الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ولو كان السلم كر حنطة فصالحه منه على نصف كر حنطة على أن أبرأه مما بقي جاز ; لأن هذا حط ، ولا إبراء عن جميع المسلم فيه صحيح في ظاهر الرواية ; لأنه دين لا يستحق قبضه في المجلس ، وقد بيناه في البيوع فكذلك الإبراء عن بعضه ، وكذلك لو كان السلم كر حنطة جيدة فصالحه على كر رديء إلى شهر ; لأن رب السلم تبرع بالتأجيل بعدما حل حقه وتجوز بدون حقه أيضا وذلك مندوب إليه { قال صلى الله عليه وسلم لصاحب الدين : أحسن إلى الشريك } .

ولو كان السلم كر حنطة رديئة فصالحه على كر جيدة على أن يزيده رب السلم درهما في رأس المال لم يجز ذلك في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وجاز في قول أبي يوسف رحمه الله : إذا نقده الدراهم قبل أن يتفرقا ، وقد بينا هذه الفصول في كتاب البيوع في الحط والزيادة في المكيل والموزون والمذروع إلا أن قول أبي يوسف رحمه الله لم يذكر في كتاب البيوع ، وإنما ذكر هنا ، فأما المسائل فهي التي ذكرناها في البيوع أعادها هنا ، ولو كان المسلم فيه كر حنطة إلى أجل والثمن دراهم أو شيء بغير عينه فاصطلحا على أن زاده الذي عليه السلم نصف كر [ ص: 45 ] حنطة إلى ذلك الأجل لم تجز الزيادة ; لأنها لو جازت كانت برأس مال دين يبتدئ عقد السلم برأس مال هو دين لا يجوز فكذلك الزيادة ولهذا لم تجز الزيادة في الثمن بعد هلاك المبيع اعتبارا لحالة الزيادة بحالة ابتداء العقد وعلى المسلم إليه أن يرد ثلث رأس المال إلى رب السلم وعليه كر حنطة تام في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : ليس عليه رد شيء من رأس المال ; لأنه ما حط شيئا من رأس المال إنما زاده في المسلم فيه ، ولم تثبت تلك الزيادة فبقي جميع رأس المال بمقابلة الكر ، والعقد في جميع الكر باق ، فلا يجب رد شيء من رأس المال وأبو حنيفة رحمه الله يقول : الزيادة في المعقود عليه حال قيام العقد وبقاء المعقود عليه صحيح كما في بيع العين ، وإنما تعذر إثبات الزيادة هنا ; لأنه دين بدين ، فإذا لم تثبت الزيادة في السلم فيه باعتبار هذا المعين وجب رد الدين الذي بمقابلة هذا لأنه لو ثبتت هذه الزيادة ألحقت بأصل العقد ويصير كأنه أسلم عشرة دراهم في كر حنطة ونصف ، ثم أبطلا العقد في نصف الكر فيجب رد حصته من رأس المال ، وهو الثلث وإقدامه على هذه الزيادة إخراج الثلث من رأس المال حتى يكون بمقابلة الكر ، فإذا لم يكن جعله بمقابلة نصف الكر جعل حطا ليحصل مقصوده ، وهو إخراج الغبن من العقد وإدخال الرخص فيه .

وهذه المسألة نظير ما ذكرنا في العتاق فيما إذا قال لعبده ، وهو أكبر سنا منه : هذا ابني لم يعتق عندهما ; لأن ما صرح به صار لغوا لم يثبت به شيء آخر ، وعند أبي حنيفة رحمه الله : يجعل ذلك عبارة عن الإقرار بالعتق مجازا فهنا أيضا تحصيل الزيادة في المسلم فيه عبارة عن حق حصته من رأس المال فجاز .

التالي السابق


الخدمات العلمية