الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

919 - جوهرة العابدة البراثية .

نزلت مع زوجها أبي عبد الله البراثي ، وكانت جارية لبعض الملوك فعتقت وتركت الدنيا ، وتزوجت أبا عبد الله ، وتعبدت معه ، وكانت تحرضه على العبادة ، وتوقظه من الليل وتقول: يا أبا عبد الله كروان برفت ، معناه: قد سارت القافلة .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب الوراق قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال: حدثنا محمد بن الحسين البرجلاني قال: حدثنا حكيم بن جعفر قال:

كنا نأتي أبا عبد الله بن أبي جعفر الزاهد ، وكان يسكن براثا ، وكانت له امرأة متعبدة يقال لها جوهرة ، وكان يجلس على جلة خوص بحرانية ، وجوهرة جالسة حذاءه على جلة أخرى ، فأتيناه يوما وهو جالس على الأرض ليست الجلة تحته ، فقلنا له يا أبا [ ص: 332 ] عبد الله ، ما فعلت الجلة التي كنت تقعد عليها؟ قال: أرى جوهرة أيقظتني البارحة ، فقالت: أليس يقال في الحديث: "إن الأرض تقول لابن آدم تجعل بيني وبينك سترا وأنت غدا في بطني" ؟ قال: قلت: نعم ، قالت: هذه الجلال لا حاجة لنا فيها . فقمت والله فأخرجتها .

وقد روينا عن أبي شعيب الزاهد البراثي أن جارية من بنات الكبار من أبناء الدنيا نظرت إلى زهده ، فتزوجت به وتركت الدنيا وجرت لها معه مثل هذه القصة في فرش من خوص .

920 - الربيع بن يونس بن محمد بن يونس بن أبي فروة - واسم أبي فروة: كيسان - .

مولى أبي جعفر المنصور وحاجبه ، ووزر له بعد أبي أيوب المرزباني .

أنبأنا أبو بكر بن محمد بن الحسين الحاجي قال: أخبرنا أحمد بن أحمد بن سليمان الواسطي قال: أخبرنا أبو أحمد الفرضي قال: أخبرنا أبو عمر الزاهد قال: أخبرنا ثعلب ، عن ابن شبيب ، عن الزبير قال: حدثني عمرو بن عثمان قال: دخل المنصور أمير المؤمنين قصرا فرأى في جداره مكتوبا:


وما لي لا أبكي بعين حزينة وقد قربت للظاعنين حمول

وتحته مكتوب: إيه إيه . قال أبو عمر: ويروى آه آه . فقال المنصور : أي شيء أه أه؟ فقال له الربيع وهو إذ ذاك تحت يدي أبي الخصيب الحاجب: يا أمير المؤمنين ، إنه لما كتب البيت أحب أن يخبر أنه يبكي ، فقال قائله: الله ، ما كان أظرفه ، فكان هذا أول ما ارتفع به الربيع .

وقد روى أبو الفرج الأصبهاني: أن الربيع قال: كنت في خمسين وصيفا أهدوا للمنصور ، ففرقنا في خدمته ، فصرت إلى ياسر صاحب وضوئه ، فكنت أراه يعطيه الإبريق في المستراح ، ويقف مكانه لا يبرح . فقال لي يوما: كن مكاني في هذا ، فكنت [ ص: 333 ] أعطيه الإبريق ، وأخرج مبادرا ، فإذا سمعت حركته بادرت إليه فقال لي: ما أخفك على قلبي يا غلام ، ثم دخل قصرا فرأى حيطانه مملوءة من الشعر وإذا بخط منفرد فقرأه فإذا هو:


وما لي لا أبكي وأندب ناقتي     إذا صدر الرعيان نحو المناهل
وكنت إذا ما اشتد شوقي رحلتها     فسارت لمحزون طويل البلابل

وتحته مكتوب: أه أه ، فلم يدر ما هو ، وفطنت له ، فقلت: يا أمير المؤمنين قال الشعر ، ثم تأوه فكتب تأوهه بنفسه فقال لي: ما لك قاتلك الله ، قد أعتقتك ووليتك مكان ياسر .

قال أبو بكر الصولي: لم يزل الربيع وزير المنصور حتى توفي المنصور بمكة ، فأخذ الربيع للمهدي البيعة ، فشكر المهدي له ذلك ، وجعله حاجبه ، ولم يستوزره .

أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الحسين بن علي الصيمري قال: حدثنا أحمد بن محمد بن علي الصيرفي قال: حدثنا محمد بن عمر بن سالم الحافظ قال: ذكروا أنه لم ير في الحجابة أعرق من الربيع ، حاجب أبي جعفر ومولاه ، ثم صار وزيره ، ثم حجب للمهدي ، ومن ولده الفضل [بن الربيع] حجب هارون ، ومحمد الأمين ، وابنه عباس بن الفضل حجب الأمين ، فعباس حاجب ابن حاجب ابن حاجب .

وقد مدحهم أبو نواس في قوله:


سار الملوك ثلاثة ما منهم     إن حصلوا إلا أعز قريع
عباس عباس إذا اخترم الورى     والفضل فضل والربيع ربيع

[توفي الربيع في هذه السنة] . [ ص: 334 ]

921 - فتح بن محمد بن وشاح ، أبو محمد الأزدي الموصلي .

ذكر المعافى بن عمران أنه لم يكن أعقل منه .

[قال مؤلف الكتاب] : وليس هذا بفتح الموصلي المكنى بأبي نصر ، فإن أبا نصر مات في سنة عشرين ومائتين وابن وشاح مات سنة سبعين ومائة وأكثر الحكايات عن أبي نصر لا عن أبي محمد .

922 - موسى الهادي ، أمير المؤمنين ابن المهدي .

اختلفوا في سبب موته قال بعضهم: كان في جوفه قرحة ، وكانت سبب منيته .

وحكى أبو جعفر ابن جرير الطبري عن جماعة أنهم قالوا: إن الخيزران أمه أمرت بقتله ، فأنا أستبعد ذلك .

قالوا: وكانت في أول خلافته تفتات عليه في أمور ، وتسلك به مسلك أبيه في الاستبداد بالأمر والنهي ، وكانت إذا سألته حاجة قضاها فانثال الناس إليها ، فأرسل إليها: لا تخرجي من خفر الكفاية إلى بذاذة التبذل ، فإنه ليس من قدر النساء الاعتراض في أمر الملك ، وعليك بصلاتك وسبحتك ، ولك بعد هذا طاعة مثلك ، فكلمته يوما في أمر فاعتل بعلة ، فقالت: لا بد من إجابتي ، فقال: لا أفعل ، قالت: فإني قد ضمنت [قضاء] هذه الحاجة . قال: والله لا أقضيها لك ، فقالت: إذا والله لا أسألك حاجة أبدا . قال: إذن والله لا أبالي ، وغضب ، فقامت مغضبة ، فقال: مكانك [حتى] تستوعبي كلامي والله ، وإلا فأنا نفي من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد لأقبضن ماله ، ولأضربن عنقه ، ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك؟! أما لك مغزل يشغلك ، أو مصحف يذكرك أو يصونك!؟ إياك ثم إياك أن تفتحي بابك لملي أو ذمي . فانصرفت ما تعقل . [ ص: 335 ]

قال ابن جرير: وذكر قوم أن سبب موت الهادي: أنه لما أخذ في خلع هارون والبيعة لابنه جعفر خافت الخيزران على هارون منه ، فدست من جواريها لما مرض من غمه وجلس على وجهه ، ووجهت إلى يحيى بن خالد: إن الرجل قد توفي ، فاجدد في أمرك .

وكان الهادي قد أمر أن لا يسار قدام الرشيد بحربة ، فاجتنبه الناس وتركوه ، وطابت نفس هارون بالخلع لشدة خوفه على نفسه ، فخلعته جماعة من القواد وبايعوا لجعفر بن موسى ، ودخل هارون على موسى فقال له: يا هارون ، كأني بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا ، فقال: إني لأرجو [أن يفضي] الأمر إلي ، فأنصف وأصل ، فقال له: ذلك الظن بك ، فأجلسه معه وأمر له بألف ألف دينار ، وكانت الرؤيا أن المهدي قال: رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيبا وإلى هارون قضيبا فأورق قضيب موسى من أعلاه قليلا ، وأورق في قضيب هارون من أوله إلى آخره ، فدعا المهدي الحكم بن موسى فقال له: اعبر هذه الرؤيا ، فقال: يملكان جميعا فتقل أيام موسى ، ويبلغ هارون آخر مدى ما عاش خليفة ، وتكون أيامه أحسن أيام . فلم يلبث الهادي إلا يسيرا حتى اعتل ثلاثة أيام ومات .

وحكى أبو بكر الصولي: أنه خرج على ظهر قدمه بثرة ، فصارت كاللوزة ، وافتصد ومات بعد ثلاث ، وجاءت أمه الخيزران وبه رمق ، فأخذت خاتمه من يده وقالت: أخوك أحق بهذا الأمر منك . وهو يرى ذلك ولا يقدر على حيلة .

توفي الهادي بعيساباذ للنصف من ربيع الأول من هذه السنة ، وقيل: لثلاث عشرة بقيت من ربيع وهو ابن ست وعشرين سنة ، وقيل: ثلاث وعشرين ، وصلى عليه أخوه هارون ودفن في بستانه بعيساباذ ، وكانت خلافته سنة وشهرا وثلاثة عشر يوما ، وقيل:

سنة وثلاثة أشهر ، وقيل وشهرين وأحد عشر يوما . [ ص: 336 ]

923 - معاوية بن عبيد الله بن يسار ، أبو عبيد الله الأشعري مولاهم من أهل طبرية .

ولد سنة مائة ، وكتب الحديث ، وسمع أبا إسحاق السبيعي ، ومنصور بن المعتمر ونحوهما ، وكان خيرا فاضلا عالما ، وكان يكتب للمهدي قبل الخلافة رسمه له المنصور ، وكان جميع أمر المهدي إليه ، فلا يخالفه في شيء ، ثم وزر له .

أنبأنا المحمدان ابن عبد الباقي وابن عبد الملك قالا: أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال: أنبأنا أبو الحسن الدارقطني قال: حدثني القاضي أبو الطاهر محمد بن أحمد بن عبيد الله بن نصر قال: أخبرني أبو بكر محمد بن عبد الملك السراج قال: حدثني عيسى بن أبي عباد قال: حدثني عبيد الله بن سليمان بن أبي عبيد الله قال: أبلى أبو عبيد الله مصليين ، وأسرع في الثالث - أو ثلاثة وأسرع في الرابع - موضع الركبتين والوجه واليدين لكثرة صلاته ، [قال:] وكان له في كل يوم كر دقيق يتصدق به على المساكين ، وكان يلي ذلك مولى له ، فلما اشتد الغلاء أتاه فقال: قد غلا السعر ، فلو نقصنا من هذا؟ فقال: أنت شيطان ، أو رسول الشيطان ، صيره كرين . فكان له في كل يوم بعد ذلك كران يخبزان للمساكين قال: وأخبرت أن الجسور يوم مات امتلأت فلم يعبر عليها إلا من تبع جنازته من مواليه واليتامى والأرامل والمساكين ، ودفن في مقابر قريش ببغداد وصلى عليه علي بن المهدي .

توفي في هذه السنة ، وقيل: في السنة التي قبلها . [ ص: 337 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية