الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .

787 - جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أبو عبد الله [جعفر الصادق] .

أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر . [ ص: 111 ]

كان عالما زاهدا عابدا ، أسند عن أبيه وعطاء وعكرمة .

حدثنا محمد بن أبي القاسم قال: أخبرنا حمد بن أحمد قال: حدثنا أبو نعيم الأصفهاني قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبو الحسن بن أبان قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله قال: حدثنا الوليد بن شجاع قال: حدثنا إبراهيم بن أعين ، عن يحيى بن الفرات قال: قال جعفر بن محمد لسفيان الثوري: لا يتم المعروف إلا بثلاثة: تعجيله ، وتصغيره ، وستره .

أخبرنا محمد بن القاسم قال: حدثنا حمد بن أحمد قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن مقسم قال: حدثني أبو الحسن بن الحسين الكاتب قال: حدثني أبي قال: حدثني الهيثم قال: حدثني بعض أصحاب جعفر الصادق قال: دخلت على جعفر وموسى بين يديه وهو يوصيه بهذه الوصية ، فكان مما حفظت منها أن قال: يا بني ، اقبل وصيتي ، واحفظ مقالتي ، فإنك إن حفظتها تعش سعيدا ، وتمت حميدا ، يا بني ، إنه من قنع بما قسم له استغنى ، ومن مد عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرا ، ومن لم يرض بما قسم الله له اتهم الله في قضائه ، ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه . يا بني ، من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته ، ومن سل سيف البغي قتل به ، ومن احتفر لأخيه بئرا سقط فيها ، ومن داخل السفهاء حقر ، ومن خالط العلماء وقر ، ومن دخل مداخل السوء اتهم . يا بني ، قل الحق لك وعليك ، وإياك والنميمة ، فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال . يا بني إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه .

أخبرنا محمد بن ناصر قال: أنبأنا عبد المحسن بن محمد قال: حدثنا مسعود بن ناصر السجستاني قال: أخبرنا سعيد بن أبي عمرو البحتري قال: سمعت أبا الحسن علي بن محمد بن عبيدة يقول: سمعت أحمد بن سهل البخاري يقول: سمعت صالح بن محمد يقول: سمعت أحمد بن عبيدة يقول: سمعت محمد بن يوسف يقول: سمعت الثوري يقول: دخلت على جعفر بن محمد الصادق فقلت له: يا ابن رسول الله ، ما لي أراك قد اعتزلت عن الناس؟ قال: يا سفيان ، فسد الزمان ، وتغير الإخوان ، فرأيت الانفراد أسكن للفؤاد ، ثم أنشأ يقول:


ذهب الوفاء ذهاب أمس الذاهب والناس بين مخاتل وموارب [ ص: 112 ]     يفشون بينهم المودة والصفا
وقلوبهم محشوة بعقارب

788 - سليمان بن مهران ، أبو محمد الأعمش ، مولى بني كاهل .

أصله من طبرستان ، من قرية يقال لها: دباوند . ولد يوم قتل الحسين يوم عاشوراء سنة إحدى وستين ، وسكن الكوفة ، ورأى أنس بن مالك ، ولم يسمع منه . ورأى أبا بكرة الثقفي وأخذ بركابه ، فقال له: يا بني ، إنما أكرمت ربك عز وجل .

وسمع المغرور بن سويد ، وأبا وائل ، وإبراهيم التيمي ، وسفيان الثوري ، وغيرهم ، وكان من أقرأ الناس للقرآن وأعرفهم بالفرائض ، وأحفظهم للحديث وأوثقهم أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا ابن رزق قال: أخبرنا عمر بن أحمد قال: حدثنا حنبل بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن داود قال: حدثنا عيسى بن يونس قال: لم نر نحن ولا القرن الذين كانوا قبلنا مثل الأعمش ، وما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن شاذان قال: أخبرنا أحمد بن علي بن محمد بن الجهم قال: أخبرنا محمد بن جرير قال: حدثنا أبو هشام قال: سمعت عمي يقول: قال عيسى بن موسى لابن أبي ليلى: اجمع الفقهاء . قال: فجمعتهم ، فجاء الأعمش في جبة فرو وقد ربط وسطه بشريط ، فأبطئوا فقام الأعمش فقال: إن أردتم أن تعطونا شيئا وإلا فخلوا سبيلنا . فقال: يا ابن أبي ليلى ، قلت لك تأتي بالفقهاء تجيء بهذا؟ ! قال: هذا سيدنا ، هذا الأعمش .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت بإسناد له ، عن [ ص: 113 ] وكيع قال: كان الأعمش قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى ، واختلفت إليه قريبا من سنتين ، فما رأيته يقضي ركعة .

أخبرنا محمد بن ناصر قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال: أخبرنا أبو بكر المنكدري قال: أخبرنا أبو الحسن بن الصلت قال: أخبرنا محمد بن القاسم الأنباري قال: حدثني ابن المرزبان قال: حدثنا أبو محمد البلخي قال: حدثنا محمد بن حميد قال: حدثنا جرير قال: جئنا الأعمش يوما فوجدناه قاعدا في ناحية ، فجلسنا في ناحية أخرى وفي الموضع خليج من ماء المطر ، فجاء رجل عليه سواد ، فلما بصر بالأعمش عليه فروة حقيرة قال: قم عبرني هذا الخليج . وجذب بيده فأقامه وركبه وقال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين فمضى به الأعمش حتى توسط به الخليج ، ثم رمى به وقال: وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ثم خرج وترك المسود يتخبط في الماء .

قال مسلم بن إبراهيم: سمعت شعبة يقول: كان الأعمش إذا رأى ثقيلا قال [له]: كم عرضك تقيم في هذه البلدة .

قال الربيع بن نافع: كنا نجلس إلى الأعمش فيقول: في السماء غيم . يعني ها هنا من نكره .

أخبرنا ابن ناصر بإسناد له عن إسماعيل بن زياد قال: نشزت على الأعمش امرأته ، وكان يأتيه رجل يقال له: أبو البلاد مكفوف ، فصيح يتكلم بالإعراب يتطلب الحديث منه ، فقال له: يا أبا البلاد ، إن امرأتي قد نشزت علي ، وضيعت بيتي وغمتني ، فأنا أحب أن تدخل عليها فتخبرها بمكاني من الناس وموضعي عندهم . فدخل عليها فقال: يا هنياه ، إن الله قد أحسن قسمك ، هذا شيخنا وسيدنا ، وعنه نأخذ أصل ديننا ، [ ص: 114 ] وحلالنا وحرامنا ، لا يغرنك عموشة عينيه ، ولا خموشة ساقيه . فغضب الأعمش وقال: يا أعمى يا خبيث ، أعمى الله قلبك ، قد أخبرتها بعيوبي كلها ، اخرج من بيتي . فأخرجه من بيته .

عن الحسن بن يحيى بن آدم قال: حدثتني أمي قالت: لم تكن بالكوفة امرأة أجمل من امرأة الأعمش ، فابتليت بالأعمش وبقبح وجهه ، وسوء خلقه .

توفي الأعمش في ربيع الأول من هذه السنة ، وهو ابن ثمان وثمانين سنة . وقيل: توفي سنة سبع .

789 - عمار بن سعد السلهمي .

يروي عنه عطاء بن دينار ، وحيوة بن شريح ، وكان فاضلا ، كان يقول: من تخايل الثواب خف عليه العمل ، وما لاءم القلب خف على الجسد ، ولسان الحكيم في قلبه وقلب الأحمق في طرف لسانه ، ما خطر على قلبه نطق به .

790 - محمد بن عجلان ، مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة ، يكنى أبا عبد الله .

وكان ثقة كثير الحديث ، روى عنه حيوة بن شريح ، والليث ، وغيرهما . وكان يخضب بالصفرة . توفي بالمدينة في هذه السنة .

أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو محمد الخلال قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا عبد العزيز بن أحمد الغافقي قال: سمعت عياش بن نصر البغدادي يقول: سمعت صفوان بن عيسى يقول: مكث محمد بن عجلان في بطن أمه ثلاث سنين ، فشق بطن أمه فأخرج وقد نبتت أسنانه .

أخبرنا محمد بن عبد الباقي بإسناد له عن محمد بن عمر قال: خرج محمد بن عجلان مع محمد بن عبد الله بن حسين حتى خرج بالمدينة فلما قتل وولي جعفر بن [ ص: 115 ] سليمان المدينة بعث إلى محمد بن عجلان فأتي به فبكته وكلمه كلاما شديدا وقال له: خرجت مع الكلاب . وأمر بقطع يده . فلم يتكلم محمد بن عجلان بكلمة إلا أنه يحرك شفتيه بشيء لا ندري ما هو ، يظن أنه يدعو . قال: فقام من حضر جعفر بن سليمان من فقهاء المدينة وأشرافهم . فقالوا: أصلح الله الأمير ، محمد بن عجلان فقيه أهل المدينة وعابدها ، وإنما شبه عليه ، فظن أنه المهدي الذي جاءت فيه الرواية ، فلم يزالوا يشفعون إليه حتى تركه . فولى محمد بن عجلان منصرفا لم يتكلم بكلمة إلى منزله . [ ص: 116 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية