الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

886 - حماد الراوية: وهو حماد بن ميسرة مولى بني شيبان ، وقيل: هو حماد بن سابور .

وكان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها . وكانت بنو أمية تقدمه وتسني عطاءه ، ودخل على المنصور والمهدي .

وروى المدائني أن الوليد بن يزيد قال لحماد: لم سميت الراوية ، وما بلغ من حفظك حتى استحققت هذا الاسم؟ فقال: يا أمير المؤمنين ، إن كلام العرب تجري على ثمانية وعشرين حرفا ، أنا أنشدك على كل حرف منها مائة قصيدة . فقال: هات ، فأنشد حتى مل الوليد ، ثم استخلف من يسمع منه حتى وفاه ما قال فأجزل صلته .

وفي رواية أنه أنشده ألفين وسبعمائة قصيدة للجاهلية ، فأمر له بمائة ألف درهم ، وقال الطرماح: أنشدت حمادا الراوية قصيدة لي ستين بيتا فسكت ساعة ثم قال: أهذه لك؟ قلت: نعم . قال: ليس الأمر كذلك ، ثم ردها علي كلها وزيادة عشرين بيتا زادها في وقته .

قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دخل مطيع بن إياس ، ويحيى بن زياد على حماد الراوية ، فإذا سراجه على ثلاث قصبات قد جمع أعلاهن وأسفلهن بطين فقال يحيى: يا حماد ، إنك لمسرف متبذل ، تحر المتاع ، فقال له مطيع: ألا تبيع هذه المنارة وتشتري أقل ثمنا منها وتنفق علينا وعلى نفسك الباقي وتتسع فقال له يحيى: ما أحسن ظنك به ومن أين له هذه المنارة؟ هذه وديعة ، أو عارية ، فقال مطيع: إنه لعظيم الأمانة عند الناس . قال ليحيى: وعلى عظم أمانته فما أجمل من يخرج هذه من داره ويأمن عليها غيره . قال مطيع ، ما أظنها عارية ولا وديعة ، ولكني أظنها مرهونة عنده على مال ، وإلا فمن يخرج هذه من بيته؟ فقال حماد: شر منكما من يدخلكما إلى بيته . [ ص: 273 ]

وقال الجاحظ: كان حماد الراوية وحماد بن الزبرقان وحماد عجرد ووالبة بن الحباب وبشار بن برد اللاحقي كلهم كان متهما في دينه .

887 - شيبان بن عبد الرحمن ، أبو معاوية التميمي المؤدب البصري .

وذكر أبو أحمد العسكري أن شيبان النحوي ينسب إلى بطن يقال لهم بنو نحو بن شمس ، بضم الشين من بطن من الأزد .

وقال أبو الحسين بن المنادي: المنسوب إلى القبيلة التي يقال لها نحو هو يزيد النحوي لا شيبان .

أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: أخبرني عبد الله بن يحيى السكري قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الشافعي قال: حدثنا جعفر بن محمد الأزهر قال: حدثنا ابن الغلابي ، عن يحيى بن معين قال: كان شيبان بن عبد الرحمن ثقة ، وكان مؤدبا لسليمان بن داود الهاشمي وكان أصله من البصرة فانتقل إلى الكوفة .

قال مؤلف الكتاب رحمه الله: حدث شيبان عن الحسن البصري ، وقتادة ، ويحيى بن أبي كثير .

وتوفي ببغداد في هذه السنة ، ودفن في مقابر قريش بباب التبن ، كذلك قال ابن سعد . وقال يحيى بن معين: دفن في مقابر الخيزران .

888 - شبيب بن شيبة ، أبو معمر الخطيب المنقري البصري .

حدث عن الحسن ، وعطاء بن أبي رباح ، وهشام بن عروة .

روى عن عيسى بن يونس ، والأصمعي ، وغيرهما . وقدم بغداد في أيام المنصور فاتصل به ثم بالمهدي من بعده وكان مقدما عندهما . وقال له المنصور عظني وأوجز ، فقال: يا أمير المؤمنين ، إن الله لم يرض من نفسه بأن يجعل فوقك أحدا من خلقه ، فلا ترض له من نفسك بأن يكون عبدا له أشكر منك ، فقال: والله لقد أوجزت . [ ص: 274 ]

وخرج من دار المهدي فقيل له: كيف تركت الناس؟ فقال: تركت الداخل راجيا والخارج راضيا .

أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: أخبرنا الجوهري قال:

أخبرنا محمد بن عمران بن موسى قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى قال: حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد ، عن موسى بن إبراهيم قال: كان شبيب بن شيبة يصلي بنا الصبح يوما وقرأ السجدة و هل أتى ، ولما قضى الصلاة قام رجل فقال: لا جزاك الله عني خيرا ، فإني كنت غدوت لحاجة ، فلما أقمت الصلاة دخلت أصلي فأطلت الصلاة حتى فاتتني حاجتي . قال: وما حاجتك؟ قال: قدمت من الثغر في شيء فيه مصلحته ، وكنت وعدت البكور إلى الخليفة لأتنجز ذلك قال: فأنا أركب معك ، فركب معه ، ودخل على المهدي فأخبره الخبر وقص عليه القصة ، قال: فيريد ماذا؟ قال: يقضي حاجته ، فقضى حاجته وأمر له بثلاثين ألف درهم فدفعها إلى الرجل ، ودفع إليه شبيب من ماله أربعة آلاف درهم ، وقال له: [لم] تضرك السورتان .

قال مؤلف الكتاب رحمه الله: كان شبيب بن شيبة فصيحا ذا لسان ، لكنه كان يخطئ في العربية أحيانا .

أخبرنا محمد بن الحسين المرزباني بإسناده عن الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري قال: أخبرني أبي قال: أخبرنا عبيد بن ذكوان ، عن الرياشي قال: توفي ابن لبعض المهالبة فأتاه شبيب بن شيبة المنقري يعزيه وعنده بكر بن حبيب السهمي ، فقال شبيب: بلغنا أن الطفل لا يزال محتبطا على باب الجنة يشفع لأبويه فقال بكر: إنما هو محتبطا بالطاء غير المعجمة . فقال شبيل القول لي هذا ، وما بين لابتيها أفصح مني ، فقال بكر: وهذا خطأ ، تأتي ماء البصرة واللوب أهلك ، غيرك قولهم: ما بين لابتي المدينة يريدون الحرة ، قال أبو أحمد: الحرة أرض تركبها حجارة سود ، وهي اللابة والجمع لابات ، فإذا أكثرت فهي اللوب ، وللمدينة لابتان من جانبيها ، وليس للبصرة لابة ولا حرة . قال: وقال أبو عبيد: المحتبطي بغير همز: المتعصب المستبطئ للشيء والمحتبطئ بالهمز: العظيم البطن المنتفخ . [ ص: 275 ]

وقد تكلم أصحاب الحديث في شبيب . سئل ابن المبارك أنأخذ عن شبيب؟

فقال: خذوا عنه ، فإنه أشرف من أن يكذب .

وقال الساجي: هو صدوق يهم . وقال أبو علي صالح بن محمد . هو صالح الحديث .

فأما ابن معين فقال: ليس بثقة . وقال أبو داود: ليس بشيء .

889 - عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون ، واسم أبي سلمة: ميمون مولى آل الهدير التيمي ، وكنية عبد العزيز أبو عبد الله . وقيل: أبو الأصبغ .

سمع الزهري ، وابن المنكدر ، وأبا حازم وغيرهم . روى عنه: وكيع ، وابن مهدي ، ويزيد بن هارون ، وكان عالما فقيها صدوقا ثقة ثبتا .

أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي قال: حدثنا محمد بن العباس قال: أخبرنا أبو أيوب سليمان بن إسحاق الجلاب قال سمعت الحربي يقول: الماجشون فارسي وإنما سمي الماجشون لأن وجنتيه كانتا حمراوين .

أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: أخبرنا العتيقي قال: حدثنا علي بن محمد العطار قال: حدثنا عبد الله بن أبي داود قال: حدثنا أبو طاهر قال:

حدثنا ابن وهب قال: حججت سنة ثمان وأربعين وصائح يصيح: لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس وعبد العزيز بن أبي سلمة .

أخبرنا عبد الرحمن قال: حدثنا أحمد بن علي قال: أخبرني الحسين بن أبي طالب قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عمران قال: حدثنا يحيى بن عبد الله العطار قال: حدثني أبو إبراهيم أحمد بن سعيد الزهري قال: سمعت عمرو بن خالد الحراني يقول: حج أبو جعفر المنصور فشيعه المهدي ، فلما أراد الوداع قال: يا بني ، استهدني قال: استهديتك رجلا عاقلا ، فأهدى له عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون . [ ص: 276 ]

توفي عبد العزيز ببغداد في هذه السنة . وجاء المهدي حتى صلى عليه في خلافته ودفن في مقابر قريش .

890 - المبارك بن فضالة بن أبي أمية ، أبو فضالة ، مولى زيد بن الخطاب .

حدث عن الحسن بن أبي الحسن البصري ، وثابت ، وحميد الطويل ، وخلق كثير .

روى عنه: يزيد بن هارون وعفان وعلي بن أبي الجعد .

أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عبيد الله الحربي قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي قال: حدثنا معاذ بن المثني قال: حدثنا سوار قال: حدثنا أبو أمية قال: حدثنا مبارك بن فضالة قال: إني يوما لعند أبي جعفر إذ أتي برجل فأمر بقتله ، فقلت في نفسي: يقتل رجل من المسلمين وأنا حاضر ، فقلت: يا أمير المؤمنين ، ألا أحدثك حديثا سمعته من الحسن قال: وما هو؟ قلت: سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد حيث يسمعهم الداعي ، وينفذهم البصر فيقوم مناد من عند الله [تعالى] فيقول: ليقومن من له على الله يد فلا يقوم إلا من عفا" . فأقبل علي فقال: آلله سمعته من الحسن؟ فقلت: آلله سمعته من الحسن ، فقال: خليا عنه .

[قال المؤلف] اختلف كلام يحيى بن معين في المبارك فقال مرة: صالح .

وقال مرة: ثقة ، وقال مرة: ضعيف .

توفي المبارك في هذه السنة . وقيل: في سنة ست وستين . [ ص: 277 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية