الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : احمل طعاما إلى موضع كذا ولك نصفه : يمتنع ; لأنه بيع معين ( يتأخر قبضه ) ، قال ابن يونس : أجازه أشهب حتى يشترط التأخير لعدم [ ص: 382 ] تعين الفساد . فإن نزل : قيل : للحمال نصفه ، وعليه مثله في الموضع الذي حمله منه ، وله أجرة المثل في النصف الآخر ما بلغ ، وأعيب هذا لأنه يلزم إذا هلك الطعام أن يضمن نصفه ; لأنه بالقبض في ذمته ، بل الطعام كله لربه وعليه الأجرة ، قال : وهو الصواب كمسألة الجلود وغيرها ، الجلود لربها ، وعليه الأجرة ، فإن ادعيت أن المعاملة وقعت بشرط التعجيل لنصيبه ، وادعى أنها وقعت بشرط التأخير صدقت ; لأن الأصل الصحة وتضمنه مثل مكيلة الآخر في موضع الحمل ، ولا كراء له ; لأنه البلاغ ، فإن كانت عادة صدق مدعيها وإن كانت فاسدة .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : يجوز إجارتك على بناء دارك هذه ، والجص والآجر من عنده ; لأن مقدار العمل والمؤن معلوم عادة ، وقال غيره : يجوز ذلك قبالة إذا لم يشترط عمل يديه ، ويقدم النقد حذرا من الدين بالدين ، قال ابن يونس : هذه إجارة وبيع الآجر والجص في عقد ، وقول الغير خلاف لابن القاسم ، وابن القاسم يجيز عمل رجل بعينه ; لأنه شرع في العمل ، وقيل : إنما يصح قول ابن القاسم على أحد وجهين : إما على أن يعمل الجص والآجر بيده فيصح ، كما يأخذ من الخباز والجزار كل يوم مقدارا ، ويؤخر الثمن ، فيجوز تقديم النقد وتأخيره إذا شرع في العمل ، أو يكون المعجل من الآجر والجص يسيرا ويتأخر الأكثر ، مثل أجل السلم ; لأنه جعله في عمل رجل بعينه فامتنع تأخير إجارته ; لأنه عقد مع عمله سلما ، فإن تأخر عمله لأجل سلم الآجر والجص ، وانتقد الأجرة ، امتنع ; لأنه رجل بعينه ، قال ابن حبيب : كل ما استعمل فيه الصناع فهو عمل مضمون حتى يشترط عمل أيديهم . وإلا فلهم استعمال غيرهم [ ص: 383 ] إلا من العادة قصده لجودة عمله ، قال اللخمي : تجوز مسألة الكتاب إذا شرع في العمل أو بعد الأيام اليسيرة ، ويجوز فيها الثمن نقدا أو مؤجلا . وإن لم يشترط شيئا نقد ما ينوب المدة ، وما ينوب العمل انتقد منه كل ما مضى يوم بقدر عمله ، فإن كان الصانع والمؤن مضمونين جاز على أحكام السلم إلى أجل معلوم ، ويقدم رأس المال ، وإن كان للبناء عندهم زمن معلوم حملا عليه إن سكتا ، وإن شرط الابتداء بعد يوم جاز على قول مالك في المسلم إلى ذلك ، وإن كان الفراغ من العمل في اليومين جاز تأخير رأس المال الأمد البعيد ، ويكون المعجل دينا للمؤجل ، وإن تأخر البناء المدة البعيدة وجب تقديم رأس المال الأجل المضمون ; لأن الغالب تراخي البناء إلى أجل السلم ، سواء كان المتأخر المؤن أو البناء ، وإذا كان المعين أو المضمون سواء ، أو المضمون الأكثر ، وإلا جاز تأخير جميع الثمن عند أشهب ، واختلف في المتساويين ، ويشترط تقديم ما ينوب المضمون وتأخير ما ينوب المعين هل يجوز كما لو اشترطا أو يفسد لأنه لم ينقد جميع ما ينوب المؤجل ؟ وكل هذا إنما يجوز إذا وصف البناء بعدد المساكن وسعتها وعرض الحوائط وارتفاعها ، وإن كان المصنوع منه غير معين وصف أيضا .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : يمتنع إجارة بيت الرحا من رجل ، والرحا من آخر ، ودابتها من آخر في كل شهر بكذا في عقد واحد ; للجهل بحصتها من الأجرة إلا بالتقويم ، وكذلك في الاستحقاق ، وإجارة غيره كجمع الرجلين سلعتيهما في عقد ، قال ابن يونس : فإن نزل على مذهب ابن القاسم على كل واحد أجرة مثله لفساد العقد ، وقيل : تقسم الأجرة المسماة على قدر أحد هذه الأشياء .

                                                                                                                [ ص: 384 ] فرع

                                                                                                                قال ابن يونس : إن دفع له موضعا يبني فيه رحا بغلة يوم في الشهر : الغلة للعامل ، وعليه أجرة المثل لجهالة الأجرة ، ويخير بين قلع البناء وإعطائه قيمته مقلوعا ، قاله ابن القاسم ; لأنه استحق الهدم وقال يحيى بن يحيى : بل قائما ; لأنه وضعه بإذنه بخلاف الاستحقاق ، وقيل : للباني قيمة ما دخل من خشب وآجر وجص يوم وضعه فيها ; لأن وضعه كتسليم رب الأرض له ، وله أجرة عمله في ذلك ، والغلة لرب الأصل ، ويرد في الطعام مثل كيله ، فإن جهل الكيل فقيمة ذلك المقدار دون قدره حذرا من الطعام متفاضلا .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                في الكتاب : يمتنع تعليم العبد الكتابة سنة بنصفه لعجزه عن قبض نصيبه قبل السنة ، وقد يموت فيذهب العمل باطلا ، ويجوز على تعليمه الخياطة بما يخيطه مدة التعليم ; لأنه متعارف عادة ، قال صاحب النكت : إذا نزل الأول فله أجرة مثله ، والعبد لسيده إن جعله له بصفته بعد السنة ، وإن جعله له الآن . امتنع أيضا ، وإن فات العبد منهما ، وعلى المعلم نصف قيمته للآخر ، وعلى الآخر نصف قيمة تعليمه ، قال بعض الشيوخ : إذا دفعه له يعلمه سنة فمات في نصف السنة فربما كان أجر التعليم في النصف الأول الثلثين ; لأن تعليمه أشق ، وأجر عمله الثلث لضعف صنعته في النصف الأول ، وفي النصف الثاني الثلثين لقوتهما فحينئذ يسقط من أجرة المثل نصفها ، ويكمل له الثاني ، وعلى هذا التقدير يعمل ، وإن استأجر العبد على حمل الطعام إلى بلد بنصفه ، ولم يشترط قبضه الآن ولا في البلد : فعلى مذهب ابن القاسم : هو على الفساد [ ص: 385 ] حتى يشترط القبض الآن ، ويجيزه غيره حتى يشترط تأخيره للبلد ، فإن شرط تأخيره للبلد ، وحمل الطعام : قيل يكون للحمال نصفه ، وعليه مثله في الموضع المحمول منه ، وله كراؤه في النصف الآخر ، وقيل : يلزم على هذا لو هلك الطعام أن يضمن نصفه ; لأنه بالقبض حصل في ذمته وهو بعيد ; لأنه إنما جعله له بعد الوصول ، قال ابن يونس : قال أبو محمد في المسألة الأولى : إذا عثر عليه بعد السنة له أجرة المثل ، فإن فات بيد المعلم بعد السنة فالعبد بينهما ، وعلى المعلم نصف قيمته يوم تمام السنة معلما ، وله أجرة مثله ، ولو شرط القبض الآن ففات بيد المعلم قبل تمام السنة فله نصف قيمة تعليمه ، وعليه نصف قيمة العبد الآن يوم قبضه ، ويكون بينهما .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية