الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال اللخمي : لو صبغه على غير الصفة : فإن أمكن نقله إلى الصفة فعل ، وإلا فإن نقصت فلك قيمة النقص دون قيمة الثوب ، إن كان النقص يسيرا فعليك الأقل من الزيادة أو الأجرة ; لأن لك التمسك بالعقد وعدم التمسك للمخالفة ، أو لم يزد ولم ينقص فلا شيء عليه ، هذا إن كانت المخالفة في نوع الصبغ كالأزرق مع الأكحل ، فإن صبغه أكحل وشرط أحمر : خيرت بين قيمة الثوب وأخذه ، ودفع قيمة الصبغ ، ويصح جريان الخلاف المتقدم [ ص: 517 ] وينظر : هل زاد الصبغ أم نقص ؟ لأن لك التمسك بملكك في الثوب ، فإن كانت الصنعة قصارة فقصره أسود : فالقول قول من دعى إلى تكميل القصارة ، فإن عجز عن التكملة غرم قيمته أسمر ، قال سحنون : إلا أن يكون التغيير يسيرا فقيمته ذلك العمل ناقصا ، قال اللخمي : تقوم الصفة المشترطة والمعمولة فيحط من المسمى قدر ذلك إلا أن تكون زيادة الصنعة على قيمته أسمر أقل فلا يكون عليه شراء ما زادت القيمة ، أو تكون قيمته مصبوغا أقل منه ، فعلى الصانع ما نقصت قيمته ، ولا يغرم له شيئا ; لأنه أفسده ، ولو كانت الصنعة خياطة فخاطه مقلوبا ومتى نقصت وأعيد زال النقص : فالقول قول من ادعى إلى نقصه ; لأنه مقتضى العقد ، وإن لم يتعين نقصه لتعارض عيب القلب وعيب الفتق ، خيرت بين تبقيته وفتقه ، وإلزامه بخياطته ، وإن كان أشد فتقه لعيبه قدم عدم الفتق ، ويغرم ما نقصت قيمته الآن ، دفعا لمزيد الضرر عنه ، إلا أن يلتزم أن لا يغرمه أكثر من عيبه قبل الفتق ، فيجبر هو على إعادته توفية بالعقد ، وإن كان الفساد لرداءة الخياطة : فلك إلزامه بفتقه وإعادته بخياطة مثله ، وعليه الأقل من نقصه الآن وما ينقص بعد الفتق ، ولا أجرة له في الخياطة ; لأنها دخلت في القيمة ، وجبر بها النقص ، وإن حدث عيب من غير الخياطة : فقيمة العيب قبل الخياطة وإن كانت الصنعة بناء فأخطأ فيه فعليه هدمه وإعادته وقيمة ما أتلف من جير وغيره ، ولك إبقاء البناء ولا أجرة له ; لأن لك نقضه .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : يضمن الصانع قيمة ما أفسد أجيره ، ولا شيء على الأجير .

                                                                                                                [ ص: 518 ] إلا أن يتعدى أو يفرط ; لأنه بمنزلة الصانع عند رب السلعة ، قال ابن يونس : قال أشهب : إذا كان الغسال يبعث بالثياب إلى البحر مع أجرائه ، والخياط يذهب أجراؤه بالثياب إلى بيوتهم ضمنوا ; لأنهم كالصانع يغيب على السلعة ، قال ابن يونس : ذلك إذا أجرهم على حمل الثياب مقاطعة ، فإن دفعت الأجرة له ولم يدفع لأجيره أجره ، فلك أخذ ثوبك من أجيره ، قاله بعض المدنيين ، قال : والأشبه أن لا يأخذه حتى يدفع الأجرة له لأنك لست مستحقا لغير تلك الصنعة ، قال اللخمي : إذا ضمنا أجير الأجير فلك تضمين الأجير ، ولك أخذ أكثر القيمتين يوم قبض هذا أو قبض ذلك ، فإن كانت قيمته يوم قبض الثاني أقل رجعت بتمامها على الأول ; لأن الثاني غريم غريم .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا لم يفرط الفران في إحراق الخبز ولا غر من نفسه لم يضمن لغلبة النار عليه ، وإلا ضمن . قال ابن يونس : قال ابن حبيب : ذلك إذا بقي من الخبز شيء يدل على احتراقه ، أما لو ذهب جملة ضمن للتهمة .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا دفع القصار ثوبك لغيرك بعد القصارة فخاطه لك غيره : يرده ويضمنه - ثوبك - أو تأخذه مخيطا وتدفع أجرة الخياطة لمن خاطه ; لأنه عمل في ثوبك ، ولأنه غير متعد نقص أو زاد ، ولا شيء على القصار ، ولك أخذ ما خاطه الغاصب بغير شيء لتعديه ، قال صاحب التنبيهات : يروى في المدونة في مسألة القصار إن امتنع من دفع الخياطة قيل للآخر : اعطه قيمة [ ص: 519 ] ثوبه أو سلمه إليه مخيطا ، فإن دفعه خير ربه بين أخذه وتضمين القصار ثوبه ; لأنه سبب القطع ، وقال سحنون : إن امتنع من دفع الخياطة لم يكن له إلا تضمين القصار القيمة ، ويعطي القصار الخياطة للخياط ، فإن امتنع أعطاه الخياط قيمته غير مخيط ، فإن امتنع كانا شريكين بقيمة الثوب والخياطة ، قال ابن يونس : قال ابن القاسم : إذا غلط الغسال فدفع لرجل غير ثوبه فلبسه فنقصه بلبسه غير عالم ، ينظر كم نقصه لبسه ؟ وكم ينقص ثوبه لو لبسه ؟ فإن زاد هذا اللبس غرم الزائد ، ويغرم الغسال البقية لأنه بجنايته ، فإن نقص غرم اللبس ، ولا شيء على الغسال لأخذ الأرش من غيره ، ولو لبسه عالما غرم ما نقصه اللبس مطلقا دون الغسال ، إلا أن يكون عديما فيغرم الغسال ويتبع ذمة اللابس ، فإن لبس كل واحد منهما ثوب صاحبه فكما تقدم في العلم والجهل ، قاله ابن حبيب : والفرق بين هذه وبين من أثاب من صدقة طعاما فأكله أو ثوبا فلبسه ثم قيل له : إن الصدقة لا ثواب فيها فلا شيء عليه ، وإن كان كل واحد منهما صون مال نفسه ، أن المثيب سلط على مال نفسه ، والغسال سلط على مال غيره .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا غلط البائع فدفع إليك غير ثوبك فقطعته قميصا ، فله أخذه بغير شيء ، فإن خطته دفع إليك قيمة الخياطة ; لأنك لم تتعد ، قال صاحب النكت : لا يكونان شريكين عند ابن القاسم هاهنا وفي مسألة القصار ، بخلاف استحقاق الثوب بعد الخياطة ; لأنهما مفرطان في التسلم ، والمشتري لم يفرط فيشارك ، وسوى سحنون في الشركة بالقياس على الاستحقاق بعد الخياطة أو الصنعة في الثوب أو البناء في الأرض ; لأن هؤلاء بسطوا أيديهم في أملاكهم في ظنهم ، والفرق عند ابن القاسم بين الرد على البائع الغالط يرد [ ص: 520 ] عليه بغير شيء للقطع ، وبين الرد بالعيب بعد القطع لا يرد إلا بنقص القطع في غير المدلس : أن المراد بالعيب يمكنه التمسك ، فلما رد ألزم بالقطع .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية