الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثاني في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها من الحرام

الباب الثاني .

في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها عن الحلال والحرام .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات واقع الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه .

فهذا الحديث نص في إثبات الأقسام الثلاثة ، والمشكل منها القسم المتوسط الذي لا يعرفه كثير من الناس ، وهو الشبهة فلا بد من بيانها وكشف الغطاء عنها ، فإن ما لا يعرفه الكثير فقد يعرف القليل فنقول .

الحلال المطلق هو الذي خلا عن ذاته الصفات الموجبة للتحريم في عينه ، وانحل عن أسبابه ما تطرق إليه تحريم أو كراهية ومثاله الماء الذي يأخذه الإنسان من المطر قبل أن يقع على ملك أحد يكون ، هو واقفا عند جمعه وأخذه من الهواء في ملك نفسه ، أو في أرض مباحة .

والحرام المحض هو ما فيه صفة محرمة لا يشك فيها كالشدة المطربة في الخمر ، والنجاسة في البول .

أو حصل بسبب منهي عنه قطعا ، كالمحصل بالظلم والربا ونظائره فهذان طرفان ظاهران ويلتحق بالطرفين ما تحقق أمره ولكنه ، احتمل تغيره ولم يكن لذلك الاحتمال سبب يدل عليه فإن صيد البر والبحر حلال ومن أخذ ظبية فيحتمل أن يكون قد ملكها صياد ثم أفلتت منه وكذلك السمك يحتمل أن يكون قد تزلق من الصياد بعد وقوعه في يده وخريطته فمثل ، هذا الاحتمال لا يتطرق إلى ماء المطر المختطف من الهواء ، ولكنه في معنى ماء المطر .

والاحتراز منه وسواس ولنسم هذا الفن ورع الموسوسين حتى تلتحق به أمثاله ، وذلك لأن هذا وهم مجرد لا دلالة عليه نعم ، لو دل عليه دليل ، فإن كان قاطعا كما لو وجد حلقة في أذن السمكة أو كان محتملا كما لو وجد على الظبية جراحة يحتمل أن يكون كيا لا يقدر عليه إلا بعد الضبط .

، ويحتمل أن يكون جرحا فهذا موضع الورع ، وإذا انتفت الدلالة من كل وجه ، فالاحتمال المعدوم دلالته كاحتمال المعدوم في نفسه .

التالي السابق


(الباب الثاني في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها من الحرام)

[ ص: 32 ] (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحلال بين) أي: ظاهر واضح، لا يخفى حله، وهو ما نص الله أو رسوله أو أجمع المسلمون على تحليله بعينه أو جنسه، ومنه ما لم يرد فيه منع في أظهر الأقوال، (والحرام بين) أي: واضح لا تخفى حرمته، وهو ما نص أو أجمع على تحريمه بعينه أو جنسه، أو على أن فيه عقوبة، أو وعيدا، ثم التحريم إما لمفسدة أو مضرة خفية كالربا، ومذكى المجوس أو واضحة كالسم والخمر، (وبينهما) أي: بين الحلال والحرام الواضحين (أمور) أي: شئون وأحوال، (مشتبهات) بها لكونها غير واضحة الحل والحرمة لتجاذب الأدلة، وتنازع المعاني والأسباب، فبعضها يعضده دليل التحريم، والبعض بالعكس ولا مرجح لأحدهما إلا خفاء، والحصر في الثلاثة صحيح; لأنه إن صح نص أو إجماع على الفعل فالحلال أو على المنع جزما فالحرام، أو سكت أو تعارض فيه نصان ولا مرجح فالمشتبه، (لا يعلمهما كثير من الناس) أي: من حيث الحل والحرمة لخفاء نص أو عدم صراحته، أو تعارض نصين، وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس أو استصحاب أو لاحتمال الأمر فيه الوجوب والندب والنهي والكراهة والحرمة، أو لغير ذلك، وما هو كذلك لا يعلمه إلا قليل من الناس، وهم الراسخون، فإن تردد الراسخ في شيء لم يرد به نص ولا إجماع اجتهد بدليل شرعي، فيصير مثله، وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال فيكون الورع تركه كما قال: (فمن اتقى الشبهات) أي: اجتنبها، وفي لفظ: المشبهات، وإنما وضع الظاهر موضع المضمر تفخيما لشأن اجتناب الشبهات، (فقد استبرأ) بالهمز، وقد يخفف، أي: طلب البراءة (لعرضه) بصونه عن الوقيعة فيه بترك الورع الذي أمر به، (ودينه) من الذم الشرعي هكذا في النسخ، والرواية تقديم الدين على العرض، (ومن وقع في الشبهات) ، وفي رواية: في المشتبهات (واقع الحرام) ، وفي لفظ: وقع في الحرام، أي: يوشك أن يقع فيه; لأنه حول حريمه، وقال: واقع أو وقع دون يوشك أن يقع، كما قال في المشتبه به الآتي; لأن من تعاطى الشبهات صادف الحرام ، وإن لم يتعمده إما لإثمه بسبب تقصيره في التحري أو لاعتياده التساهل وتجريه على شبهة بعد أخرى إلى أن يقع في الحرام، أو تحقيقا لمداناة الوقوع، وسره أن حمى الملوك محسوسة يحترز عنها كل بصير، وحمى الله تعالى لا يدركه إلا ذو البصائر، ولما كان فيه نوع خفاء ضرب المثل المحسوس بقوله (كالراعي) ، وفي لفظ: كراع، والمراد به هنا حافظ الحيوان يرعى، (حول الحمى) ، المحمي وهو المحذور على غير مالكه (يوشك) بكسر الشين أي: يسرع (أن يقع فيه) ، وفي لفظ: أن يواقعه، أي: تأكل ماشيته منه فيعاقب، وبقية الحديث: "ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" .

قال العراقي : متفق عليه من حديث النعمان بن بشير اهـ .

قلت: يرويه الشعبي واختلف عنه، فرواه ابن عون عنه عن النعمان ابن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة ، فساقه، هكذا رواه المعتمر وشعيب بن إسحاق عن ابن عون ، وخالفهما الليث بن سعد ، فرواه عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال ، عن عون بن عبد الله ، عن الشعبي ، أنه سمع النعمان بن بشير بن سعد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس بحمص ، وهو يقول: "الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن استبرأهن فقد أسلم لدينه وعرضه، ومن وقع فيهن فيوشك أن يقع في الحرام كالمرتع إلى جانب الحمى، فيوشك أن يقع" . ورواه البيهقي في الشعب بلفظ: "حلال بين وحرام بين، وشبهات بين ذلك، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم، كان لما استبان له أترك، ومن اجترأ على ما شك فيه أوشك أن يواقع الحرام، وإن لكل ملك حمى، وحمى الله في الأرض معاصيه" .

(فهذا الحديث نص في إثبات الأقسام الثلاثة، والمشكل منها القسم المتوسط الذي لا يعرفه كثير من الناس، وهو الشبهة) ; لأنه كما تقدم إنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس أو استصحاب، ولذلك خفي الأمر، (فلا بد من بيانها وكشف الغطاء عنها، فإن من لا يعرفه الكثير فقد يعرفه القليل) ، وهم الراسخون في العلم، (فنقول الحلال المطلق هو الذي انحلت عن ذاته الصفات الموجبة للتحريم في عينه، وانحل عن أسبابه ما يتطرق إليه تحريم أو كراهية) ، وأصل الحل حل العقدة، ومنه استعير حل الشيء حلالا، وهو أحد [ ص: 33 ] المعنيين في تسمية الزوجة بالحليلة والزوج بالحليل; لأن الآثام قد انحلت بينهما، أي: لأنها حلال له، وهو حل لها، (ومثاله الماء الذي يأخذه الإنسان من المطر قبل أن يقع على ملك أحد، ويكون هو واقفا عند أخذه) له (وجمعه) له (من الهوا في ملك نفسه، أو في أرض مباحة) ، ليس لأحد فيها ملك أو شبهة ملك، ( والحرام المحض ما فيه صفة محرمة لا يشك فيها كالشدة في الخمر، والنجاسة في البول، أو حصل بسبب منهي عنه قطعا، كالمحصل بالظلم والربا ونظائره) أي: الحلال هو ما أحله الكتاب والسنة، وحللته الأحكام من سائر الأسباب والمعاني المباحة التصريف في العلم، فهو مشتق من اسمه، وهو ما انحلت المطالبة عنه، وانحلت العقوبة فيه بخروج الظلم والخيانة والحرام منه، والحرام ما لم يكن كذلك .

وروى الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث سلمان رضي الله عنه قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء، فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو ما عفي عنه" . (فهذان طرفان ظاهران ويلتحق بالطرفين ما تحقق أمره، ولكن احتمل تغيره ولم يكن لذلك الاحتمال سبب يدل عليه) ، ظاهر أو خفي، (فإن صيد البر والبحر حلال) بنص الكتاب والسنة، (ومن أخذ ظبية فيحتمل أن يكون قد قبضها صياد ثم أفلتت منه) أي: من يده، (وكذلك السمك يمكن أن يكون قد تزلق من) يد (الصياد بعد وقوعه في يده، وفي خريطته) وهي الكيس الذي يجمع فيه ما صاده، (ومثل هذا الاحتمال لا يتطرق إلى المطر المختطف من الهواء، ولكنه في معنى ماء المطر في الحل) أي: حكمهما واحد، (والاحتراز منه وسواس) محض، (فلنسم هذا الفن ورع الموسوسين حتى يلحق به أمثاله، وذلك لأن هذا وهم مجرد لا دلالة عليه) من خارج (نعم، لو دل عليه دليل، فإن كان قاطعا) للشك، (كما لو وجد حلقة في أذن الظبية أو سنارة في السمك) ، فهما دليلان قاطعان على تفلتهما من يد الصياد، (أو كان) ذلك الدليل (محتملا كما لو وجد على الظبية جراحة) ، فهذا (يحتمل أن يكون كيا) بالنار (لا يقدر عليه إلا بعد الصيد، ويحتمل أن يكون جرحا) فبرأ، (فهذا موضع الورع، وإذا انتفت الدلالة من كل وجه، فالاحتمال المعدوم دلالته كالاحتمال المعدوم في نفسه) ، فإنه لم يكن لذلك الاحتمال بقاء إلا بسبب وجود دلالة قائمة عليه، فإذا عدمت الدلالة من أصلها عدم ذلك الاحتمال الذي يتطلب لقيامه تلك الدلالة من أصله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث