الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النظر الثاني في قدر المأخوذ وصفة الآخذ

وآثر عثمان عليا رضي الله عنهما بها فقبل ذلك منه ، ولم ينكر .

وكل ذلك جائز ، في محل الاجتهاد ، وهو من المجتهدات التي أقول فيها : إن كل مجتهد مصيب ، وهي كل مسألة لا نص على عينها ولا على مسألة تقرب منها ، فتكون في معناها بقياس جلي كهذه المسألة ومسألة حد الشرب فإنهم جلدوا أربعين وثمانين ، والكل سنة وحق ، وأن كل واحد من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مصيب باتفاق الصحابة رضي الله عنهم إذ المفضول ما رد في زمان عمر شيئا إلى الفاضل مما قد كان أخذه في زمان أبي بكر ، ولا الفاضل امتنع من قبول الفضل في زمان عمر ، واشترك في ذلك كل الصحابة واعتقدوا أن كل واحد من الرأيين حق .

فليؤخذ هذا الجنس دستورا للخلافات التي يصوب فيها كل مجتهد .

فأما كل مسألة شذ عن مجتهد فيها نص أو قياس جلي بغفلة أو سوء رأي وكان في القوة بحيث ينقض حكم المجتهد ، فلا نقول فيها إن كل واحد مصيب بل المصيب من أصاب النص أو ما ، في معنى النص .

وقد تحصل من مجموع هذا أن من وجد من أهل الخصوص الموصوفين بصفة تتعلق بها مصالح الدين أو الدنيا وأخذ من السلطان خلعة أو إدرارا على التركات أو الجزية لم يصر فاسقا بمجرد أخذه وإنما يفسق بخدمته لهم ومعاونته إياهم ودخوله عليهم وثنائه وإطرائه لهم إلى غير ذلك من لوازم لا يسلم المال غالبا إلا بها كما سنبينه .

التالي السابق


(وآثر عثمان عليا رضي الله عنهما فقبل) علي (ذلك منه، ولم ينكر) ، فدل ذلك على الجواز .

(وكل ذلك) أي: من التفضيل والإقطاع والإيثار (جائز، فإنه في محل الاجتهاد، وهو من) جملة المسائل (المجتهدات التي أقول فيها: إن كل مجتهد مصيب، وهي كل مسألة لا نص على عينها ولا على مسألة تقرب منها، فتكون في معناها بقياس جلي) . اعلم أنه ليس كل مجتهد في العقليات مصيبا، بل الحق فيها واحد، فمن أصابه أصاب، ومن فقده أخطأ وأثم، وقال القشيري والجاحظ : كل مجتهد فيها مصيب، أي: لا إثم عليه، وهما محجوجان بالإجماع كما نقله الآمدي ، وأما المجتهدون في المسائل الفقهية، فهل المصيب منهم واحد، أو الكل مصيبون، فيه خلاف مبني على أن كل صورة هل لها حكم معين أم لا، وفيها أقوال كثيرة ذكرها إمام الحرمين فقال: اختلف العلماء في الواقعة التي لا نص فيها على قولين; أحدهما: إنه ليس لله تعالى فيها قبل الاجتهاد حكم معين، بل حكم الله فيها تابع لظن المجتهد، وهؤلاء هم القائلون بأن كل مجتهد مصيب، وهم الأشعري والقاضي وجمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة ، واختلف هؤلاء فقال بعضهم: لا بد وأن يوجد في الواقعة ما لو حكم الله تعالى فيها بحكم لا يحكم إلا به، وهذا هو القول الأشبه، وقال بعضهم: لا يشترط ذلك، والقول الثاني: أن له في كل واقعة حكما معينا، وعلى هذا فثلاثة أقوال أحدها، وهو قول طائفة من الفقهاء والمتكلمين حصل الحكم من غير دلالة، ولا أمارة، بل هو لدفين يعثر عليه الطالب اتفاقا، فمن وجده فله أجران، ومن أخطأه فله أجر واحد، والقول الثاني عليه أمارة دليل ظني [ ص: 124 ] والقائلون به اختلفوا فقال بعضهم: لم يكلف المجتهد بإصابته لخفائه وغموضه، فلذلك كان المخطئ فيه مأجورا معذورا، وهو قول كافة الفقهاء، وينسب إلى الشافعي وأبي حنيفة ، وقال بعضهم: إنه مأمور بطلبه أولا، فإن أخطأ وغلب على ظنه شيء آخر يعتبر التكليف، وصار مأمورا بالعمل بمقتضى ظنه، والقول الثالث: أن عليه دليلا قطعيا والقائلون به اتفقوا على أن المجتهد مأمور بطلبه; لكن اختلفوا فقال الجمهور: إن المخطئ فيه لا يأثم، ولا ينقص قضاؤه، وقال بشر المريسي فيه بالتأثيم، والأصم بالنقض، وإليه يذهب أن لله تعالى في كل واقعة حكما معينا عليه دليل ظني، وأن المخطئ فيه معذور، وأن القاضي لا ينقض قضاؤه به، هذا حاصل كلام الإمام .

(فهذه المسألة ومسألة حد الشرب) سواء، (فإنهم جلدوا أربعين سوطا وثمانين، والكل سنة وحق، وأن كل واحد من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مصيب باتفاق الصحابة إذ المفضول في زمان عمر ما رد شيئا إلى الفاضل مما كان قد أخذه في زمان أبي بكر ، ولا الفاضل امتنع من قبول الفضل في زمان عمر ، واشترك في ذلك الصحابة واعتقدوا أن كل واحد من الرأيين حق) روى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه من حديث أنس : "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلد بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر ، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف : أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر " . ولفظ البخاري : "أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بجريد والنعال، وضرب أبو بكر أربعين" . وقد رواه مسلم أيضا، وبه تمسك الشافعي وقال أبو حنيفة : ثمانون وتمسك بفعل عمر ، وأنه بإجماع الصحابة، وفي الصحيح: أن عثمان أمر عليا أن يجلد الوليد ثمانين، وفي رواية: أربعين، ويجمع بينهما بما رواه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين أن علي بن أبي طالب جلد الوليد بسوط له طرفان ، رواه الشافعي في مسنده، وكل ما ورد في هذا الباب من ضربه أربعين سوطا محمول على ذلك، (فليؤخذ هذا الجنس دستورا للاختلافات التي يصوب فيها كل مجتهد، فأما كل مسألة شذت عن مجتهد فيها نص) على عينها (أو قياس جلي) ، وكان شذوذها عنه (لغفلة) عنها، (أو سوء رأي) منه، (وكان في القوة بحيث ينقض به حكم المجتهد، فلا نقول فيها أن كل واحد مصيب) في اجتهاده، (بل المصيب من أصاب النص ، وما في معنى النص) بدلالة أو أمارة أو عثور من إلهام الله تعالى، (فقد تحصل من مجموع هذا) الذي أوردته، (أن من وجد من أهل الخصوص الموصوفين بصفة تتعلق بها مصالح الدين أو الدنيا) بأن يكون عالما أو شجاعا أو حيسوبا. (وأخذ من السلطان خلعة أو جوائز من الزكاة) والمواريث، (والجزية) أو غيرها مما هو ماله إلى مال المصالح، (لم يصر فاسقا بمجرد أخذه) منه، (وإنما يفسق بخدمته لهم ومعاونته إياهم وثنائه عليهم وإطرائه لهم إلى غير ذلك من لوازم) تقدم تفصيلها، (لا يسلم آخذ المال غالبا منها) ، ولا ينفك عنها إلا بها (كما سنبينه) في الباب الذي يليه الآن إن شاء الله تعالى .



(تنبيه) :

قال أصحابنا: ومن مات ممن يقوم بمصالح المسلمين كالقضاة والغزاة وغيرهم لا يستحق من العطاء شيئا ; لأنه صلة فلا يملك قبل القبض، ولو مات في آخر السنة يستحب صرفه إلى قريبه; لأنه قد أوفى عناه فيصرف إليه ليكون أقرب إلى الوفاء، ولو عجل له كفاية سنة، ثم عزل قبل تمام السنة قيل: يجب رد ما بقي من السنة، وقيل: على قياس قول محمد في نفقة الزوجة يرجع وعندهما لا يرجع، وهو يعتبره بالإنفاق على امرأة ليتزوجها وهما يعتبرانه بالهبة، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث