الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

924 - حيان بن علي الكوفي ، أبو علي أخو مندل .

حدث عن الأعمش ، وسهيل بن أبي صالح ، روى عنه حجر بن المثنى وخلف بن هشام ، وكان صالحا دينا فقيها .

قال يحيى: هو صدوق ، وفي رواية عنه يضعفه .

توفي في هذه السنة . وقيل: في السنة التي تليها .

925 - سعيد بن السائب الطائفي .

روى [عنه] سفيان ووكيع .

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال:

أخبرنا علي بن أحمد الملطي قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: أخبرنا الحسين بن صفوان قال: أخبرنا أبو بكر بن عبيد قال: حدثني محمد بن الحسين قال:

حدثنا الحميدي ، عن سفيان قال: كان سعيد بن السائب الطائفي لا يكاد تجف له دمعة ، إنما دموعه جارية دهره ، إن صلى فهو يبكي ، وإن جلس فهو يقرأ في المصحف فهو يبكي . قال سفيان: فحدثوني أن رجلا عاتبه على ذلك فبكى ، ثم قال: إنما ينبغي أن تعذلني وتعاتبني على التقصير والتفريط ، وأنهما قد استوليا علي .

أخبرنا عبد الله بن علي المقرئ ، ومحمد بن ناصر الحافظ ، وعلي بن عمر قالوا: أنبأنا طراد قال: أخبرنا علي بن محمد بن بشران قال: حدثنا ابن صفوان قال:

حدثنا أبو بكر بن عبيد قال: حدثني الحسن بن الصباح قال: حدثنا محمد بن يزيد بن حسن قال: سمعت الثوري يقول: جلست ذات يوم أحدث ومعنا سعيد بن السائب الطائفي ، فجعل سعيد يبكي حتى رحمته ، فقلت: يا سعيد ، ما يبكيك وأنت تسمعني أذكر أهل الخير وفعالهم ، قال: يا سفيان ، وما يمنعني من البكاء ، وإذا ذكرت مناقب

[ ص: 339 ]

أهل الخير كنت منهم بمعزل ، قال: يقول سفيان: وحق له أن يبكي .

توفي عبد الله في هذه السنة .

926 - عمر بن ميمون بن الرماح ، أبو علي .

قاضي بلخ ، تولى القضاء بها أكثر من عشرين سنة ، وكان محمودا في ولايته ، مذكورا بالعلم والحلم والصلاح والفهم ، حدث عن سهيل بن أبي صالح ، والضحاك ، روى عنه: سريج بن النعمان ، وكان ثقة ، وعمي في آخر عمره ، وتوفي ببلخ في رمضان هذه السنة .

927 - عيسى بن يزيد بن بكر بن داب ، أبو الوليد .

أحد بني الليث بن بكر المديني ، قدم بغداد وأقام بها ، وحدث عن صالح بن كيسان ، وهشام بن عروة ، وكان راوية عن العرب ، وافر الأدب ، عالما بالنسب ، حافظا للسير ، عارفا بأيام الناس ، إلا أنهم قدحوا فيه ، فقالوا: يزيد في الأحاديث ما ليس فيها ، ونسبه خلف الأحمر إلى الكذب ، ووضع الحديث .

أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال: أخبرنا الأزهري قال:

أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: لم يتول الخلافة قبل الهادي بسنه أحد ، لأنه كان حدثا وكان يحب الأدب وأهله ويعطي عليه .

وكان عيسى بن داب يجالسه ، وكان أكثر أهل الحجاز أدبا ، وأعذبهم ألفاظا ، وكان قد حظي عند الهادي ، وكان يقول له: ما استطلت بك يوما ولا ليلة قط ، ولا غبت عن عيني إلا تمنيت ألا أرى غيرك . وأمر له بثلاثين ألف دينار ، فلما أصبح ابن داب ، وجه قهرمانه فطالب بالمال ، فلقي الحاجب فأبلغه رسالته [فأعلمه] أن ذلك ليس إليه ، وأنه يحتاج إلى توقيع ، فأمسك ابن داب ، فبينا الهادي في مستشرف له نظر إلى ابن داب قد أقبل وليس معه غلام ، فقال لإبراهيم الحداني: أما ترى ابن داب ، ما [ ص: 340 ] غير حاله؟ ولا تزيى لنا ، وقد برزناه بالأمس لنرى أثرنا عليه ، فقال له إبراهيم: إن أمرني أمير المؤمنين عرضت له بشيء من هذا ، قال: لا هو أعلم بأمره . ودخل ابن داب ، فأخذ في حديثه إلى أن عرض له الهادي شيئا من أمره ، فقال: أرى ثوبك غسيلا ، وهذا شتاء يحتاج إلى لبس الجديد واللين ، فقال: يا أمير المؤمنين باعي قصير عما أحتاج إليه ، فقال:

كيف ذاك وقد صرفنا إليك من برنا ما فيه صلاح شأنك؟ قال: ما وصل إلي ، فدعا بصاحب بيت مال الخاصة ، فقال: عجل الساعة له بثلاثين ألف دينار ، فحملت بين يديه .

928 - المفضل بن محمد بن يعلى الضبي .

سمع سماك بن حرب ، وأبا إسحاق السبيعي ، والأعمش وغيرهم .

وروى القراءات عن عاصم بن أبي النجود ، روى عنه: الكسائي ، والفراء ، وغيرهما ، وكان راوية للآداب وأيام الأعراب ، علامة موثقا في روايته .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي الحافظ قال: أخبرنا الحسين بن محمد بن جعفر الخالع فيما أذن أن نرويه عنه قال: أخبرنا علي بن محمد بن السري قال: قال لنا جحظة: قال الرشيد للمفضل الضبي: ما أحسن ما قيل في الذئب ولك هذا الخاتم الذي في يدي وشراؤه ألف وستمائة دينار؟ فقال: قول الشاعر:


ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع

فقال: ما ألقي هذا على لسانك إلا لذهاب الخاتم . ورماه إليه ، فاشترته أم جعفر بألف وستمائة دينار وبعثت به إليه ، وقالت: قد كنت أراك تعجب به فالتقطه الضبي وقال: خذه وخذ الدنانير ، فما كنا نهب شيئا فنرجع فيه . [ ص: 341 ]

929 - أبو عبد الله الحربي الزاهد .

أخبرنا محمد بن ناصر قال: أخبرنا أبو علي حسن بن أحمد قال: حدثنا عبد الغفار بن محمد المؤدب قال: حدثنا عمر بن أحمد الواعظ قال: حدثني علي بن الحسن بن دليل قال: حدثنا محمد بن أحمد المقدمي قال: حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله الجروي قال: حدثنا إبراهيم بن شبيب بن شيبة قال: كنا نتجالس في الجمعة فأتى رجل عليه ثوب واحد ملتحف به ، فجلس إلينا ، فألقى مسألة ، فما زلنا نتكلم في الفقه حتى انصرفنا ، ثم جاءنا في الجمعة المقبلة ، فأجبناه وسألناه عن منزله ، قال: أنزل الخريبة ، فسألنا عن كنيته ، فقال أبو عبد الله: فرغبنا في مجالسته ورأينا مجلسنا مجلس فقه ، فمكثنا بذلك زمانا ، ثم انقطع عنا ، فقال بعضنا لبعض ، ما حالنا وقد كان مجلسنا عامرا بأبي عبد الله ، وقد صار يوحشنا فوعد بعضنا بعضا إذا أصبحنا أن نأتي الخريبة فنسأل عنه ، فأتيناه الخريبة وكنا عددا ، فجعلنا نستحي أن نسأل عن أبي عبد الله ، فنظرنا إلى صبيان قد انصرفوا من الكتاب فقلنا: أبو عبد الله ، فقالوا:

لعلهم يعنون الصياد ، قلنا: نعم ، قالوا: هذا وقته الآن يجيء ، فقعدنا ننتظره ، فإذا هو قد أقبل مؤتزرا بخرقة ، على كتفه خرقة ومعه أطيار مذبحة وأطيار أحياء ، فلما رآنا تبسم إلينا وقال: ما جاء بكم؟ فقلنا: فقدناك ، وقد كنت عمرت مجلسنا ، فما غيبك عنا؟ قال:

أصدقكم ، كان لنا جار كنت أستعير منه كل يوم ذلك الثوب الذي كنت آتيكم فيه ، وكان غريبا ، فخرج إلى وطنه ، فلم يكن لي ثوب آتيكم فيه ، هل لكم أن تدخلوا المنزل فتأكلوا مما رزق الله عز وجل؟ فقال بعضنا لبعض: ادخلوا منزله ، فجاء إلى الباب فسلم ثم صلى قليلا ثم دخل ، فأذن لنا فدخلنا ، فإذا هو قد أتى بقطع من البواري فبسطها لنا فقعدنا ، فدخل إلى المرأة ، فسلم إليها الأطيار المذبحة ، وأخذ الأطيار الأحياء ثم قال:

أنا آتيكم إن شاء الله عن قريب ، فأتى السوق فباعها واشترى لنا خبزا ، فجاء وقد صنعت المرأة ذلك الطير وهيئته ، فقدم إلينا خبزا ولحم الطير ، فأكلنا ، فجعل يقوم فيأتينا بالملح والماء ، فكلما قام قال بعضنا لبعض: رأيتم مثل هذا؟ ألا تغيرون وأنتم سادة أهل البصرة؟! فقال أحدهم: علي خمسمائة ، وقال الآخر: علي ثلاثمائة ، وقال هذا وقال هذا ، ضمن بعضهم أن يأخذ له من غيره ، فبلغ الذي جمع له في الحساب خمسة آلاف درهم ، فقالوا: قوموا بنا نذهب فنأتيه بهذا المال ونسأله أن يغير ما هو فيه ، فقمنا فانصرفنا على حالنا ركبانا ، فمررنا بالمربد ، وإذا بمحمد بن سليمان أمير البصرة قاعد في منظرة [ ص: 342 ] له ، فقال: يا غلام ، آتيني بإبراهيم بن شبيب بن شيبة من بين القوم ، فجئت فدخلت عليه ، فسألني عن قصتنا ومن أين أقبلنا ، فصدقته الحديث ، فقال: أنا أسبقكم إلى بره ، يا غلام ، آتيني ببدرة دراهم ، فجاء فقال: احمل هذه البدرة مع هذا الرجل حتى يدفعها إلى من أمرناه ، ففرحت ، ثم قمت مسرعا ، فلما أتيت الباب سلمت فأجابني أبو عبد الله ، ثم خرج إلي ، فلما رأى الفراش والبدرة على عنقه كأني سفيت في وجهه الرماد ، فأقبل علي بغير الوجه الأول وقال: ما لي ولك ، تريد أن تفتنني؟ فقلت: يا أبا عبد الله اقعد حتى أخبرك ، إنه من القصة كذا وكذا ، وهو الذي تعلم أحد الجبارين - يعني محمد بن سليمان - ولو كان أمرني أن أضعها حيث أرى لرجعت إليه فأخبرته إني قد وضعتها ، فالله الله في نفسك ، فازداد علي غيظا ، وقام فدخل منزله وصفق الباب في وجهي فجعلت أقدم وأؤخر ، ما أدري ما أقول للأمير ، ثم لم أجد بدا من الصدق ، فجئت فأخبرته الخبر فقال: حروري والله يا غلام ، علي بالسيف ، فجاء بالسيف فقال:

خذ بيد هذا حتى يذهب بك إلى هذا الرجل ، فإذا خرج إليك فاضرب عنقه وآتيني برأسه ، قال إبراهيم: فقلت: أصلح الله الأمير ، الله الله ، فوالله لقد رأينا رجلا ما هو من الخوارج ، ولكني أذهب فآتيك به ، وما أريد بذلك إلا افتداء منه ، قال: فضمنيه ، فمضيت حتى أتيت الباب فسلمت ، فإذا المرأة تحن وتبكي ، ثم فتحت الباب وتوارت وأذنت فدخلت ، فقالت: ما شأنكم وشأن أبي عبد الله؟ قلت: وما حاله؟ قالت: دخل فمال إلى الركي فنزع منها ماء فتوضأ ثم صلى ثم سمعته يقول: اللهم اقبضني إليك ولا تفتني . ثم تمدد وهو يقول ذلك ، فلحقته وقد قضى ، فهو ذاك ميت ، فقلت: يا هذه ، إن لنا قصة عجيبة ، فلا تحدثوا فيه شيئا ، فجئت محمد بن سليمان فأخبرته الخبر ، فقال:

أنا أركب فأصلي على هذا ، قال: وشاع خبره بالبصرة ، فشهده الأمير وعامة أهل البصرة ، رحمه الله . [ ص: 343 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية