الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                فرع

                                                                                                                إذا أعرى جماعة : قال المازري : إذا أعرى جماعة أجاز مالك شراء جميعها من جميعهم ، وإن فات كل واحد خمسة أوسق بعد أن توقف فيها ، ويجوز شراء نصيب أحدهم وهو خمسة أوسق فأقل على التعليل بالمعروف ، أو دفع الضرر ; لأنه قد يتضرر من أحدهم دون غيره ، وإذا أعرى جماعة واحدا فلهم شراء العرية منه لقصد المعروف ودفع الضرر ، وأجاز ابن القاسم لأحدهم شراء ما أعراه على أصله في التعليل بدفع الضرر أو المعروف ، ومنع عبد الملك ; لأن العلة عنده دفع الضرر وهو باق .

                                                                                                                [ ص: 207 ] البحث السابع في سبب الرخصة : وفي ( الجواهر ) : فيه ثلاثة أقوال : المعروف ليحفظها له ، ويحمل عنه الجذاذ ، ودفع الضرر عن المشتري بدخول البائع وخروجه ، وتوقع أذيته وكشفه للعيال في البستان ، وهو قول مالك وابن القاسم في ( الكتاب ) وجوز عبد الملك لدفع الضرر دون المعروف ; لأن الغاية إنما هي بدفع الضرر غالبا .

                                                                                                                قاعدة : إذا ورد الشرع بحكم في محل : فإن تعذرت معرفة حكمته فهو تعبد ، وإن أمكنت من أوصاف مذكورة في النص فهو تنقيح المناط ، كحديث الأعرابي في إفساد الصوم ، ومن أوصاف غير مذكورة كتحريم الخمر وهو تخريج المناط ، ثم إن وجدنا وصفا واحدا جعلناه كمال العلة وأوصافا كلها مناسبة جعلنا المجموع علة ، إلا أن يومئ الشرع أو ينص على كل واحد منها بالاستقلال ، فيكون كل واحد علة ، فإن اجتمعت الأوصاف ترتب الحكم عليها أو انفرد أحدها ترتب الحكم عليه ، وهذا هو الفرق بين العلة المركبة من أوصاف ، وبين أوصاف كل واحد منها علة ، وهاهنا إنما الشرع للضرر من جهة أنه السبب الذي كانت الجاهلية تشتري لأجله العرايا فقرره الشرع ، ويؤكده : رخصة المساقاة ، والقراض ، وأكل الميتة ، وإساغة الغصة بالخمر ، والقصر والفطر في السفر ، كلها لدفع الضرر ، وإيماؤه للنفع والمعروف بقوله من جهة القياس على القرض بجامع بذل عين في مثلها ، وجواز رد عين المأخوذ فلا جرم اعتبر المشهور إحدى العلتين لا بعينها اجتمعتا أو افترقتا ، لدلالة الأدلة الشرعية على اعتبار كل واحدة منهما ، ورجح عبد الملك مناطه بكثرة وجوه القياس والاعتبار ، قال في ( الجواهر ) : ويتخرج على تحقيق العلة شراء بعض العرية ، [ ص: 208 ] وشراؤها إذا كانت جملة الحائط وهي خمسة أوسق ، وإذا أعرى جماعة عرية شراء حصته .

                                                                                                                تنبيه : قال المازري : ألزم الأشياخ مالكا وابن القاسم على التعليل المعروف : جواز شرائها لغير من أعراه لقصد المعروف كقول ( ش ) ، قال : وليس بلازم ; لأن المعروف يعتبر معه تقدم حق المشتري ، والأجنبي لم يتقدم له حق .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : إذا أعرى ثم باع بقية ثمره من رجل ، وأصل الحائط من آخر جاز له شراء العرية على التعليل بالمعروف ، ويمتنع على التعليل بالضرر ، قال اللخمي : إذا باع الثمار دون الأصل ، أو الأصل دون الثمار ، أو الثمار من رجل ، والأصل من آخر ، يخرج على التعليل ، ويجوز شراؤها لمن انتقلت إليه الثمرة لصحة المعروف ، ودفع الضرر منه وعنه ، ويمتنع ممن انتقل إليه الأصل إلا على التعليل بالمعروف .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال المازري : وإذا مات المعري والمعرى قام ورثتهما مقامهما .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : من له نخلة في حائط أجاز مالك وابن القاسم شراءها منه بخرصها لقصد المعروف ، ومنعه في ( الكتاب ) لدفع الضرر لقوة الملك ، ومنعه غيرهما للمعروف لأخذ ملك وليس أصله معروفا ففارق العرية ، وأجازه غير واحد للضرورة ، وعلى قول مالك هذا يجوز شراؤها بخرصها ممن لم يعره وإن [ ص: 209 ] كان أجنبيا لقصد المعروف ، ومن نفسه إذا باع المعرى عريته بعد الزهو أو وهبها جاز لمعريه شراؤها بخرصها ممن صارت إليه ، كمن وهبه لسكناه حياته يجوز للمسكن شراؤها عن المشتري أو الموهوب له ، كما له شراؤها منه ، ويمتنع بيعه لها من غيره .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : زكاة العرية وسقيها على رب الحائط ، وإن لم تبلغ نصابا إلا مع بقية الحائط ، أعراه شائعا ، أو معينا ، أو جميع الحائط ; لأن لفظ العرية يقتضي ذلك ، ولو تصدق بثمرة حائطه فالزكاة عليه ، ولا يحاسب بها المساكين ; لأن إعطاءه الثمرة ظاهر في تخليصها للمعطى له من الحقوق المتعلقة بها ، بخلاف الهبة كانت معينة أم لا ; لأنها ليست معروفا يناسب الحمل ، والأصل : وجوب الزكاة على المالك أو الموهوب له ملك ، ولا يجوز شراء الهبة بخرصها بل بالعين أو العرض ، قال ابن القاسم : قال أكابر أصحابنا العرية : مثل الهبة ، قال اللخمي : في ذلك أربعة أقوال : قال ابن حبيب : سقي الهبة وزكاتها على الواهب كالعرية ، ويجوز شراؤها بخرصها ; لأن العرية هبة ، وقال محمد : سقي العرية على المعري ; لأنه وهب ما هو مراح العلل وزكاتها على المعرى ; لأنه مالك ، قال : والصحيح أن الزكاة والسقي على المعطى ; لأنه ملك كما قاله أصحاب مالك ، قال صاحب ( المقدمات ) : الفرق بين العرايا والهبات أن العرية تقصد بها المواساة بالثمن لا نفس المعرى ، فلا تجب للمعرى إلا بالطيب ، فإن قبضها قبل ذلك وجب عليه سقيها وزكاتها ، والهبة يقصد بها [ ص: 210 ] عين الموهوب له ، فخرجت عن ملك الواهب ووجبت للموهوب له بالقبض ، فإن سماها هبة حملها ابن القاسم على الهبة حتى يتبين قصد العرية ، وعكس ابن حبيب نظرا للغالب في هذا الباب ، وفي ( الجواهر ) : سبب الخلاف في الزكاة : أن متولي القيام المخاطب بالزكاة ; لأنه لما وليها مع نخله فكأنه التزم ذلك فيه ، وقيل : لأن اللفظ يقتضي ذلك فيتخرج على ذلك ما إذا كانت العرية جملة الحائط .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال صاحب ( المقدمات ) : وبما تجب العرية للمعرى أربعة أقوال : القبض كالهبة للآثار كقول أشهب في الحبس ، وعن ابن القاسم بالطيب أو بقبض الأصول وإن لم يكن فيها تمر ، في ( المدونة ) بناء على أنه يقصد بها عين المعرى ; لأن من المواساة من حيث الجملة .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال ابن يونس : قال محمد : إذا باع الثمر بعد جواز بيعه فالسقي على البائع ; لأنه باع تمرا مزاح العلل ، وكذلك بيع الأصل فيه تمر مأبور للبائع ، قال المخزومي : على المشتري ; لأن السقي أصل النخل ، وقال سحنون : إذا كانت العرية أو الهبة بيد المعطى يسقي ذلك فالزكاة عليه ، أو بيد المعرى أو الموهوب يقوم عليها فالزكاة عليه لكمال ملكه بالحوز .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : من أعرى خمسة أوسق فأجيح الحائط إلا ذلك القدر ، قال أبو الفرج : ذلك للمعرى ; لأنه التزم له ذلك الكيل .

                                                                                                                [ ص: 211 ] فرع

                                                                                                                في ( الكتاب ) : منح لبن الأنعام أعواما لازم يمتنع الرجوع فيه ، وكذلك الإخدام والإسكان والعرية لقوله تعالى : ( أوفوا بالعقود ) ويجوز شراء الجميع بالعين والعرض والطعام نقدا مؤجلا ، ويجوز شراء سكنى دار لسكنى دار أخرى ، وخدمة عبد بخدمة عبد ; لأنه باب معروف ، وإذا مات المعرى قبل أن يطلع في النخل شيء أو يجوز المعرى عريته ، أو فيها تمر لم يطب لكنه لم يجذ ، أو قبل حوز المنحة أو السكنى أو الإخدام بطل جميع ذلك وهو للورثة ; لقول الصديق رضي الله عنه لعائشة رضي الله عنها لما وهبها جاد عشرين وسقا من تمر : لو كنت حزتيه لكان لك ، وإنما هو اليوم مال وارث حين حضرته الوفاة ، فكان ذلك عاما في سائر التبرعات ، قال صاحب ( التنبيهات ) : قال ابن حبيب : لا بد من حوز الرقاب ويطلع فيها تمر ، وحمل بعضهم ( الكتاب ) عليه ، وقال أشهب : حوز أحد الأمرين كاف : إما الرقاب أو طلوع التمر ، وحمل أبو عمران الكتاب عليه ، قال صاحب ( النكت ) : قال بعض الأندلسيين : قول ابن القاسم في شراء المنحة بالطعام ضعيف ; لأنه بيع اللبن بالطعام غير يد بيد بخلاف الشاة اللبون المراد رقبتها ، وقال بعض الأندلسيين : بل رقبة الشاة ممنوعة منه فشراؤه تخليص للرقبة ، وشراء هذه الأمور ليس رجوعا في الهبة المنهي عنه ; لأن النهي خاص بهبة الأصول ، وأما المنافع والغلات فلا ; لإباحته شراء العرية .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية