الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر



1441 - الحسن بن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري ، مولى أم سلمة المخزومية زوجة السفاح .

ولي قضاء المدينة المنصورية بعد عبد الرحمن بن إسحاق الضبي .

عزل الواثق الضبي في سنة ثمان وعشرين ومائتين ، واستقضى الحسن بن علي وأبوه حي ، وكان ذا مروءة .

وتوفي في رجب هذه السنة .

1442 - الحسن بن عثمان بن حماد بن حسان بن يزيد ، أبو حسان الزيادي .

سمع من إبراهيم بن سعد ، وهشيم بن بشير ، وابن علية ، وخلق كثير .

روى عنه : الكديمي ، والباغندي . وكان من العلماء الأفاضل ، صالحا دينا كريما مصنفا ، وله تاريخ حسن ، وولي قضاء الشرقية .

أخبرنا [أبو منصور ] القزاز قال : أخبرنا [أبو بكر ] الخطيب قال : أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال : أخبرنا محمد بن عمران المرزباني قال : أخبرنا عبد الواحد بن محمد الخصيبي قال : حدثنا أبو حازم القاضي وأبو علي أحمد بن إسماعيل قالا : حدثنا أبو سهل الرازي قال : حدثني أبو حسان الزيادي قال : ضقت ضيقة بلغت فيها إلى الغاية ، حتى ألح علي القصاب ، والبقال ، والخباز ، وسائر المعاملين ، ولم تبق لي حيلة ، فإني ليوما على تلك الحال ، وأنا مفكر في الحيلة ، إذ [ ص: 298 ] دخل علي الغلام فقال : حاجي بالباب يستأذن ؟

فقلت له : ائذن له ، فدخل الخراساني فسلم ، وقال : ألست أبا حسان ؟ قلت :

بلى ، فما حاجتك ؟ قال : أنا رجل غريب أريد الحج ، ومعي عشرة آلاف درهم ، واحتجت أن تكون قبلك حتى أقضي حجي وأرجع ، فقلت هاتها ، فأحضرها وخرج بعد أن وزنها وختمها ، فلما خرج فككت الخاتم على المكان ، ثم أحضرت المعاملين فقضيت كل دين كان علي ، واتسعت وأنفقت ، وقلت : أضمن هذا المال للخراساني ، وإلى أن يجيء يكون قد أتى الله بفرج من عنده ، فكنت يومي ذلك في سعة وأنا لا أشك في خروج الخراساني ، فلما أصبحت من غد ذلك اليوم دخل علي الغلام فقال :

الخراساني الحاج بالباب يستأذن فقلت : ائذن له ، فدخل فقال : إني كنت عازما على ما أعلمتك ، ثم ورد علي الخبر بوفاة والدي ، وقد عزمت على الرجوع إلى بلدي ، فتأمر لي بالمال الذي أعطيتك أمس .

قال : فورد علي أمر لم يرد علي مثله قط ، وتحيرت فلم أدر ما أقول له ، ولا بما أجيبه ، وفكرت فقلت : ماذا أقول للرجل ؟ ثم قلت : نعم ، عافاك الله [تعالى ] ، منزلي هذا ليس بحريز ، ولما أخذت مالك وجهت به إلى من هو قبله ، فتعود في غد لتأخذه ، فانصرف وبقيت متحيرا ما أعمل ؟ إن جحدته قدمني فاستحلفني ، وكانت الفضيحة في الدنيا والآخرة ، وإن دافعته صاح وهتكني وغلظ الأمر علي جدا ، وأدركني الليل وفكرت في بكور الخراساني إلي ، فلم يأخذني النوم ولا قدرت على الغمض ، فقمت إلى الغلام فقلت له : أسرج البغلة ، فقال : يا مولاي ، هذه العتمة بعد ، وما مضى من الليل شيء ، فإلى أين تمضي ؟

فرجعت إلى فراشي ، فإذا النوم ممتنع ، فلم أزل أقوم إلى الغلام وهو يردني حتى فعلت ذلك ثلاث مرات ، وأنا لا يأخذني القرار ، وطلع الفجر ، فأسرج البغلة وركبت ، وأنا لا أدري أين أتوجه ، وطرحت عنان البغلة ، وأقبلت أفكر وهي تسير بي حتى بلغت الجسر فعدلت بي فتركتها فعبرت ، ثم قلت : إلى أين أعبر ، وإلى أين أمضي ؟

[ ص: 299 ]

ولكن إن رجعت وجدت الخراساني على بابي ، دعها تمضي إلى حيث شاءت ، ومضت البغلة ، فلما عبرت الجسر أخذت بي يمنة إلى [ناحية ] دار المأمون ، فتركتها إلى أن قاربت باب المأمون ، والدنيا بعد مظلمة ، فإذا بفارس قد تلقاني ، فنظر في وجهي ، ثم سار وتركني ، ثم رجع إلي فقال : ألست بأبي حسان الزيادي ؟ قلت :

بلى . قال : أجب الأمير الحسن بن سهل ، فقلت في نفسي : وما يريد الحسن بن سهل مني ؟ ثم سرت معه حتى صرنا إلى بابه فاستأذن لي عليه [فأذن لي ] ، فقال : أبا حسان ، ما خبرك ؟ وكيف حالك ؟ ولم انقطعت عنا ؟ فقلت : لأسباب وذهبت لأعتذر .

فقال : دع عنك هذا ، أنت في لوثة أو في أمر ، فإني رأيتك البارحة في النوم في تخليط كثير ، فابتدأت فشرحت له قصتي من أولها إلى آخرها إلى أن لقيني صاحبه [ودخلت عليه ] ، فقال : لا يغمك يا أبا حسان ، قد فرج الله عنك هذه بدرة للخراساني مكان بدرته ، وبدرة أخرى لك تتسع بها ، وإذا نفدت أعلمنا . فرجعت من مكاني فقضيت الخراساني ، واتسعت ، وفرج الله وله الحمد .

توفي أبو حسان في رجب هذه السنة ، وله تسع وثمانون سنة وأشهر ، ومات هو والحسن بن الجعد في وقت واحد ، وأبو حسان على الشرقية ، والحسن بن علي على مدينة المنصور . [ ص: 300 ]

1443 - الخليل بن عمرو [ ، أبو عمرو ] البغوي

سكن بغداد ، وحدث بها عن وكيع بن الجراح ، وعيسى بن يونس .

روى عنه : البغوي ، وكان ثقة . وتوفي [بها في صفر ] في هذه السنة .

1444 - زكريا [بن يحيى ] بن صالح بن يعقوب ، أبو يحيى القضاعي الحرسي .

روى عن المفضل بن فضالة ، ورشدين بن سعد ، وعبد الله بن وهب .

كانت القضاة تقبله ، وتوفي في شعبان هذه السنة .

1445 - الطيب بن إسماعيل بن إبراهيم ، أبو محمد الذهلي . ويعرف بأبي حمدون القصاص ، واللآل ، [والثقاب ] .

روى حروف القرآن عن الثقات : الكسائي ، ويعقوب الحضرمي .

وحدث عن سفيان بن عيينة وشعيب بن حرب .

روى عنه : أبو العباس بن مسروق وغيره ، وكان من الزهاد المخلصين .

أخبرنا [أبو منصور ] القزاز قال : أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال : أخبرنا الجوهري قال :

حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أبو الحسين بن المنادي قال : أبو حمدون الطيب [ابن إسماعيل ] من الأخيار الزهاد ، المشهورين بالقراءات ، وكان يقصد

[ ص: 301 ]

المواضع التي ليس فيها أحد يقرئ الناس فيقرئهم حتى إذا حفظوا انتقل إلى آخرين بهذا النعت ، وكان يلتقط المنبوذ كثيرا .

أخبرنا [أبو منصور ] القزاز قال : أخبرنا [أحمد بن علي ] الخطيب قال : أخبرنا محمد بن عبيد الله الجبائي قال : حدثنا جعفر بن محمد بن نصير [الخلدي ] قال :

حدثني أبو العباس أحمد بن مسروق قال : سمعت أبا حمدون المقرئ يقول : صليت ليلة فقرأت فأدغمت حرفا ، فحملتني عيناي ، فرأيت كأن نورا قد تلبب بي وهو يقول :

الله بيني وبينك . قلت : من أنت ؟ قال : أنا الحرف الذي أدغمت ، قال قلت : لا أعود ، فانتبهت ، فما عدت أدغم حرفا .

أخبرنا القزاز أخبرنا [أحمد بن علي ] الخطيب قال : أخبرنا رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري قال : سمعت أبا محمد الحسن [بن علي ] بن صليح يقول : إن أبا حمدون الطيب بن إسماعيل كف بصره ، فقاده قائد له ليدخله المسجد [فلما بلغ إلى المسجد ] قال له قائده : يا أستاذ ، اخلع نعلك . قال : [لم ] يا بني أخلعها ؟ قال : لأن فيها أذى ، فاغتم أبو حمدون ، وكان من عباد الله الصالحين ، فرفع يده ودعا بدعوات ومسح بها وجهه فرد الله عليه بصره ومشى .

[ ص: 302 ]

1446 - القاسم بن عثمان الجوعي .

أسند عن سفيان بن عيينة وغيره .

أخبرنا ابن ناصر قال : أخبرنا حمد بن أحمد [قال : أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال :

حدثنا عبد الله بن أحمد بن جعفر قال : حدثنا عبد الرحمن بن أحمد حدثنا ] يوسف بن أحمد البغدادي قال : حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال : سمعت القاسم الجوعي يقول : شبع الأولياء بالمحبة عن الجوع ففقدوا لذاذة الطعام والشراب والشهوات ، لأنهم تلذذوا بلذة ليس فوقها لذة ، فقطعتهم عن كل لذة وإنما سميت قاسما الجوعي لأن الله تعالى قواني على الجوع ، فلو تركت ما تركت ولم أوت بالطعام لم أبال ، رضت نفسي حتى لو تركت شهرا وما زاد لم تأكل ولم تشرب ولم تبال ، وأنا عنها راض أسوقها حيث شئت ، اللهم أنت فعلت بي ذلك فأتمه علي .

1447 - محمد بن أسلم بن سالم بن يزيد ، أبو الحسن الكندي الطوسي .

سمع عبدان بن عثمان ، وسعيد بن منصور والحميدي ، وقبيصة ، ويزيد بن هارون في خلق كثير ، وكان من الصالحين .

قال محمد بن رافع : دخلت على محمد بن أسلم فما شبهته إلا بأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان محمد بن أسلم يخدم نفسه وعياله ويستقي الماء من النهر بالجرار في اليوم البارد ، وكان إذا اعتل لم يخبر أحدا بعلته ولم يتداو . [ ص: 303 ]

أخبرنا [محمد ] بن ناصر الحافظ قال : أخبرنا حمد بن أحمد الحداد قال :

أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال : حدثنا أبي قال : حدثنا خالي أحمد بن محمد بن يوسف قال حدثنا أبي قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن القاسم قال : سمعت إسحاق بن راهويه يقول : لم أسمع بعالم منذ خمسين سنة كان أشد تمسكا بأثر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من محمد بن أسلم .

قال أبو عبد الله : وقال لي محمد بن أسلم يا أبا عبد الله ما لي ولهذا الخلق كنت في صلب أبي وحدي ، ثم صرت في بطن أمي وحدي ، ثم دخلت إلى الدنيا وحدي ، ثم تقبض روحي وحدي ، فأدخل في قبري وحدي ، فيأتيني منكر ونكير فيسألاني وحدي ، فأصير إلى حيث صرت وحدي ، وتوضع عملي وذنوبي في الميزان وحدي ، وإن بعثت إلى الجنة بعثت وحدي ، وإن بعثت إلى النار بعثت وحدي ، فما لي والناس ! قال : وصحبته نيفا وعشرين سنة لم أره يصلي ركعتي التطوع إلا يوم الجمعة ، ولا يسبح ولا يقرأ حيث أراه ، ولم يكن أحد أعلم بسره وعلانيته مني . وسمعته يحلف مرارا : لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي فعلت ، وكان يدخل بيتا ويغلق بابه ويدخل معه كوزا من ماء ، فلم أدر ما يصنع ، حتى سمعت ابنا له صغيرا يحكي بكاءه ، فنهته أمه ، فقلت لها : ما هذا البكاء ؟ فقالت : إن أبا الحسن يدخل هذا البيت فيقرأ القرآن ويبكي فيسمعه الصبي فيحكيه ، وكان إذا أراد أن يخرج غسل وجهه واكتحل ، فلا يرى عليه أثر البكاء ، وكان يصل قوما فيعطيهم ويبرهم ويكسوهم ، فيبعث إليهم ويقول للرسول : انظر لا يعلمون من بعثه إليهم ، ويأتيهم هو بالليل فيذهب به إليهم ويخفي نفسه ، فربما بليت ثيابهم ونفد ما عندهم ولا يدرون من الذي أعطاهم .

قال : ودخلت عليه يوما قبل موته بأربعة أيام فقال لي : يا أبا عبد الله ، تعال أبشرك بما صنع الله بأخيك من الخير . قد نزل بي الموت وقد من الله علي أنه ليس [ ص: 304 ] عندي درهم يحاسبني الله عليه وقد علم ضعفي ، وأني لا أطيق الحساب [فلم يدع لي شيئا يحاسبني عليه ] ثم قال : أغلق الباب ولا تأذن لأحد علي حتى أموت ، واعلم أني أخرج من الدنيا وليس عندي ميراث غير كسائي ولبدي وإنائي الذي أتوضأ فيه وكتبي ، وكانت معه صرة فيها نحو ثلاثين درهما فقال : هذا لابني ، أهداه إليه قريب له ، ولا أعلم شيئا أحل لي منه ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال "أنت ومالك لأبيك" فكفنوني منها ، فإن أصبتم [لي ] بعشرة [دراهم ] ما يستر عورتي فلا تشتروا لي بخمسة عشر ، وابسطوا على جنازتي لبدي ، وغطوا عليها بكسائي ، وتصدقوا بإنائي ، أعطوه مسكينا يتوضأ فيه ، ثم مات في اليوم الرابع وصلى عليه نحو من ألف ألف تقريبا .

توفي ابن أسلم في هذه السنة ، ودفن إلى جنب إسحاق بن راهويه .

1448 - محمد بن رمح بن المهاجر ، أبو عبد الله التجيبي .

حكى عن مالك بن أنس ، وروى عنه : الليث ، وابن لهيعة ، وهو ثقة ثبت .

توفي في شوال هذه السنة .

1449 - هانئ بن المتوكل بن إسحاق بن إبراهيم بن حرملة ، أبو هاشم الإسكندراني .

يروي عن حيوة بن شريح ، ومعاوية بن صالح . جاوز المائة . [ ص: 305 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية