الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
1178 - أخبرني علي بن أبي علي البصري ، أنا محمد بن عبد الله بن محمد بن همام الشيباني ، حدثني أحمد بن محمد الخوارزمي ، بأرمية ، نا أبو حاتم الرازي ، نا أحمد بن أبي الحواري ، قال : حدثني أبو حفص الماعوني ، عن عبد الله بن لهيعة ، قال : " كتب ابن عباس إلى علي يستحثه فكتب إليه علي مجيبا : " إنه ينبغي لك أن يكون أول عملك بما أنت فيه ، البصر بهداية الطريق ، ولا تستوحش لقلة أهلها ، فإن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ، ولم يك من المشركين ، لم يستوحش مع الله في طريق الهداية إذ قل أهلها ، ولم يأنس بغير الله " .

وليس بمنكر أن يذكر المفتي في فتواه الحجة عنده ، فيما أفتى به ، كأن فقيها سئل عن من تزوج امرأة بلا ولي ، فحسن أن يقول : [ ص: 406 ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا نكاح إلا بولي " أو سئل عمن : اشترى عبدا وله مال لم يشترطه ، فحسن أن يقول : ماله للبائع ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ابتاع عبدا فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع " ، وكرجل سئل عمن طلق امرأته واحدة بعد الدخول بها أله رجعتها ؟ فحسن أن يقول : نعم ، قال الله تعالى : ( وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ) وهكذا : إذا سئل عن الوصية للوارث ، وعن الجمع بين المرأة وعمتها ، أو بينها وبين خالتها .

ولم تجر العادة أن يذكر في الفتوى طريق الاجتهاد ، ولا وجه القياس والاستدلال ، اللهم إلا أن تكون الفتوى تتعلق بنظر قاض أو حاكم فيومئ فيها إلى طريق الاجتهاد ، ويلوح بالنكتة التي عليها رد الجواب ، أو يكون غيره قد أفتى فيها بفتوى غلط فيما عنده ، فيلوح للمفتي معه ليقيم عذره في مخالفته ، أو لينبه على ما ذهب إليه .

[ ص: 407 ] فأما من أفتى عاميا ، فلا يتعرض لشيء من ذلك ، ولكن ربما اضطر المفتي في فتواه إلى أن يقول (وهذا إجماع المسلمين) ، أو يقول : لا أعلم اختلافا في هذا ، أو يقول : من خالف هذا الجواب فقد فارق الواجب وعدل عن الصواب ، أو يقول : فقد أثم ، وواجب على السلطان إلزام الأخذ بجوابنا أو بهذه الفتوى ، وما قارب هذه الألفاظ على حسب السؤال وما توجبه المصلحة وتقتضيه الحال .

وإذا رأى المفتي من المصلحة عندما تسأله عامة أو سوقة أن يفتي بما له فيه تأول ، وإن كان لا يعتقد ذلك ، بل لردع السائل ، وكفه ، فعل ، فقد روي عن ابن عباس أن رجلا سأله عن توبة القاتل ، فقال : لا توبة له ، وسأله آخر فقال : له توبة ، ثم قال : " أما الأول : فرأيت في عينيه إرادة القتل فمنعته ، وأما الثاني : فجاء مستكينا ، وقد قتل فلم أويسه " .

التالي السابق


الخدمات العلمية