الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون

جزء التالي صفحة
السابق

آ. (57) قوله تعالى: ولهم ما يشتهون : يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن هذا جملة من مبتدأ وخبر، أي: يجعلون لله البنات، ثم أخبر أن لهم ما يشتهون. وجوز الفراء والحوفي والزمخشري وأبو البقاء أن تكون "ما" منصوبة المحل عطفا على "البنات" و "لهم" عطف على "لله"، أي: ويجعلون لهم ما يشتهون.

قال الشيخ: "وقد ذهلوا عن قاعدة نحوية: وهو أنه لا يتعدى فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل إلا في باب ظن وفي عدم وفقد، ولا فرق بين أن يتعدى الفعل بنفسه أو بحرف الجر، فلا يجوز: "زيد ضربه"، أي: ضرب نفسه، ولا "زيد مر به"، أي: مر بنفسه، ويجوز: "زيد ظنه قائما"، و "زيد فقده" و "عدمه"، أي: ظن نفسه قائما وفقد نفسه وعدمها. إذ تقرر هذا فجعل "ما" منصوبة عطفا على "البنات" يؤدي إلى تعدي فعل المضمر المتصل وهو واو "يجعلون" إلى ضميره المتصل، [ ص: 243 ] وهو "هم" في "لهم". انتهى ملخصا.

وما ذكره يحتاج إلى إيضاح أكثر من هذا فأقول فيها مختصرا: اعلم أنه لا يجوز تعدي فعل المضمر المتصل ولا فعل الظاهر إلى ضميرهما المتصل، إلا في باب ظن وأخواتها من أفعال القلوب، وفي فقد وعدم، فلا يجوز: "زيد ضربه "ولا" ضربه زيد"، أي: ضرب نفسه. ويجوز: "زيد ظنه قائما"، و "ظنه زيد قائما"، و "زيد فقده وعدمه"، و "فقده وعدمه زيد"، ولا يجوز تعدي فعل المضمر المتصل إلى ظاهره في باب من الأبواب، لا يجوز "زيدا ضرب"، أي: ضرب نفسه.

وفي قولي: "إلى ضميرهما المتصل" قيدان أحدهما: كونه ضميرا، فلو كان ظاهرا كالنفس لم يمتنع نحو: "زيد ضرب نفسه" و "ضرب نفسه زيد". والثاني: كونه متصلا، فلو كان منفصلا جاز نحو: "زيد ما ضرب إلا إياه"، و "ما ضرب زيد إلا إياه"، وعلل هذه المسألة وأدلتها موضوعها غير هذا الموضوع، وقد أتقنتها في "شرح التسهيل".

وقال مكي: "وهذا لا يجوز عند البصريين، كما لا يحوز: جعلت لي طعاما"، إنما يجوز: "جعلت لنفسي طعاما"، فلو كان لفظ القرآن "ولأنفسهم ما يشتهون" جاز ما قال الفراء عند البصريين. وهذا أصل يحتاج إلى تعليل وبسط كثير".

قلت: ما أشار إليه من المنع قد عرفته ولله الحمد مما قدمته لك. [ ص: 244 ] وقال الشيخ بعد ما حكى أن "ما" في موضع نصب عن الفراء ومن تبعه: "وقال أبو البقاء وقد حكاه -: وفيه نظر". قلت: وأبو البقاء لم يجعل النظر في هذا الوجه، إنما جعله في تضعيفه بكونه يؤدي إلى تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل في غير ما استثني فإنه قال: "وضعف قوم هذا الوجه وقالوا: لو كان كذلك لقال: ولأنفسهم، وفيه نظر"، فجعل النظر في تضعيفه لا فيه.

وقد يقال: وجه النظر الممتنع تعدي ذلك الفعل، أي: وقوعه على ما جر بالحرف نحو: "زيد مر به" فإن المرور واقع بزيد، وأما ما نحن فيه فليس الجعل واقعا بالجاعلين، بل بما يشتهون، وكان الشيخ يعترض دائما على القاعدة المتقدمة بقوله تعالى: وهزي إليك بجذع النخلة ، واضمم إليك جناحك والجواب عنهما ما تقدم: وهو أن الهز والضم ليسا واقعين بالكاف، وقد تقدم لنا هذا في مكان آخر، وإنما أعدته لصعوبته وخصوصية هذا بزيادة فائدة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث