نحر لأنه من فعله ، ويصدق فيما هلك أو سرق ، ولو قال : ذبحتها ثم سرقت صدق ; لأنه أمين ، وإن أنزى على الإناث بغير إذن فعطبت [ ص: 508 ] ضمن لعدم تناول الإذن لذلك ، وقال غيره : لا يضمن ; لأنه شأن الرعاة ، وتنمية للمال ، وإن شرط الرعاية في موضع فرعاها في غيره ضمن يوم التعدي ، وله الأجرة إلى يوم التعدي ، قال ابن يونس : إذا استأجره على مائة شاة ولم يقل بأعيانها ، فله خلف ما مات ، وإن كانت بأعيانها امتنعت الإجارة حتى يشترط الخلف إن ماتت أو باعها ، وقال سحنون : الحكم يوجب الخلف فيستغني عن الشرط ، قال ابن حبيب : الأمر على الجواز حتى يشترط عدم الخلف ، قال سحنون : في الراعي المشترك شردت منه شاة فيطلبها قليلا ثم يرجع خشية هلاك غيرها : ليس بتفريط ، قال ابن حبيب : ولا يضمن إن نام فضاعت الغنم ، إن نام نهارا في أيام النوم إلا أن يأتي بما ينكر من ذلك ، أو يكون بموضع خوف ، وإذا فعل ما يجوز فعطبت منه كضرب الرعاة فلا ضمان ، خلافا لـ ( ح ) ، وإلا ضمن ، قاله ابن القاسم ، وقال ابن حبيب ، إذا رمى شاة أو بقرة ففقأ عينها ضمن ما ينقصها ; لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء ، ولا إذن في هذا ، قال اللخمي : إذا شرط عليه الضمان فرعى فله الأكثر من المسمى أو أجرة المثل ; لوجود الرضا واستيفاء العمل ، وقيل : المثل فقط كالبيع الفاسد ، ويجري فيه قول : إن الشرط جائز ، يضمن إن لم يأت بالسمة ; لأنه قادر على ذلك كما قال أشهب في الجفنة إذا ادعى الكسر ولم يأت بفلقتيها بخلاف أن يقول : سرقت أو ضلت ، وقال ابن حبيب : إذا استعار ثورا للحرث فذبحه وادعى الخوف عليه : ضمنه ، إلا أن يأتي بلطخ ظاهر ، بخلاف الراعي ; لأن الراعي يفوض إليه النظر ، ولو ذبح الراعي مريضة صدق قولا واحدا ، قال الأبهري : لو ذبحها وادعى خوف الموت عليها ففي تضمينه روايتان ، ولو أكلها وادعى خوف الموت ضمن اتفاقا لقوة التهمة .

                                                                                                                [ ص: 509 ] فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا اتخذ المكتري في الدار تنورا يجوز له فاحترقت الدار وبيوت الجيران ، لم يضمن ; لأنه فعل ما يجوز له كالموت من علاج الطبيب ، أو التعزير أو القصاص المأذون فيه ، فإن فات شرط عدم النار فأوقد ، ضمن لأنه متعد ، قال اللخمي : لا يضمن إذا كانت العادة نصب التنور في مثلها ووقد وقود مثله ، وإلا ضمن ، فإن جهلت زيادة الوقود : فقيل : يضمن ; لأن الغالب إذ ذاك لا يكون إلا عن زيادة الوقود ، وقيل : لا ; لأن الأصل عدم التعدي ، فإن شرط عدم الوقود ضمن الدار وحدها إذا كان الوقيد لو أذن فيه لم يكن للجار مقال ; لأن التعدي خاص بالدار وإلا ضمن كل ما احترق .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية