الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الأول في فضيلة الألفة والأخوة وفي شروطها ودرجاتها وفوائدها

الباب الأول .

في فضيلة الألفة والأخوة وفي شروطها ودرجاتها وفوائدها .

فضيلة الألفة والأخوة .

اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق والتفرق ثمرة سوء الخلق فحسن الخلق يوجب التحاب والتآلف والتوافق وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر ومهما كان المثمر محمودا كانت الثمرة محمودة وحسن الخلق لا تخفى في الدين فضيلته وهو الذي مدح الله سبحانه به نبيه عليه السلام ، إذ قال : وإنك لعلى خلق عظيم وقال النبي صلى الله عليه وسلم : أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق وقال أسامة بن شريك قلنا : يا رسول الله ، ما خير ما أعطي الإنسان ؟ فقال خلق حسن وقال صلى الله عليه وسلم : بعثت لأتمم محاسن الأخلاق .

التالي السابق


(الباب الأول في فضيلة الألفة والأخوة [ ص: 171 ] وفي شروطها ودرجاتها وفوائدها)

بيان ( فضيلة الألفة والأخوة ) في الله تعالى، (اعلم أن الألفة) بضم الهمزة وكسرها اتفاق الآراء في المعاونة عن تدبير المعاش، (ثمرة حسن الخلق) ، فحسن الخلق هو الأصل بمنزلة الشجرة وثمرتها الألفة، (والتفرق) على البعض (ثمرة سوء الخلق) ، فإنه يحمل على ذلك، (فحسن الخلق يوجب التحاب والتآلف والتوافق) ، وبها يتم نظام المعاش، (وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر) ، وبها يفسد نظام المعاش، (ومهما كان المثمر محمودا كانت الثمرة محمودة) لا محالة، (وحسن الخلق لا يخفى في الدين فضيلته) ومقامه، (وهو الذي مدح الله سبحانه به نبيه صلى الله عليه وسلم، إذ قال: وإنك لعلى خلق عظيم ) ، أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والواحدي من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دعاه أحد من أصحابه، ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، فلذلك أنزل الله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ، ومسلم وابن المنذر ، والحاكم ، وابن مردويه من حديث سعد بن هشام رضي الله عنه قال: أتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن: وإنك لعلى خلق عظيم .

وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن المنذر ، والبيهقي في الدلائل عن عطية العوفي في قوله: وإنك لعلى خلق عظيم قال: أدب القرآن .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس : وإنك لعلى خلق عظيم قال: القرآن .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: الدين .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مالك قال: الإسلام .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبزى وسعيد بن جبير قالا: على دين عظيم، (وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق ) .

قال العراقي : رواه الترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة ، وقال: صحيح الإسناد، وقد تقدم اهـ .

(وقال أسامة بن شريك) الثعلبي بالمثلثة والمهملة صحابي تفرد بالرواية عنه زياد بن علاقة على الصحيح، روى له الأربعة. ( قلنا: يا رسول الله، ما خير ما أعطي الإنسان؟ فقال: حسن الخلق ) ، وفي نسخة: خلق حسن، قال العراقي : رواه ابن ماجه بإسناد صحيح .

(وقال صلى الله عليه وسلم: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) بعدما كانت ناقصة أو أجمعها بعد التفرقة، وقال بعضهم: أشار به إلى أن الأنبياء قبله بعثوا بمكارم الأخلاق، وبقيت بقية فبعث صلى الله عليه وسلم بما كان معهم وبتمامها. وقال الحكيم الترمذي : أنبأنا به أن الرسل قد مضت ولم تتمم هذه الأخلاق، فبعث بإتمام ما بقي عليهم .

قال العراقي : رواه أحمد والبيهقي والحاكم ، وصححه من حديث أبي هريرة انتهى، قلت: لكن لفظهم جميعا: إنما بعثت .

قال الحافظ السخاوي : أورده مالك في الموطأ بلاغا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عبد البر : هو متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة مرفوعا، منها ما أخرجه أحمد في مسنده، والخرائطي في أول المكارم من حديث محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا: "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" . ورجاله رجال الصحيح .

قلت: وكذلك رواه ابن سعد في الطبقات، والبخاري في الأدب المفرد، ثم قال السخاوي والطبراني في الأوسط: بسند فيه عمر بن إبراهيم القرشي وهو ضعيف عن جابر مرفوعا: إن الله بعثني بتمام مكارم الأخلاق، وكمال محاسن الأفعال ، ومعناه صحيح، وقد عزاه الديلمي لأحمد بن معاذ ، وما رأيته فيه انتهى .

قال الحراني : صالح الأخلاق هي صلاح الدين والدنيا والمعاد التي جمعها في قوله: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي هي معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي .



(تنبيه) :

قال الشيخ الأكبر قدس سره: معنى الحديث أنه لما قسمت الأخلاق إلى مكارم وإلى سفساف، وظهرت مكارم الأخلاق كلها في شرائع الرسل وتبيين سفسافها من مكارمها عندهم، وما في العالم إلا أخلاق الله، وكلها مكارم فما ثم سفساف أخلاق، فبعث فبينها عليه السلام بالكلمة الجامعة إلى الناس كافة، وأوتي جوامع الكلم، وكل نبي يقدمه على شرع خاص، فأخبر عليه السلام أنه بعث ليتمم صالح الأخلاق ; لأنها أخلاق الله، فالحق ما قيل فيه: إنه سفساف أخلاق بمكارم أخلاق، فصار الكل مكارم أخلاق، فما ترك عليه السلام في العالم سفساف [ ص: 172 ] أخلاق جملة واحدة لمن عرف مقصد الشرع، فأبان لنا مصارف لهذا المسمى سفسافا من نحو حرص وحسد وشره وبخل، وكل صنعة مذمومة، فأعطانا لها مصارف إذا أجريناها عليها عادت مكارم أخلاق، وزال عنها اسم الذم، فكانت محمودة فتمم الله به مكارم الأخلاق، فلا ضد لها، كما أنه لا ضد للحق، لكن منا من عرف المصارف، ومنا من جهلها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث