الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر طرف من سيرته وأخباره

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: حدثنا الأزهري قال: حدثنا سهل بن أحمد الديباجي قال: حدثنا الصولي قال: حدثنا الغلابي قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن التيمي قال: حدثني المطلب بن عكاشة المزني قال: قدمنا على أمير المؤمنين الهادي [شهودا] على رجل منا شتم قريشا ، وتخطى إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس لنا مجلسا أحضر فيه فقهاء أهل زمانه ، ومن كان بالحضرة على بابه ، وأحضر الرجل وأحضرنا ، فشهدنا عليه بما سمعنا منه ، فتغير وجه الهادي ثم نكس رأسه ثم رفعه فقال: إني سمعت أبي [المهدي] يحدث: عن أبيه المنصور ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عباس قال: من أراد هوان قريش أهانه الله . وأنت يا عدو الله لم ترض بأن أردت ذلك من قريش حتى تخطيت إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اضربوا عنقه ، فما برحنا حتى قتل .

أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الحسين بن الحسن النعالي قال: حدثنا أحمد بن نصر الزراع قال: حدثنا محمد بن أحمد قال: حدثنا العباس بن الفضل ، عن أبيه قال: غضب موسى الهادي على رجل ، فكلم فيه فرضي عنه ، فذهب يعتذر ، فقال له موسى: إن الرضا قد كفاك مئونة الاعتذار .

أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن علي [بن ثابت] قال: أخبرنا [ ص: 308 ] الحسن بن محمد بن عبد الواحد بن علي البزاز قال: أخبرنا أبو سعيد السيرافي قال:

حدثنا محمد بن أبي الأزهر النحوي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عمي مصعب بن عبد الله ، عن جدي عبد الله بن مصعب قال: دخل مروان بن أبي حفصة على الهادي فأنشده مديحا له ، حتى إذا بلغ قوله:


تشابه يوما بأسه ونواله فما أحد يدري لأيهما الفضل

فقال له الهادي: أيما أحب إليك ثلاثون ألفا معجلة أو مائة ألف تدور في الدواوين؟ قال: يا أمير المؤمنين ، أنت تحسن ما هو أحسن من هذا ، ولكنك أنسيته ، أفتأذن لي أن أذكرك؟ قال: نعم ، قال: تعجل الثلاثين الألف ، وتدور المائة الألف .

قال: بل تعجلان لك جميعا ، فحمل ذلك إليه .

قال سعيد بن سلم: سرنا مع الهادي بين أبيات جرجان ، فسمع صوتا من بعض تلك البساتين من رجل يتغنى فقال لصاحب شرطته: علي بالرجل الساعة . فقلت: يا أمير المؤمنين ، ما أشبه قصة هذا الخائن بقصة سليمان بن عبد الملك ، فإنه كان في متنزه له ومعه حرمه ، فسمع من بستان آخر صوت رجل يتغنى ، فدعا صاحب شرطته فقال: علي بصاحب هذا الصوت ، فلما مثل بين يديه قال: ما حملك على الغناء وأنت إلى جنبي ومعي حرمي! أما علمت أن الرماك إذا سمعت صوت الفحل حنت؟ قال: فجب الرجل ، فلما كان في العام المقبل ذهب سليمان إلى ذلك المتنزه فجلس وذكر الرجل ، فقال لصاحب شرطته: علي بالرجل الذي جببناه ، فلما مثل بين يديه قال له: إما بعت فوفيناك ، وإما وهبت فكافأناك قال: فوالله ما دعاه بالخلافة ، ولكنه قال: يا سليمان إنك قطعت نسلي وذهبت بماء وجهي ، وحرمتني لذتي ، ثم تقول: إما وهبت وإما بعت؟ لا والله حتى أقف بين يدي الله . قال: فقال موسى: يا غلام ، رد صاحب الشرطة ، فرده ، قال: لا تعرض للرجل .

قال علي بن صالح: ركب الهادي يوما يريد عيادة أمه الخيزران من علة كانت [ ص: 309 ] بها ، فاعترضه عمر بن بزيع فقال: يا أمير المؤمنين ألا أدلك على وجه هو أعود عليك من هذا؟ قال: وما هو يا عمر؟ قال: المظالم ، لم تنظر فيها منذ ثلاثة أيام ، فأومأ إلى المطرقة أن يميلوا إلى دار المظالم ، وبعث إلى الخيزران بخادم يعتذر من تخلفه ويقول: إن عمر أخبرنا من حق الله عز وجل بما هو أوجب علينا من حقك ، فملنا إليه ونحن عائدون إليك في غد إن شاء الله تعالى .

وفيها : اشتد طلب موسى للزنادقة ، فقتل منهم جماعة ، فكان فيمن قتل منهم كاتب يقطين وابنه علي بن يقطين وكان علي قد حج فنظر إلى الناس في الطواف يهرولون فقال: ما أشبههم ببقر يدوس في البيدر . فقال شاعر:


قل لأمين الله في خلقه     ووراث الكعبة والمنبر
ماذا ترى في رجل كافر     يشبه الكعبة بالبيدر
ويجعل الناس إذا ما سعوا     حمرا يدوس البر والدوسر

فقتله موسى ثم صلبه ، فسقطت خشبته على رجل من الحاج فقتلته وقتلت حماره ، وقتل من بني هاشم يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وكان المهدي أتي به وبابن لداود بن علي فحبسهما لما أقرا له بالزندقة ، وقال ليعقوب: لولا محمد [رسول الله] صلى الله عليه وسلم من كنت! أما والله لولا إني كنت جعلت على الله عهدا إن ولاني أن لا أقتل هاشميا لما ناظرتك ، ثم التفت إلى الهادي فقال: يا موسى ، أقسمت عليك بحقي إن وليت هذا الأمر من بعدي أن لا تناظرهما ساعة واحدة . فمات ابن داود بن علي في الحبس قبل وفاة المهدي ، فلما قدم الهادي من جرجان ذكر وصية المهدي ، فأرسل إلى يعقوب فألقى عليه فراشا ، وأقعدت عليه الرجال حتى مات ، ولها عنه ، وكان الحر شديدا فقيل له: قد انتفخ ، فقال: ابعثوا [ ص: 310 ] به إلى أخيه إسحاق بن الفضل فأخبروه أنه مات في الحبس ، فبعث إليه ، فإذا ليس فيه موضع للغسل ، فدفن من ساعته .

وكان ليعقوب ابنة تسمى فاطمة ، فوجدت حبلى منه ، وأقرت بذلك ، فأدخلت وامرأة يعقوب بن داود يقال لها خديجة على الهادي - أو على المهدي - فأقرتا بالزندقة وأقرت فاطمة أنها حبلى من أبيها ، فأرسل بهما إلى ريطة بنت أبي العباس فرأتهما مكحلتين مخضوبتين ، فعذلتهما ، خصوصا البنت ، فقالت: أكرهني - فقالت لها: فما بال الخضاب والكحل ولعنتهما ، ففزعتا فماتتا .

التالي السابق


الخدمات العلمية