الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

1295 - بشر بن [الحارث بن] عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان ، أبو نصر ، المعروف بالحافي .

مروزي ، ولد بمرو ، وسكن بغداد ، وفاق أهل عصره في الورع والزهد وحسن الطريقة ، وسمع إبراهيم بن سعد ، ومالك ، وحماد بن زيد ، وابن المبارك ، وخلقا كثيرا ، وشغله التعبد عن الرواية ، فلم يتنصب لها .

أخبرنا [أبو منصور] عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي ، قال [ ص: 123 ] أخبرنا عبد العزيز بن علي قال: حدثنا علي بن عبد الله الهمداني ، حدثنا القاسم بن الحسن بن جرير ، حدثنا محمد بن أبي عتاب ، عن محمد بن المثنى قال: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول في هذا الرجل؟ فقال: أي الرجال؟ فقلت: بشر ، قال: سألتني عن رابع سبعة من الأبدال ، ما مثله عندي إلا مثل رجل ركز رمحا في الأرض ، ثم قعد منه على السنان ، فهل ترك لأحد موضعا يقعد فيه؟

أخبرنا [أبو منصور] عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي ، أخبرنا الأزهري قال: أخبرنا عبيد الله بن إبراهيم القزاز قال: حدثنا جعفر الخالدي ، حدثني أبو حامد بن خالد الحذاء قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: ما أخرجت بغداد أتم عقلا ولا أحفظ للسانه [من بشر بن الحارث] ، كان في كل شعرة منه عقل ، وطئ الناس عقبه خمسين سنة ، ما عرف له غيبة لمسلم ، لو قسم عقله على أهل بغداد صاروا عقلاء ، وما نقص من عقله شيء .

أخبرنا [أبو منصور] القزاز قال: [أخبرنا أبو بكر] الخطيب أحمد قال: أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المقرئ ، أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمد بن محمد بن مسلم الختلي ، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق ، حدثنا أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عمران الوركاني يقول: تخرق إزار بشر ، فقالت له أخته: يا أخي ، قد تخرق إزارك ، وهذا البرد ، فلو جئت بقطن حتى أغزل لك ، قال: فكان يجيء بالأستارين والثلاثة فقالت له: إن الغزل قد اجتمع ، أفلا تسلم إزارك إن أردت السرعة؟ فقال لها: هاتيه ، فأخرجته إليه ، فوزنه وأخرج ألواحه وجعل يحسب الأساتير ، فلما رآها قد زادت فيه قال: كما أفسدتيه فخذيه .

قال المروزي: وسمعت بعض القطانين يقول: أهدى إلي أستاذ لي رطبا وكان بشر [ ص: 124 ] يقيل في دكاننا في الصيف ، فقال له أستاذي: يا أبا نصر ، هذا من وجه طيب ، فإن رأيت أن تأكله ، قال: فجعل يمسه بيده ، ثم ضرب بيده إلى لحيته ، وقال: ينبغي أن أستحي من الله ، إني [عند الناس] تارك لهذا وآكله في السر .

أخبرنا [أبو منصور] القزاز ، قال: أخبرنا أبو بكر بن علي [بن ثابت] قال: أخبرني عبد الله بن يحيى السكري ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الصواف ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال: حدثني أبو حفص عمر ابن أخت بشر الحافي قال: حدثتني أمي قالت: جاء رجل إلى الباب فدقه فأجابه بشر: من هذا؟ قال: أريد بشرا ، فخرج إليه فقال له: حاجتك؟ قال: عافاك الله ، أنت بشر؟ قال: نعم ، حاجتك؟ قال: إني رأيت رب العزة [تعالى] في المنام وهو يقول: اذهب إلى بشر فقل له: يا بشر ، لو سجدت على الجمر ما أديت شكري فيما قد بثثت لك - [أو نشرت لك] - في الناس . فقال له: أنت رأيت ذلك ؟ قال: نعم رأيته مرتين ، ليلتين متواليتين فقال: لا تخبر به أحدا ، ثم دخل وولى وجهه إلى القبلة ، وجعل يبكي ويضطرب ، وجعل يقول: اللهم إن كنت شهرتني في الدنيا ، ونوهت باسمي ، ورفعتني فوق قدري على أن تفضحني في القيامة ، فعجل الآن عقوبتي ، خذ مني بمقدار ما يقوى عليه بدني . [ ص: 125 ]

قال المصنف: وقد جمعت كتابا فيه فضائل بشر الحافي وأخباره؛ فلهذا اقتصرت على ما ذكرت ها هنا كراهية للإعادة [والتطويل] .

توفي بشر في هذه السنة عشية الأربعاء لعشر بقين من ربيع الأول من سنة سبع وعشرين ، قبل موت المعتصم بستة أيام ، وقد بلغ من السن خمسا وستين سنة .

أخبرنا [أبو منصور] القزاز قال: أخبرنا [أبو بكر] أحمد بن علي ، أخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطي ، أخبرنا محمد بن يوسف بن يعقوب ، حدثنا أبو الفتح محمد بن أحمد النحوي قال: سمعت الحسين بن أحمد بن صدقة يقول: سمعت أحمد بن زهير يقول: سمعت يحيى بن عبد الحميد الحماني يقول: رأيت أبا نصر التمار ، وعلي بن المديني في جنازة بشر بن الحارث يصيحان في الجنازة: هذا شرف والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة ، وذلك أن بشر بن الحارث [وقد] أخرجت جنازته بعد صلاة الصبح ، ولم يجعل في قبره إلا في الليل ، وكان نهارا صائفا ، ولم يستقر في القبر إلى العتمة .

1296 - توفيل ملك الروم .

ملك اثنتي عشرة سنة ، وهلك في هذه السنة ، وملكت بعده امرأة اسمها [ ص: 126 ] بدور ، وابنها ميخائيل بن توفيل [صبي] .

1297 - عريب

ولدت في سنة إحدى وثلاثين ومائة ، وكانت أمها تسمى فاطمة ، وكانت يتيمة ، فتزوجها جعفر بن يحيى بن خالد ، فأنكر عليه أبوه وقال [له:] أتتزوج من لا يعرف له أب ولا أم ، اشتر مكانها ألف جارية ، فأخرجها وأسكنها دارا في ناحية الأنبار سرا من أبيه ، ووكل بها من يحفظها ، وكان يتردد إليها ، فولدت عريب ، وماتت أم عريب في حياة جعفر ، فدفعها إلى امرأة نصرانية وجعلها داية لها ، فلما حدثت بالبرامكة تلك الحادثة باعتها من سنبس النخاس ، فباعها ، فاشتراها الأمين وافتضها ولم يوف الثمن ، حتى قتل ، فرجعت إلى سيدها ، ثم اشتراها المأمون ، فمات الذي اشتريت منه عشقا لها ، ثم بيعت في ميراث المأمون ، فاشتراها المعتصم بمائة ألف وأعتقها فهي مولاته ، وكانوا إذا نظروا إلى قدمي عريب شبهوها بقدم جعفر بن يحيى ، وكانت عريب شاعرة ، ومليحة الخط ، وغاية في الجمال والظرف ، ثم كانت مغنية محسنة ، صنعت ألف صوت ، وكانت شديدة الفطنة والذكاء ، كتبت إلى بعض الناس: أردت ، ولولا ، ولعل .

فكتب تحت أردت: ليت ، وتحت لولا: ماذا ، وتحت لعل: أرجو ، فقامت ومضت إليه .

توفيت عريب في هذه السنة .

1298 - [قراطيس ، أم الواثق .

خرجت إلى الحج ، فماتت بالحيرة ، لأربع خلون من ذي القعدة ، ودفنت بالكوفة في دار داود بن عيسى] .

1299 - محمد بن حيان ، أبو الأحوص البغوي .

حدث عن إسماعيل بن علية ، وهشيم ، وغيرهما وروى عنه: أحمد بن حنبل [ ص: 127 ] وغيره ، وآخر من روى عنه عبد الله بن محمد البغوي ، وكان ثقة .

توفي في هذه السنة في ذي الحجة .

1300 - محمد بن الصباح ، أبو جعفر البزاز ، ويعرف بالدولابي .

سمع إبراهيم بن سعد ، وهشيم بن بشير ، وغيرهما ، روى عنه: أحمد بن حنبل ووثقه ، ولم يختلفوا في ذلك .

وتوفي يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من شهر الله المحرم من هذه السنة ، وقد جاوز السبعين .

1301 - محمد المعتصم بن الرشيد .

كان بدو مرضه أنه احتجم أول يوم من المحرم من هذه السنة ، واعتل .

أخبرنا [أبو منصور] القزاز ، أخبرنا [أبو بكر] أحمد بن علي ، أخبرنا الأزهري ، أخبرنا [محمد] بن العباس الخزاز ، أخبرنا علان بن أحمد الرزاز ، حدثنا علي بن أحمد بن العباس ، حدثنا أبو الحسن الطويل قال: سمعت عيسى بن أبان بن صدقة ، عن علي بن يحيى المنجم ، قال: لما استتم المعتصم عدة غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفا ، وعلق له خمسون ألف مخلاة على فرس ، وبرذون ، وبغل ، وذلل العدو بكل النواحي ، أتته المنية ، على غفلة ، فقيل لي إنه قال في حماه التي مات فيها حتى إذا [ ص: 128 ]

فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون
.

أخبرنا محمد بن ناصر ، أخبرنا عبد المحسن بن محمد بن علي ، أخبرنا أحمد بن عمر بن روح النهرواني ، أخبرنا المعافى بن زكريا ، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال: سمعت القاسم بن زرزور يقول: حدثني زنام الزامر قال: لما اعتل المعتصم علته التي مات فيها وجد يوما إفاقة ، فقال: هيئوا لي الزلال حتى أركب . فهيئ له ، فركب وأنا معه ، فمر بدجلة بإزاء منازله فقال: [يا] زنام . قلت:

لبيك يا أمير المؤمنين ، قال: أزمر:


يا منزلا لم تبل أطلاله حاشى لأطلالك أن تبلى     والعيش أولى ما بكاه الفتى
لا بد للمحزون أن يسلى     لم أبك أطلالك لكنني
بكيت عيشي فيك إذ ولى

قال: فزمرته وما زلت أردده وهو ينتحب ويبكي ، إلى أن خرج من الزلال ، ثم توفي بعد خمسة أيام .

قال علماء السير: لما احتضر جعل يقول: ذهبت الحيل ولا حيلة ، ولو علمت أن عمري قصير هكذا ما فعلت .

توفي يوم الخميس لثمان عشرة ليلة مضت من ربيع الأول ، لساعتين مضتا من النهار ، وقيل: لأربع ، ودفن بسامراء ، فكانت خلافته ثمان سنين وثمانية أشهر ، وقيل: ويومين ، وكان عمره ستا وأربعين سنة وسبعة أشهر وثمانية عشر يوما . وقيل: سبعا وأربعين وشهرين وثمانية عشر يوما . [ ص: 129 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية