الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَصْلٌ وَكَانَ لِبَهْرَامَ وَلَدٌ قَدْ رَسَمَهُ لِلْأَمْرِ بَعْدَهُ ، فَرَآهُ نَاقِصَ الْهِمَّةِ ، فَوَكَّلَ مَنْ يُؤَدِّبُهُ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمَازِنِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو نَاظِرَةَ السُّدُوسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي قَبِيصَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْيَمَانُ بْنُ عَمْرٍو - مَوْلَى ذِي الرِّئَاسَتَيْنِ - قَالَ: كَانَ ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ يَبْعَثُنِي وَيَبْعَثُ أَحْدَاثًا مِنْ أَحْدَاثِهِ إِلَى شَيْخٍ بِخُرَاسَانَ لَهُ أَدَبٌ وَحُسْنُ مَعْرِفَةٍ بِالْأُمُورِ ، وَيَقُولُ لَنَا: تَعَلَّمُوا مِنْهُ الْحِكْمَةَ ، فَإِنَّهُ حَكِيمٌ ، فَكُنَّا نَأْتِيهِ ، فَإِذَا انْصَرَفْنَا مِنْ عِنْدِهِ سَأَلْنَا ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ ، فَاعْتَرَضَ مَا حَفِظْنَاهُ فَنُخْبِرُهُ بِهِ ، فَصِرْنَا ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الشَّيْخِ فَقَالَ لَنَا: أَنْتُمْ أُدَبَاءُ ، وَقَدْ سَمِعْتُمُ الْحِكْمَةَ ، وَلَكُمْ جَدَّاتٌ وَنِعَمْ ، فَهَلْ فِيكُمْ عَاشِقٌ ؟ فَقُلْنَا: لَا . فَقَالَ: اعْشَقُوا فَإِنَّ الْعِشْقَ مُطْلِقُ اللِّسَانِ الْعَيِّ ، وَيَفْتَحُ حِيلَةَ الْبَلِيدِ وَالْمُخْتَلِّ ، وَيَبْعَثُ عَلَى التَّنَظُّفِ وَتَحْسِينِ الثِّيَابِ ، وَتَطْيِيبِ الْمَطْعَمِ ، وَيَدْعُو إِلَى الْحَرَكَةِ وَالذَّكَاءِ وَشَرَفَ الْهِمَّةِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْحَرَامَ . فَانْصَرَفْنَا مِنْ عِنْدِهِ إِلَى ذِي الرِّئَاسَتَيْنِ ، فَسَأَلْنَا عَمَّا أَفَدْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ ، فَهِبْنَا أَنْ نُخْبِرَهُ ، فَعَزَمَ عَلَيْنَا ، فَقُلْنَا لَهُ إِنَّهُ أَمَرَنَا بِكَذَا وَكَذَا ، وَقَالَ لَنَا كَذَا وَكَذَا . قَالَ: صَدَقَ وَاللَّهِ ، تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ أَخَذَ هَذَا ؟ قُلْنَا: لَا . قَالَ ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ : إِنَّ بَهْرَامَ جَوْرَ كَانَ لَهُ ابْنٌ ، وَكَانَ قَدْ رَسَمَهُ لِلْأَمْرِ بَعْدَهُ ، فَنَشَأَ الْفَتَى نَاقِصَ الْهِمَّةِ ، سَاقِطَ الْمُرُوءَةِ ، خَامِلَ النَّفْسِ ، سَيِّئَ الْأَدَبِ ، فَغَمَّهُ ذَلِكَ ، فَوَكَّلَ بِهِ الْمُؤَدَّبِينَ وَالْحُكَمَاءَ وَمَنْ يُلَازِمُهُ وَيُعَلِّمُهُ ، وَكَانَ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ فَيَحْكُونَ مَا يَغُمُّهُ مِنْ سُوءِ فَهْمِهِ وَقِلَّةِ أَدَبِهِ ، إِلَى أَنْ سَأَلَ بَعْضَ مُؤَدِّبِيهِ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ الْمُؤَدِّبُ: قَدْ كُنَّا نَخَافُ سُوءَ أَدَبِهِ فَحَدَثَ مِنْ أَمْرِهِ مَا صِرْنَا إِلَى الْيَأْسِ مِنْ صَلَاحِهِ . قَالَ: وَمَا ذَاكَ الَّذِي قَدْ حَدَثَ ؟ قَالَ: رَأَى ابْنَةَ فُلَانٍ الْمَرْزُبَانِ فَعَشِقَهَا حَتَّى غَلَبَتْ عَلَيْهِ ، وَهُوَ لَا يَهْذِي إِلَّا بِهَا ، وَلَا يَتَشَاغَلُ إِلَّا بِذِكْرِهَا فَقَالَ بَهْرَامُ : الْآنَ رَجَوْتُ فُلَانَةً ، ثُمَّ دَعَا بِأَبِي الْجَارِيَةِ فَقَالَ: إِنِّي مُسَرٌّ إِلَيْكَ سِرًّا فَلَا يَعْدُونَّكَ ، فَضَمِنَ لَهُ سِرَّهُ فَأَعْلَمَهُ أَنَّ ابْنَهُ قَدْ عَشِقَ ابْنَتَهُ ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْكِحَهَا إِيَّاهُ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَهَا بِإِطْمَاعِهِ فِي نَفْسِهَا وَمُرَاسَلَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهَا وَتَقَعَ عَيْنَاهُ عَلَيْهَا ، فَإِذَا اسْتَحْكَمَ طَمَعُهُ فِيهَا تَجَنَّتْ عَلَيْهِ وَهَجَرَتْهُ ، فَإِنِ اسْتَعْتَبَهَا أَعْلَمَتْهُ أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِمَلِكٍ ، وَمَنْ هِمَّتُهُ هِمَّةُ الْمُلُوكِ ، وَأَنَّهُ يَمْنَعُهَا مِنْ مُوَاصَلَتِهِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ ، ثُمَّ لِيُعْلِمَهُ خَبَرُهَا وَخَبَرُهُ . وَلَا يُطْلِعُهَا عَلَى مَا أَسَرَّ إِلَيْهِ . فَقَبِلَ أَبُوهَا ذَلِكَ مِنْهُ . ثُمَّ قَالَ لِلْمُؤَدِّبِ الْمُوَكَّلِ بِتَأْدِيبِهِ: خَوِّفْهِ بِي ، وَشَجِّعْهِ عَلَى مُرَاسَلَةِ الْمَرْأَةِ . فَفَعَلَ ذَلِكَ ، وَفَعَلَتِ الْمَرْأَةُ مَا أَمَرَهَا بِهِ أَبُوهَا ، فَلَمَّا انْتَهَتْ إِلَى التَّجَنِّي عَلَيْهِ ، وَعَلِمَ الْفَتَى السَّبَبَ الَّذِي كَرِهَتْهُ لِأَجْلِهِ ، أَخَذَ فِي الْأَدَبِ ، وَطَلَبَ الْحِكْمَةَ وَالْعِلْمَ وَالْفُرُوسِيَّةَ وَالرِّمَايَةَ ، وَضَرْبَ الصَّوَالِجَةِ حَتَّى مَهَرَ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ رَفَعَ إِلَى أَبِيهِ أَنَّهُ يَحْتَاجُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْآلَاتِ وَالْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ وَالنُّدَمَاءِ إِلَى فَوْقَ مَا يَقْدِرُ . فَسُرَّ الْمَلِكُ بِذَلِكَ [ وَأَمَرَ لَهُ بِهِ ] فَدَعَا مُؤَدِّبَهُ فَقَالَ: إِنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي وَضَعَ بِهِ ابْنِي نَفْسَهُ مِنْ حُبِّ هَذِهِ الْمَرْأَةِ لَا يُزْرِي بِهِ ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيَّ أَمْرَهَا ، وَيَسْأَلَنِي أَنْ أُزَوِّجَهُ إِيَّاهَا . فَفَعَلَ ، فَرَفَعَ الْفَتَى ذَلِكَ إِلَى أَبِيهِ ، فَدَعَا بِأَبِيهَا فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ ، وَأَمَرَ بِتَعْجِيلِهَا ، وَقَالَ: إِذَا اجْتَمَعْتَ أَنْتَ وَهِيَ فَلَا تُحْدِثْ شَيْئًا حَتَّى أَصِيرَ إِلَيْكَ . فَلَمَّا اجْتَمَعَا صَارَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ ، لَا يَضَعْنَ مِنْهَا عِنْدَكَ مُرَاسَلَتُهَا إِيَّاكَ ، وَلَيْسَتْ فِي حِبَالِكَ ، فَإِنِّي أَنَا أَمَرْتُهَا بِذَلِكَ ، وَهِيَ أَعْظَمُ النَّاسِ مِنَّةً عَلَيْكَ بِمَا دَعَتْكَ إِلَيْهِ مِنْ طَلَبِ الْحِكْمَةِ وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ الْمُلُوكِ حَتَّى بَلَغْتَ الْحَدَّ الَّذِي تَصْلُحُ مَعَهُ لِلْمُلْكِ مِنْ بَعْدِي ، فَزِدْهَا مِنَ التَّشْرِيفِ وَالْإِكْرَامِ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّ مِنْكَ . فَفَعَلَ الْفَتَى ذَلِكَ ، وَعَاشَ مَسْرُورًا بِالْجَارِيَةِ ، وَعَاشَ أَبُوهُ مَسْرُورًا بِهِ ، وَأَحْسَنَ ثَوَابَ أَبِيهَا ، فَرَفَعَ مَرْتَبَتَهُ وَشَرَفَهُ بِصِيَانَتِهِ سِرَّهُ وَطَاعَتِهِ إِيَّاهُ ، وَأَحْسَنَ جَائِزَةَ الْمُؤَدّبِ بِامْتِثَالِهِ مَا أَمَرَهُ بِهِ ، وَعَقَدَ لِابْنِهِ عَلَى الْمُلْكِ بَعْدَهُ . قَالَ الْيَمَانُ مَوْلَى ذِي الرِّئَاسَتَيْنِ : ثُمَّ قَالَ لَنَا ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ : سَلُوا الشَّيْخَ الْآنَ لِمَ حَمَلَكُمْ عَلَى الْعِشْقِ . فَسَأَلْنَا فَحَدَّثَنَا بِحَدِيثِ بَهْرَامَ جَوْرَ وَابْنَهُ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية