الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وجاز تمر ، ولو قدم بتمر ، وحليب ، ورطب ، ومشوي . وقديد ، وعفن ، . [ ص: 20 ] وزبد وسمن ، وجبن وأقط .

[ ص: 21 ] بمثلها : كزيتون ، ولحم ، لا رطبهما بيابسهما ، . .

التالي السابق


( وجاز تمر ) بفتح المثناة وسكون الميم أي بيعه إن كان جديدا بمثله أو قديما بمثله ، بل ( ولو قدم ) بضم الدال ( بتمر ) جديد متماثلين هذا قول الإمام مالك رضي الله تعالى عنه ، وأشار بولو لقول عبد الملك يمنع بيع القديم بالجديد واستحسنه اللخمي لعدم تحقق مماثلتهما لشدة جفاف القديم إن اختلف صنفاهما كصيحاني وبرني نقله ابن عرفة ، ونقله الموضح والشارح بدون قوله إن اختلف إلخ .

الحط وفي كلام النقلين نقص لأن ظاهر كلام اللخمي أنه اختار منع بيع الرطب بالرطب والبسر بالبسر إذا كان نقصهما يختلف فإنه قال بعد ذكر الخلاف في هذه المسائل : والمنع في جميع ذلك أحسن إذا كانا من جنسين كصيحاني وبرني وما يعلم أنهما يختلفان في النقص إذا صارا تمرا للحديث . ( و ) جاز لبن ( حليب ) من نعم بمثله . الحط سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه بما فيه الكفاية عند قوله وزبد وسمن وجبن وأقط ( و ) جاز ( رطب ) بضم الراء وفتح الطاء بمثله عند ابن القاسم وهو المشهور ، ومنعه ابن الماجشون ( و ) بلح ( مشوي ) بمثله ( و ) بلح ( قديد ) بفتح القاف وكسر الدال المهملة مخففة بمثله ( و ) بلح ( عفن ) بفتح العين المهملة وكسر الفاء بمثله في كتاب القسمة من المدونة إذا تبادلا قمحا عفنا [ ص: 20 ] بعفن مثله ، فإن تشابها في العفن فلا بأس به ، وإن تباعدا فلا يجوز .

أبو الحسن أبو عمران معناه إذا كان العفن خفيفا ، واستدل بمسألة الغلث قال فيها : وإن كانا مغشوشين أو كان أحدهما أو كلاهما كثير التبن أو التراب حين يصير خطرا فلا يجوز أن يتبادلا إلا في الغلث الخفيف ، أو يكونا نقيين وليس حشف التمر بمنزلة غلث الطعام لأن الحشف من التمر والغلث ليس من الطعام ا هـ . قلت : ليس العفن كالغلث فإن الغلث ليس من الطعام ، وأما العفن فهو وصف للطعام وليس شيئا زائدا على الطعام . ابن رشد تجوز مبادلة الطعام المأكول أي المسوس والمعفون بالصحيح السالم على وجه المعروف في القليل والكثير ومنعها أشهب وهو دليل ما في قسمة المدونة ، وأجازه سحنون في المعفون وكرهه في المأكول إذا كانت الحبة قد ذهب أكثرها وقوله وقول أشهب مثل ما في قسمة المدونة غير ظاهر لأنه إذا كان العفن من الجانبين كان من المكايسة فلا يجوز إلا بالتماثل ، وإن كان من جهة واحدة كان معروفا محضا والله أعلم أفاده الحط .

( و ) جاز ( زبد ) بضم الزاي وسكون الموحدة بزبد مثله ( و ) جاز ( سمن ) بفتح فسكون بمثله ( و ) جاز ( جبن ) بضم الجيم وسكون الموحدة بمثله ( و ) جاز ( أقط ) بفتح الهمز وكسر القاف أو سكونه وبكسر الهمز وسكون القاف أو كسره وهو لبن أخرج زبده ويبس ، وخصه ابن الأعرابي بالضأن ، وقيل : لبن مستحجر يطبخ به ، فإن أخرج زبده ولم ييبس فمخيض بقربه أو مضروب بيد ، فأنواع اللبن وما تولد منه سبعة حليب وزبد وسمن ومخيض ومضروب وجبن وأقط . الحط وصور بيع هذه الأنواع السبعة بعضها ببعض من نوعه أو خلاف نوعه تسع وأربعون صورة بتقديم الفوقية من ضرب سبعة في مثلها يتكرر منها إحدى وعشرون والباقي بعد إسقاطها ثمان وعشرون صورة ، فيجوز كل واحد بنوعه بشرط التماثل ، فهذه سبع صور ، وبيع كل واحد من الحليب والزبد والسمن والجبن والأقط بما بعده لا يجوز متماثلا ولا متفاضلا كما صرح به اللخمي لأنه من بيع الرطب باليابس فلا يتحقق تماثلهما . [ ص: 21 ] وأخذ من مفهوم كلام أبي إسحاق جواز بيع الجبن بالأقط متماثلين فهذه عشر صور ويجوز بيع مخيض بمضروب متماثلين على المعروف لاتحادهما في الحقيقة ، وأجاز في المدونة بيع الحليب بالمضروب متماثلا فيجوز بيع الحليب بالمخيض أيضا لأنهما شيء واحد في الحقيقة ، فهذه ثلاث صور ، وأجاز فيها أيضا بيع السمن بلبن أخرج زبده ، وهذا يشمل صورتين لأن الذي أخرج زبده يشمل المخيض والمضروب .

وذكر ابن عرفة عن الشيخ أبي محمد أن مالكا رضي الله تعالى عنه أجاز بيع الزبد بالمضروب فيجوز بيعه بالمخيض أيضا لاتحادهما ، فهاتان صورتان أيضا . وذكر أبو إسحاق أنه اختلف في بيع الجبن بالمضروب بالجواز والكراهة ، وعزا ابن عرفة الجواز لابن القاسم فيجوز عنده بيع الجبن بالمخيض فهاتان صورتان أيضا ، فجملة الصور المذكورة ست وعشرون صورة ، فبقي صورتان بيع أقط بمخيض أو بمضروب ، وظاهر كلام اللخمي والجزولي وابن عمر والزناتي جوازهما ، ويؤخذ مما ذكره أبو الحسن الصغير عن أبي إسحاق امتناعهما لخروج الأقط من المخيض والمضروب وهو الظاهر ( بمثلها ) أي المذكورات من قوله وحليب . ( وزيتون ولحم ) الحط كذا رأيته في نسخة بعطف الزيتون بالواو فيحسن قوله لا رطبها بضمير المؤنث العائد إلى المذكورات جميعها ، غير أنه لو أخر قوله بمثلها عن قوله وزيتون ولحم لكان أحسن . وأما على . النسخة المشهورة وهي كزيتون ولحم بجر زيتون بالكاف فلا يستقيم إلا على ما قاله غ من جعل رطبها بالرفع فاعلا لمحذوف ، والكلام من عطف الجمل وفيه تكلف ، ونص غ كزيتون ولحم ( لا رطبهما بيابسهما ) كذا هو في أكثر النسخ بتثنية الضميرين ، فلفظ رطب مجرور عطف على ما بعد الكاف وهو الجاري على اصطلاحه فيما بعد كاف التشبيه والمناسب لعبارة ابن الحاجب .

وفي بعض النسخ لا رطبها بيابسها بضمير المؤنث العائد على أكثر من اثنين فيدخل رطب الجبن بيابسه والرطب بالتمر ، وحينئذ يقلق الكلام لأنك إن عطفت [ ص: 22 ] لفظ رطبها على ما بعد الكاف لم يطابقه ، وإن عطفته على المرفوعات قبل الكاف خرج الزيتون واللحم وإليهما انصب معظم القصد ، لكن يمكن أن يجعل رطبها فاعلا بمحذوف من عطف الجمل وفيه تكلف ، فالضبط الأول أولى . ومنع الرطب باليابس مقيد بما إذا لم يكن في أحدهما أبزار وإلا فهو جنس آخر صرح به في توضيحه واللخمي في المشوي والقديد . .




الخدمات العلمية