الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب نفي الالتباس في الفرق بين الدليل والقياس وذكر من ذم القياس على غير أصل وما يرده من القياس أصل قال أبو عمر رحمه الله : " لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة ، وهم أهل الفقه والحديث في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام إلا داود بن علي بن خلف الأصفهاني ثم البغدادي ومن قال بقولهم ، فإنهم نفوا القياس في التوحيد والأحكام جميعا ، وأما أهل البدع فعلى قولين في هذا الباب سوى القولين المذكورين ، منهم من أثبت القياس في التوحيد والأحكام جميعا ، ومنهم من أثبته في التوحيد ونفاه في الأحكام وأما داود بن علي ومن قال بقوله ، فإنهم أثبتوا الدليل والاستدلال في الأحكام وأوجبوا الحكم بخبر الآحاد العدول كقول سائر فقهاء المسلمين في الجملة ، والدليل عند داود ومن اتبعه نحو قول الله جل وعز ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) لو قال قائل : فيه دليل على رد شهادة الفساق كان مستدلا مصيبا وكذلك قوله ( إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ) وكان فيه دليل على قبول خبر العدل ، ونحو قول الله عز وجل [ ص: 888 ] ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ) دليل على أن كل مانع من السعي إلى الجمعة واجب تركه ؛ لأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن جميع أضداده ، ونحو قول النبي صلى الله عليه وسلم :

1671 - " من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع " دليل على أنها إذا بيعت ولم تؤبر فثمرها للمبتاع ، ومثل هذا النحو حيث كان من الكتاب والسنة ، وقال سائر العلماء : في هذا الاستدلال قولان أحدهما أنه نوع من أنواع القياس وضرب منه على ما رتب الشافعي وغيره من مراتب القياس وضروبه وأنه يدخله ما يدخل القياس من العلل ، والقول الآخر أنه هو القياس بعينه وفحوى خطابه " قال أبو عمر : " القياس الذي لا يختلف أنه قياس هو تشبيه الشيء بغيره إذا أشبهه والحكم للنظير بحكم نظيره إذا كان في معناه والحكم للفرع بحكم أصله إذا قامت فيه العلة التي من أجلها وقع الحكم ، ومثال القياس أن السنة المجمع عليها وردت بتحريم . [ ص: 889 ]

1672 - البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والذهب بالذهب والورق بالورق والملح بالملح إلا مثلا بمثل ويدا بيد فقال قائلون من الفقهاء : القياس حكم الزبيب والسلت والدخن والأرز كحكم البر والشعير والتمر وكذلك الفول والحمص ، وكل ما يكال ويؤكل ويدخر ويكون قوتا وإداما وفاكهة مدخرة ؛ لأن هذه العلة في البر والشعير والتمر والملح موجودة ، وهذا قول مالك وأصحابه ومن تابعهم وقال آخرون : العلة في البر وما ذكر معه في الحديث من الذهب والورق والتمر والشعير أن ذلك كله موزون أو مكيل فكل مكيل أو موزون فلا يجوز فيه إلا ما يجوز في السنة من النساء والتفاضل هذا قول الكوفيين ومن تابعهم وقال آخرون : العلة في البر أنه مأكول وكل مأكول فلا يجوز إلا مثلا بمثل ، يدا بيد ، سواء كان مدخرا أو غير مدخر ، سواء كان يكال أو يوزن أو لا يكال ولا يوزن ، هذا قول الشافعي ومن ذهب مذهبه ومن قال بقوله وقال الشافعي الذهب والورق لا يشبههما غيرهما من الموزونات ، لأنهما قيم المتلفات وأثمان المبيعات فليستا كغيرهما من المذكورات معهما ؛ لأنهما يجوزان تسليما في كل شيء سواهما وإلى هذا مال أصحاب مالك في تعليل الذهب والورق خاصة . [ ص: 890 ]

وقال داود : البر بالبر والشعير بالشعير والذهب بالذهب والورق بالورق والتمر بالتمر والملح بالملح ، هذه الستة الأصناف لا يجوز شيء منها بجنسه إلا مثلا بمثل يدا بيد ولا يجوز شيء منها بجنسه ولا بغير جنسه منها نسيئة وما عدا ذلك كله فبيعه جائز نسيئة ويدا بيد ، متفاضلا وغير متفاضل ؛ لعموم قول الله تعالى ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) فكل بيع حلال إلا ما حرمه الله في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولم يحكم لشيء بما في معناه ولم يعتبر المعاني والعلل وما أعلم أحدا سبقه إلى هذا القول إلا طائفة من أهل البصرة مبتدعة ابن سيار النظام ومن سلك سبيله ، وأما فقهاء الأمصار فلكل واحد منهم سلف من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ، وقد ذكر حجة كل واحد منهم وما اعتل به من جهة النظر والأثر في كتاب التمهيد فأغنى عن ذكره ها هنا ، وأما داود فلم يقس على شيء من المذكورات الست في الحديث غيرها ، ورد العلماء عليه هذا القول وحكموا لكل شيء مذكور بما في معناه وردوا على داود ما أصل بضروب من القول ، وألزموه صنوفا من الإلزامات يطول ذكرها لا سبيل إلى الإتيان بها في كتابنا هذا وحجج الفريقين كثيرة جدا من جهة النظر قد أفردوا لها كتابا " .

واحتج من ذهب مذهب داود من جهة الأثر بما . [ ص: 891 ]

1673 - حدثناه عبد الوارث بن سفيان ، ثنا قاسم بن أصبغ ، ثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك ، ثنا نعيم بن حماد قال : نا عيسى بن يونس ، عن حريز بن عثمان الرحبي قال : نا عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبيه ، عن عوف بن مالك الأشجعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها على أمتي فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله تعالى " قال أبو عمر : هذا عند أهل العلم بالحديث حديث غير صحيح ، حملوا فيه على نعيم بن حماد ، وقال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين : حديث عوف بن مالك هذا لا أصل له ، وأما ما روي عن السلف في ذم القياس فهو عندنا قياس على غير أصل ، أو قياس يرد به أصل . [ ص: 892 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية