الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

1302 - إسحاق بن بشر بن مقاتل ، أبو يعقوب الكاهلي .

من أهل الكوفة ، ويروي عن مالك ، وأبي معشر ، وكامل أبي العلاء ، وغيرهم أحاديث منكرة . [ ص: 130 ]

قال أبو بكر بن أبي شيبة: هو كذاب . وتوفي في هذه السنة .

1303 - بشار بن موسى ، أبو عثمان العجلي الخفاف .

بصري الأصل ، حدث عن: أبي عوانة ، وشريك بن عبد الله ، روى عنه:

أحمد بن حنبل ، وقال : كان صاحب سنة .

وقال ابن المديني: ما كان ببغداد أصلب منه في السنة . وكان يحسن القول فيه .

فأما يحيى بن معين فإنه لم يوثقه . وقال الفلاس: هو ضعيف الحديث . وقال البخاري: منكر الحديث .

قال ابن عدي: قول من وثقه أقرب إلى الصواب ممن ضعفه ، وأرجو أنه لا بأس به .

توفي في رمضان هذه السنة .

1304 - حاجب بن الوليد بن ميمون ، أبو أحمد الأعور .

سمع جعفر بن ميسرة ، وبقية ، وغيرهما ، روى عنه: أبو بكر بن أبي الدنيا ، والبغوي ، وكان ثقة ، توفي ببغداد في رمضان هذه السنة [وكان أعور] .

1305 - حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس ، أبو تمام الطائي الشاعر .

ولد سنة تسعين ومائة ، شامي الأصل ، كان بمصر في حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع ، ثم جالس الأدباء ، وأخذ عنهم ، وكان فطنا ، وكان يحب الشعر ، [ ص: 131 ] فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر فأجاد ، وبلغ المعتصم خبره ، فحمله إليه وهو بسامراء ، فمدحه فأجازه وقدمه على الشعراء ، وقدم بغداد وجالس بها الأدباء ، وكان ظريفا ، حسن الأخلاق ، كريم النفس ، فأقر له الشعراء بالتقدم .

أخبرنا [أبو منصور] عبد الرحمن بن محمد قال: [أخبرنا أبو بكر] علي بن ثابت ، أخبرنا أحمد بن عمر بن روح النهرواني ، قال: أخبرنا المعافى بن زكريا ، حدثنا محمد بن محمود الخزاعي ، حدثنا علي بن الجهم ، قال: كان الشعراء يجتمعون كل جمعة في القبة المعروفة بهم من جامع المدينة ، فيتناشدون الشعر ، ويعرض كل واحد منهم على صاحبه ما أحدث من القول بعد مفارقتهم في الجمعة التي قبلها ، فبينا أنا في جمعة من تلك الجمع ، ودعبل ، وأبو الشيص . وابن أبي فنن ، والناس يستمعون إنشاد بعضنا بعضا ، أبصرت شابا في أخريات الناس ، جالسا في زي الأعراب وهيئتهم ، فلما قطعنا الإنشاد قال لنا: قد سمعت إنشادكم منذ اليوم فاسمعوا إنشادي ، قلنا: هات ، فأنشدنا:


فحواك عين على نجواك يا مذل حتام لا يتقضى قولك الخطل     وإن أسمع من نشكو إليه جوى
من كان أحسن شيء عنده العذل     ما أقبلت أوجه اللذات سافرة
مذ أدبرت باللوى أيامنا الأول     إن شئت أن لا ترى صبر اليقين بها
فانظر على أي حال أصبح الطلل     كأنما جاد مغناه فغيره
دموعنا يوم بانوا وهي تنهمل [ ص: 132 ]     ولو ترانا وإياهم وموقفنا
في موقف اليأس لاستهلالنا زجل      [من حرقة أطلقتها فرقة أسرت
قلبا ومن غزل في نحره عذل]

ثم مر فيها حتى انتهى إلى قوله في مدح المعتصم:


تغاير الشعر فيه إذ سهرت له     حتى ظننت قوافيه ستقتتل

ثم مر فيها إلى آخرها . قلنا له : زدنا . فأنشدنا:


ومن ألم بها فقال سلام     كم حل عقدة صبره الإلمام

حتى أتى على آخرها وهو يمدح المأمون ، فاستزدناه فأنشدنا قصيدته التي أولها:


قدك اتئد أربيت في الغلواء     كم تعذلون وأنتم سجرائي

حتى انتهى إلى آخرها ، فقلنا له : لمن هذا الشعر؟ فقال: لمن أنشدكموه ، قلنا: ومن تكون؟ قال: أنا أبو تمام حبيب بن أوس الطائي ، فقال له أبو الشيص: تزعم أن هذا الشعر لك تقول:


تغاير الشعر فيه إذ سهرت له     حتى ظننت قوافيه ستقتتل

قال: نعم ، لأني سهرت في مدح ملك ، ولم أسهر في مدح سوقة ، فقربناه حتى صار معنا [في موضعنا] ، ولم نزل نتهاداه بيننا وجعلناه كأحدنا ، واشتد إعجابنا به لدماثته وظرفه وكرمه ، وحسن طبعه ، وجودة شعره ، وكان ذلك اليوم أول يوم عرفناه فيه ، ثم ترافعت حاله حتى كان من أمره ما كان . [ ص: 133 ]

أخبرنا [أبو منصور] القزاز ، أخبرنا [أبو بكر] أحمد بن علي بن ثابت ، أخبرني علي بن أيوب القمي ، أخبرنا محمد بن عمران الكاتب قال: أخبرني الصولي قال: حدثني الحسين بن إسحاق قال: قلت للبحتري: الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام ، فقال: والله ما ينفعني هذا القول ولا يضير أبا تمام ، والله ما أكلت الخبز إلا به ، ولوددت أن الأمر كما قالوا ، ولكني والله تابع له ، لائذ به ، أجد نسيمي يركد عند [هوائه] ، وأرضي تنخفض عن سمائه .

ومن شعر أبي تمام المستحسن:


يا طالبا مسعاتهم لينالها     هيهات منك غبار ذاك الموكب
يعطي عطاء المحسن الخضل الندى     عفوا ويعتذر اعتذار المذنب
سجر يطم على العفاة وإن تهج     ريح السؤال بمدحه يغلولب
أولى المديح بأن يكون مهذبا     ما كان منه في أغر مهذب
غربت خلائقه وأغرب شاعر     فيه وأحسن مغرب في مغرب
[لما كرمت نطقت فيك بمنطق     حق فلم آثم ولم أتحوب]

وله:


فسواء أجابني غير داع     ودعائي بالقاع غير مهيب
رب خفض تحت الشرى وعناء     من عناء ونصرة من شحوب
لست أدلي بحرمة لي مزيدا     في وداد منكم ولا في نصيب
غير أن العليل ليس بمذموم     على شرح حاله للطبيب
لو رأينا التثويب خطة عجز     ما شفعنا الأذان بالتثويب

[ ص: 134 ]

وله:


ستصبح العيس بي والليل عند فتى     كثير ذكر الرضا في ساعة الغضب
صدفت عنه فلم تصدف مودته     عني وعاوده ظني فلم يخب
كالغيث إن جئته وافاك ريقه     وإن تحملت عنه كان في الطلب
كأنما هو في أخلاقه أبدا     وإن ثوى وحده في عسكر لجب

[وله في أخرى:


وكأن قسا في عكاظ يخطب     وكأن ليلى الأخيلية تندب
وكثير عزة يوم بين ينسب     وابن المقفع في اليتيمة سهب

وله أيضا:


أأيامنا ما كنت إلا مواهبا     وكنت بإسعاف الحبيب حبائبا
سيغرب تجديد لعهدك في الهوى     فما كنت في الأيام إلا غرائبا
كواعب زادت في ليال قصيرة     تخيلن لي من حسنهن كواعبا
سلبن غطاء الحسن عن حر أوجه     تظل للب السالبيها سوالبا
وجوه لو ان الأرض فيها كواكب     توقد للساري لكن كواكبا
سلي هل عمرت النفر وهو سباسب     وغادرت ربعي من ركابي سباسبا
وغربت حتى لم أجد ذكر مشرق     وشرقت حتى قد نسيت المغاربا
خطوب إذا لاقيتهن رددنني     جريحا كأني قد لقيت الكتائبا
وقد يكهن السيف المسمى منية     وقد يرجع المرء المظفر خائبا
وآفة ذا أن لا يصادف مضربا     وآفة ذا أن لا يصادف ضاربا
وملآن من ضغن كواه توقلي     إلى الهمة العليا سناما وغاربا
شهدت جسيمات العلى وهو غائب     ولو كان أيضا شاهدا كان غائبا
وكنت امرءا ألقى الزمان مسالما     تعاليت لا ألقاه إلا محاربا
ثوى ماله نهب المعالي فأوجبت     عليه زكاة الجود ما ليس واجبا
وتحسن في عينيه إن جئت زائرا     ويزداد حسنا كلما جئت طالبا
خدين العلى أبقى له البذل والتقى     عواقب من عرف كفته العواقبا
[ ص: 135 ] تطول استشارات التجارب رأيه     إذا ما ذوو الرأي استشاروا التجاربا

وله أيضا:


إذا أمه العافون ألفوا حياضه     ملاء وألفوا ربعه غير محدب
أخو عرفات بذله بذل محسن     إلينا ولكن عذره عذر مذنب

وله أيضا:


بين البين فقدها قل ما     تعرف قعدا للشمس حتى تعبا
كل داء يرجى الدواء له     إلا القطيعين مسته وشيا

وله:


إذا المرء لم يستخلص الحزم نفسه     فذروته للحادثات وغاربه
أعاذلتي ما أخشن الليل مركبا     وأخشن منه في الملمات راكبه
ذريني وأهوال الزمان أنالها     فأهواله العظمى تلتها رغائبه
ألم تعلمي أن الزماع على السرى     أخو النجح عند النائبات وصاحبه]

وله:


وإذا أراد الله نشر فضيلة     طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت     ما كان يعرف طيب عرف العود

وله:


وطول مقام المرء في الحي مخلق     لديباجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة     إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد
[محاسن أصناف المغنين جمة     وما قصبات السبق إلا لمعبد

وله:


وأنجدتم من بعد إتهام داركم     فيا دمع أنجدني على ساكني نجد
لعمري قد أخلقتم جدة البكا     علي وجددتم به خلق الوجد
كريم متى أمدحه أمدحه والورى     معي ومتى ما لمته لمته وحدي]

[ ص: 136 ]

وأيضا له:


نقل فؤادك حيث شئت من الهوى     ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى     وحنينه أبدا لأول منزل

وله أيضا:


هو البحر من أي النواحي أتيته     فلجته المعروف والجود ساحله
تعود بسط الكف حتى لو انه     ثناها لقبض لم تطعه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير نفسه     لجاد بها فليتق الله سائله

[وله:


إذا آمل رجاه قرطس في المنى     بأسهمه حتى لؤمل آمله

وله:


إذا أحسن الأقوام أن يتطاولوا     بلا منة أحسنت أن تتطولا
تعظمت عن ذاك التعظم بينهم     وأوصاك قل القدر أن لا تنبلا]

وله:


أنت في حل فزدني سقما     أفن صبري واجعل الدمع دما
ليس منا من شكا علته     من شكى ظلم حبيب ظلما

[وله أيضا:


ذاك السؤال شجى في الخلق مقبوض     من دونه شرق من خلفه حوض
مروءة ذهبت أثمارها شبه     وهمية جوهر أثمارها عرض

وله أيضا:


أرى ألفات قد كتبن على رأسي     بأقلام شيب في مفارق قرطاس
فإن تسأليني من يخط حروفها     فكف الليالي تستمد بأنفاسي
جرت في قلوب الغانيات لهبتني     قشعريرة من يعدلن دانياس
[ ص: 137 ] وقد كنت أجري من حشاهن مرة     مجاري جاري الماء في غصن الآس
فإن أمس من وصل الكواعب أيسا     فاخرا مال العباد إلى الياس]

وله:


ليس الغبي بسيد في قومه     لكن سيد قومه المتغابي

أخبرنا [أبو منصور] قال: [أخبرنا أبو بكر] الخطيب قال: أخبرنا الأزهري قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم ، أخبرنا إبراهيم بن عرفة قال: سنة ثمان وعشرين فيها مات أبو تمام [الطائي] . وقيل: سنة إحدى وثلاثين . وقيل: سنة اثنتين وثلاثين .

1306 - داود بن عمرو بن زهير ، أبو سليمان الضبي .

سمع حماد بن زيد ، وابن عيينة ، سمع منه: يحيى ، وأحمد ، وابن أبي الدنيا ، والبغوي ، وكان ثقة .

وتوفي في صفر هذه السنة .

1307 - سلم بن قادم ، أبو الليث .

سمع سفيان بن عيينة ، وبقية ، روى عنه: عباس الدوري ، وكان ثقة .

وتوفي في هذه السنة في ذي القعدة .

1308 - عبيد الله بن محمد بن حفص [بن عمر] بن موسى بن عبيد الله بن معمر ، [ ص: 138 ] أبو عبد الرحمن التيمي ، ويعرف بابن عائشة؛ لأنه من ولد عائشة بنت طلحة ابن عبيد الله التيمي .

سمع حماد بن سلمة ، وسفيان بن عيينة ، وخلقا كثيرا ، روى عنه: أحمد بن حنبل ، والبرجلاني ، وإبراهيم الحربي ، والبغوي ، وكان من أهل البصرة فقدم بغداد ، وحدث بها ، ثم عاد إلى البصرة ، وكان فصيحا أديبا سخيا ، حسن الخلق ، عارفا بأيام الناس ، صدوقا . وقال إبراهيم الحربي: ما رأت عيني مثل ابن عائشة .

[أخبرنا أبو منصور قال: أخبرنا أبو بكر قال:] أخبرنا الحسين بن محمد أخو الخلال ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الشطي ، حدثنا أبو القاسم الكريزي ، حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال: كنت عند ابن عائشة ، فسأله رجل أن يهب له شيئا ، فنزع جبة [سعيدية] كانت عليه تساوي ستة دنانير أو سبعة ، فدفعها إليه ، فقال له وكيله ما أخوفني عليك أن تموت فقيرا ، فقال: كيف؟ قال: كانت لك ست جباب فوهبتها ، وبقيت لك هذه الجبة ، فوهبتها وهذا الشتاء مقبل . فقال: إليك عني ، فإني أريد أن أكون كما قال الأول:


وفتى خلا من ماله     ومن المروة غير خالي
أعطاك قبل سؤاله     فكفاك مكروه السؤال
وإذا رأى لك موعدا     كان الفعال مع المقال
لله درك من فتى     ما فيك من كرم الخصال

أخبرنا [أبو منصور] عبد الرحمن قال: [أخبرنا أبو بكر] أحمد بن علي قال: [ ص: 139 ]

أخبرنا الأزهري ، حدثنا عبد الرحمن بن عمر الخلال ، أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال: قال جدي: أنفق ابن عائشة على إخوانه أربعمائة ألف دينار [في الله] حتى التجأ إلى أن باع سقف بيته .

قال المصنف: كان ابن عائشة مع معانيه الكاملة شديد القوة في اليدين ، فكان يمسك بيمينه ويساره شاتين إلى أن يسلخا .

ولما حدث بواسط وشخص إلى البصرة فات بعض من سمع منه الحديث بعض ما سمع ، فأخذ جرة جديدة ، فملأها ماء وغطاها ، ومضى يتبعه ، فلما صار إلى البطائح وعدم الماء العذب أتاه بها ، فسر بذلك وفرقها بين أصحابه ، ثم قال له: ما حاجتك ؟ فقال: فاتني شيء من حديثك ، فقرأه عليه ، وأعطاه خمسين دينارا ، ثم أعطاه دراهم ، وقال: أنفق هذه في طريقك حتى تخلص لك الخمسون .

توفي في رمضان هذه السنة .

1309 - عبد الملك بن عبد العزيز ، أبو نصر التمار .

سمع مالك بن أنس ، والحمادين ، وغيرهم ، روى عنه: مسلم بن الحجاج في صحيحه ، وكان عالما ثقة زاهدا ، يعد في الأبدال ، وكان ممن أجاب في المحنة ، وكان أحمد ينهى عن الكتابة عنه ولم يخرج للصلاة عليه ، كل ذلك ليعظم أمر القرآن عند الناس .

توفي أبو نصر في أول يوم من محرم هذه السنة ، وقد جاوز التسعين سنة ، وكان بصره قد ذهب .

التالي السابق


الخدمات العلمية