الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                البحث السادس في كيفية بيعها : وفي ( الكتاب ) : أرخص للمعرى أن يشتري الثمرة إذا أزهت بخرصها يابسا إلى الجذاذ ، فإن كانت أكثر من خمسة أوسق امتنع بيعها بتمر نقدا وإلى أجل بطعام يخالفها إلى أجل ; لأنه بيع الطعام بالطعام بسببه ، ويجوز له ولغيره شراء ما أزهى ، وإن كثر بالعين والعرض نقدا وإلى أجل لعدم المحظور بالطعام المخالف لها نقدا ; لأن النسأ في الجنس وغيره حرام ، ويتعجل جذاذها ، فإن تفرقا في الطعام قبل القبض والجذاذ امتنع للنسأ في الطعام ، قال صاحب ( التنبيهات ) : يجوز شراؤها بخرصها بعشرة شروط : أن يكون مشتريها معريها لاختصاص الضرر به ، وأن تطيب حتى تؤمن الآفات والثمر ثمرة ; لأنه مورد السنة ، وبخرصها ; لأن العدول عنه يؤكد عدم التماثل ، ويتحد النوع ; لأنه المقصود بالخرص ، وحذرا من المكايسة ، وأن تكون إلى الجذاذ ، فهذه الستة متفق عليها عندنا ، وأن تكون باسم العرية ; لأنه مورد السنة ، وأن يكون خمسة أوسق فأقل ، وأن يشتري جملة ما أعرى لئلا ينفي الضرر بعد ارتكاب الحظر ، وأن يكون مما ييبس ويدخر ، وهذه الأربعة مختلف فيها ، قال صاحب ( المقدمات ) : يشترط أن يكون التمر من نوعها وصنفها ، ويستوي معريها ومن صار إليه تمر الحائط ، وأن يكون باسم العرية عند ابن القاسم ، قال صاحب ( المنتقى ) : إذا انتقلت العرية ببيع أو هبة [ ص: 201 ] أو ميراث جاز لهم بيعها كما كان ذلك ، فإن كانت له المشاركة اللاحق السابق في الضرر : قال صاحب ( الإكمال ) : وجوزه ( ش ) من الأجنبي ، ويرد عليه قوله عليه السلام : ( يأكلها أهلها تمرا ) فنبه على العلة وأنها رفق أهلها ، وقد روي : أرخص في بيع العرية بالرطب وبالتمر .

                                                                                                                وجل الأحاديث لم يذكر فيها إلا التمر ، فيحمل قوله : رطبا أو تمرا على شك الراوي ، ووقع خارج مسلم بخرصها رطبا بغير شك ، غير أنه انفرد به رواية ، وعن مالك : يجوز بخرصها وبغيره ، وعنه : لا يجوز بغيره تقديما للقياس على الخبر ، ولقوله عليه السلام : ( العائد في الهبة كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه ) وعنه : عكسه ; لأنهما رخصة فلا يتعدى بها محلها ، قال الطرطوشي : ووافقنا ( ش ) على بيع العرية في الجملة وخالفنا في تأخير الثمن ، وفي بيعها من الأجنبي ، وقال ( ح ) : بيعها حرام ، وإنما هو رجوع في الهبة على أصله : أنه لا يجوز لكل أحد الرجوع في هبته إلا الوالد فهو يرجع في هبته عنده ، وإعطاؤه تمرا تطييبا [ ص: 202 ] لقلبه ، وحمل الأحاديث هذا أولى من حملها على مخالفة الأصول أو على أنه كان وقت إباحة الربا ، أو لأن خبر الواحد إذا خالف الأصول يترك للقياس ، أو يمتنع بالقياس على الحب ، أو نقول : إذا امتنع على الأرض فعلى رءوس النخل أولى ، والجواب عن الأول : أن الخبر يدل على أنه بيع لا فسخ للهبة من وجوه خمسة : أحدها قوله : ( أرخص ) والرجوع عندكم في الهبة ليس رخصة ، ولقوله : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع التمر بالتمر ، وإنما أرخص في بيع العرايا ، والمستثنى منه بيع حقيقة فكذلك المستثنى ; لأن الأصل في الاستثناء أن يكون متصلا ، ولأن الرخصة تقتضي تقدم حظر ، وإنما يتصور في البيع لا في الهبة ، ولقوله عليه السلام : خرصا ، وفسخ الهبة لا يحتاج للخرص ، بل يجوز التعويض بالقليل والكثير وبغير شيء ، وخامسها : لتخصيصه بخمسة أوسق ، فسخ الهبة لا يختص ، ولأن هذه المعوضة تفتقر لتراضيها ، وفسخ الهبة لا يحتاج لذلك ، وعن الثاني : أنه فسخ بمجرد الاحتمال فيمتنع ثم أتى قوله : نهى عن بيع التمر بالتمر إلا أنه أرخص في بيع العرايا ، ومقتضى الرخصة تقدم الحظر ، ولأنه لو كان الربا مباحا لما قدر بخمسة أوسق ، وعن الثالث : أن الخبر في نفسه أصل فلا تترك الأصول ولا تفسخ بالقياس ، وعن الرابع : أنا نقول به في الحبوب ، وإنما يمتنع بيعها بالخرص حيث يتعذر الخرص ، وعن الخامس : أن بيعه على النخل لدرء ضرورة التكرر للحائط وهي منفية إذا كان على الأرض ، واحتج ( ش ) على وجوب [ ص: 203 ] التعجيل : بأن التأخير ينافي الطعام .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال صاحب ( المنتقى ) : من له في حائط نخلة جوز ابن القاسم شراءها منه للمعروف .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال : ولا تباع العرية بالبسر ولا بالرطب بل بنوعها من التمر .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال صاحب ( النكت ) : جوز الشيخ أبو الحسن إذا اشتراها بخرصها أن يعطيه غير صنفها ; لأنه معروف يشبه القرض ، والقرض يجوز فيه ذلك .

                                                                                                                فرع

                                                                                                                قال اللخمي : يمتنع شراؤها بأدنى من نوعها ; لأنه مكايسة مناقض للمعروف الذي خولفت الأصول لأجله ، فإن كان أحمد يقصد رفع الضرر امتنع ; لأنه مكايسة أو للمعروف جاز ; لأنه معروف ، وإن باعها بخرصها قبل بدو الصلاح نقص إن كانت قائمة ، فإن فاتت بالجذاذ وجهلت المكيلة فالقيمة ، ومصيبتهما في رءوس النخل من البائع ، لنهيه عليه السلام عن بيع التمر حتى يزهو على أصل ابن القاسم ، وعلى أصل أشهب في عدم الجائحة فيها في [ ص: 204 ] البيع الصحيح يكون على المعرى قيمتها ; لأنها في أصوله وسقيه فهي كالمقبوضة .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية