الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 303 ] وتوضع جائحة الثمار : كالموز والمقاثئ ; وإن بيعت على الجذ ، [ ص: 304 ] وإن من عريته لا مهر [ ص: 305 ] إن بلغت ثلث المكيلة ، ولو من : كصيحاني وبرني . [ ص: 306 - 307 ] وبقيت لينتهي طيبها [ ص: 308 ] وأفردت ، أو ألحق أصلها ، لا عكسه أو معه ، ونظر ما أصيب من البطون إلى ما بقي في زمنه ، لا يوم البيع ; [ ص: 309 ] ولا يستعجل على الأصح .

التالي السابق


( وتوضع ) بضم الفوقية وفتح الضاد المعجمة أي تسقط عن المشتري من الثمن حصة ما أصابته ( جائحة ) أي مهلكة ( الثمار ) بكسر المثلثة جمع ثمرة والمراد بها هنا مطلق النابت لا المعنى المصطلح عليه ، وهو ما يجنى من أصله مع بقائه ابن عرفة الجائحة ما أتلف من معجوز عن دفعه عادة قدرا من ثمر أو نبات بعد بيعه ا هـ البناني انظر قوله بعد بيعه فإنه لا حاجة إليه لكونه ليس من حقيقة الجائحة فإن قلت : مراده تعريف الجائحة هنا ، قلت : سيأتي ما يخالفه في قول المصنف وخير العامل في المساقاة ، فإنه لا بيع فيه ، بل المساقاة فقط ومثل للثمار فقال : ( كالموز والمقاثئ ) بالمثلثة جمع مقثأة وحمل " غ " الثمار على ما يدخر كالتمر بالمثناة والعنب والتين فجعل الكاف للتشبيه قال : ونبه بالموز على ما لا يدخر وبالمقاثئ على ماله بطون إن بيعت على التبقية إلى انتهاء طيبها ، بل ( وإن بيعت ) الثمار ( على ) شرط ( الجذ ) بإعجام الذال وإهمالها أي القطع وأجيحت في مدة جذها المعتادة أو بعدها ولم يتمكن من جذها فيها لمانع ، أو شرط أن يجذها شيئا فشيئا في مدة معينة وأجيحت فيها ، فقد سأل ابن عبدوس سحنونا عن وجه وضعها مع أنه لا سقي على البائع فقال : معناه أن المشتري شرط أن يأخذها شيئا بعد شيء على قدر حاجته ، فلو دعاه البائع إلى أخذه في يومه فلا يجاب إليه ويمهل المشتري أفاده عب البناني قوله وأجيحت في مدة إلخ هذا التقييد هو الذي يدل عليه ما نقله ابن عبدوس عن سحنون ، وهو الموافق لقول المصنف ، وبقيت لينتهي طيبها لكنه خلاف ظاهر قولها توضع فيه الجائحة إن بلغت الثلث ، وقول التونسي إن كان هذا لأن له سقيا لحفظ بقائه بحاله لا لحدوث زيادة فيه فله وجه كسقي الفصيل لبقائه بحاله لا لزيادة فيه نقله ابن عرفة ، وهو يفيد أن ما اشتراه على الجذ إذا أبقاه فأجيح بعد أيام الجذاذة فيه الجائحة .

[ ص: 304 ] ولذا حمل " ح " كلام المصنف هنا على عمومه ، أي ولو أجيحت بعد مدة الجذ المعتادة وتمكن من جذها كظاهر المدونة ، وقد قال : إنه الراجح ، وعارض ما هنا بقوله بعد وبقيت لينتهي طيبها لاقتضائه أنها إذا انتهى طيبها واحتاجت إلى التأخير لبقاء رطوبتها كالعنب فلا جائحة فيها الباجي وهو مقتضى رواية أصبغ عن ابن القاسم أنه لا يراعى البقاء لحفظ النضارة قال : ومقتضى رواية سحنون أن توضع الجائحة في ذلك " ح " فكان ينبغي للمصنف أن يمشي على مقتضى رواية سحنون أن فيه الجائحة لأنها هي الجارية على مذهب المدونة فيما اشترى على الجذ ، بل النطروني أحرى والله أعلم إن كانت الثمار المشتراة من غير عريته .

بل ( وإن ) كانت ( من عريته ) أي المشتري التي اشتراها بخرصها ثم أجيحت فتوضع عن المعري بالكسر المشتري لأنها مبيعة فلها حكم المبيع ، ولا تخرجها الرخصة عن ذلك ، هذا هو المشهور ، وقال أشهب : لا قيام له بها لأن العرية معروف ومحل الخلاف إذا أعراه نخلات ثم اشترى عريته بخرصها أما إن اشتراها بعين أو عرض فجائحتها من المعرى بالفتح اتفاقا ، وأما إن أعراه أو سقاه من حائط ثم اشتراها منه فأجيح ولم يبق إلا مقدار تلك الأوسق فلا قيام للمعرى بالجائحة اتفاقا انظر ضيح والشارح بناني ( لا ) توضع جائحة ثمرة مأخوذة في ( مهر ) ثم أجيحت فلا قيام للزوجة بها عند ابن القاسم لبناء النكاح على المكارمة ، وليس بيعا حقيقة وقال ابن الماجشون : توضع جائحته ابن رشد وهو المشهور ورجحه ابن يونس واستحسنه ابن عبد السلام ، فكان ينبغي للمصنف أن يعتمد ترجيح هؤلاء الأشياخ وأن يشير إلى هذا القول بأن يقول على الأرجح والأظهر والأحسن قاله الحط البناني وفيه نظر يعلم بذكر كلام ابن رشد ونصه بعد قول العتبية قال ابن الماجشون في الذي يزوج المرأة بثمرة قد بدا صلاحها فأجيحت كلها أن مصيبتها من الزوج ، وترجع المرأة عليه بقيمة الثمرة إلخ ابن رشد .

قول ابن الماجشون هو القياس على أن الصداق ثمن للبضع ، وقد قال مالك [ ص: 305 ] رضي الله عنه " : أشبه شيء بالبيع النكاح فوجب الرجوع بالجائحة فيه ، وقوله إن الثمرة إذا أجيحت كلها ترجع المرأة على الزوج بقيمتها هو المشهور في المذهب ، ووجهه أن الثمرة لما كانت عوض البضع وهو مجهول رجعت بقيمتها ، والقياس أن ترجع عليه بصداق مثلها لأن عوض المهر البضع وهو مجهول ، وقد فات بالعقد وهو قول مالك في رواية أشهب رضي الله تعالى عنهما ، المقصود منه فأنت تراه شهر كون الرجوع بقيمة الثمرة على القول به لا بصداق المثل ، ولم يشهر أنها ترجع بالجائحة الذي هو مقابل قول ابن القاسم كما فهمه " ح " فتأمله ، ولذا لم يتعرض له ابن عرفة ونصه وفي لغوها في النكاح لبنائه على المعروف وثبوتها لأنها عوض قولا ابن القاسم وابن الماجشون وصوبه الصقلي واللخمي وشرط وضع جائحة الثمار ( إن بلغت ) الثمرة المجاحة ( ثلث ) الثمرة المبيعة ( المكيلة ) في الكيل وثلث الموزونة في الوزن وثلث المعدودة في العد إن كانت الثمرة صنفا واحدا ، ( ولو ) كانت الثمرة المجاحة من أحد صنفين مبيعين معا ( كصيحاني ) بفتح الصاد المهملة وسكون التحتية فحاء مهملة فنون مكسورة فمثناة تحتية صنف من التمر ( وبرني ) بفتح الموحدة وسكون الراء وكسر النون فتحتية صنف آخر منه وأجيح أحدهما وهو ثلث مجموعهما ، فتوضع جائحته ولا ينظر لثلث كيل المجاح وحده فيها .

وما بيع مما يطعم بطونا كالمقاثئ والورد والياسمين ومن الثمار مما لا يخرص ولا يدخر وهو مما يطعم في كرة إلا أن طيبه يتفاوت ولا يحبس أوله على ما يتفاوت ، كالتفاح والرمان والخوخ والموز و الأترج والتين فإن أجيح شيء منها نظر فإن كان ما أصابته الجائحة منه قدر ثلث الثمرة في النبات فأكثر في أول مجناه أو وسطه أو آخره حط من الثمن قدر قيمته في زمانه من قيمة باقيه كان في القيمة أقل من الثلث أو أكثر ، وإن كان المجاح أقل من ثلث الجميع في كيل أو وزن لا في القيمة فلا توضع فيه جائحة نافت قيمته على الثلث أو نقصت ثم قال : وأما ما بيع من الثمرة مما ييبس ويدخر ويترك حتى يجذ جميعه مما يخرص كالنخل والعنب أو [ ص: 306 ] كالزيتون واللوز والفستق والجوز فأصابت الجائحة قدر ثلث الثمرة فأكثر في كيل أو وزن أو عدد لا في القيمة ، وضع عن المبتاع قدر ذلك من الثمن وإن أجيح أقل من ثلث الثمرة في المقدار فلا يوضع عنه له شيء ولا تقويم في هذه الأشياء وإن كان في الحائط أصناف من الثمر برني وصيحاني وعجوة وقسم وغيرها وأجيح أحدها فإن كان قدر الثلث في الكيل من الأصناف وضع من الثمن قدر قيمته من جميعها ناف على ثلث الثمن أو نقص ، وإن اشترى أول جزة من الفصيل فأجيح ثلثها فثلث الثمن موضوع بغير قيمة .

ولو اشترى خلفته كان كالمقاثئ إن أجيح قدر ثلثه من أوله أو من خلفته على ما ذكرنا من التقويم البناني فصريح كلامها أن الجنس الواحد يعتبر ثلث جميعه اتفاقا إلا أن ابن القاسم يعتبر ثلث المكيلة وأشهب ثلث القيمة ، وإلى خلافه أشار المصنف بولو ، هكذا النقل ففي المتيطية الباجي وإن كان المبيع جنسا واحدا وأنواعه مختلفة فأصيب نوع منها فلا خلاف بين أصحابنا أن الاعتبار بثلث جميع المبيع وهل يعتبر ثلث قيمته أو ثلث الثمرة ، وروي عن أشهب أن الاعتبار بثلث القيمة وأما إن كان نوعا واحدا فهو على ضربين : أحدهما ما يحبس أوله على آخره كالتمر والعنب ، فهذا لا خلاف في المذهب أن الاعتبار في جائحته بثلث ثمرته ، وإن كان مما لا يحبس أوله على آخره كالقثاء والبطيخ والخوخ والتفاح والرمان فاعتبر ابن القاسم فيه ثلث الثمرة وأشهب ثلث القيمة . ا هـ . فخلاف أشهب فيما لا يحبس أوله على آخره ، وفي ذي الأصناف خلاف ما يوهمه قصر المصنف له على الثاني وفي الجواهر إن كان المبيع جنسا واحدا مختلف الأنواع فأصيب نوع منه فالاعتبار بثلث الجميع باتفاق الأصحاب ، ثم المعتبر في رواية محمد عن مالك وابن القاسم وعبد الملك رضي الله تعالى عنهم ثلث الثمرة ، وفي رواية عن أشهب ثلث القيمة ا هـ ومثله لابن الحاجب وابن عرفة والتوضيح وغيرهم [ ص: 307 ]

( فائدة ) ابن رشد الثلث عند مالك " رضي الله عنه " يسير إلا في الجائحة ومعاقلة المرأة الرجل وما تحمله العاقلة ، وزيد قطع ثلث ذنب الضحية واستحقاق ثلث دار ( و ) عطف على بلغت فقال : إن ( بقيت ) بضم الموحدة وكسر القاف مشددة ، أي تركت الثمرة على أصلها ( لينتهي طيبها ) الحط في التوضيح المسألة على ثلاثة أقسام : أحدها أن تكون الثمرة محتاجة إلى بقائها في أصولها ليكمل طيبها ، ولا خلاف في ثبوت الجائحة فيها قاله ابن شاس الثاني ، ما لا يحتاج إلى بقائه في أصله لتمام طيبه ولا لنضارته كالثمر اليابس والزرع فلا جائحة فيه باتفاق الثالث : أن يتناهى طيبها ، ولكن تحتاج إلى التأخير لبقاء رطوبتها كالعنب المشترى بعد بدو صلاحه ، وحكى ابن الحاجب فيه قولين الباجي مقتضى رواية أصبغ عن ابن القاسم أنه لا يراعى البقاء لحفظ النضارة ، وإنما يراعى بكمال الصلاح قال : ويجب أن يجري هذا المجرى كل ما كان هذا حكمه كالقصيل والقضب والبقول والقرط فلا توضع جائحة في شيء من ذلك ، قال : ومقتضى رواية سحنون أن توضع الجائحة من جميعه ، وحكى ابن يونس عن سحنون إذا تناهى العنب وآن قطافه لا يتركه تاركه إلا لسوق يرجوها أو لشغل يعرض له فلا جائحة فيه ابن عبد السلام هذا مخالف لما حكاه ابن الحاجب وغيره عن سحنون خليل وفي حمل كلامي سحنون على الخلاف بحث لا يخفى الحط لأن الكلام الأول في إبقائه لحفظ نضارته والثاني في بقائه لشغل مشتريه أو لسوق يرجوها والله أعلم .

فقوله وبقيت لينتهي طيبها يدل على أنه إنما توضع الجائحة في القسم الأول ، وأنه مشى في القسم الثالث على مقتضى رواية أصبغ عن ابن القاسم ويظهر أن ما ذكره المصنف هنا خلاف قوله أولا وإن بيعت على الجذ لا سيما وقد قال ابن عبد السلام عقب ذكره القولين المتقدمين : وأشار بعض الأندلسيين إلى إجزاء هذين القولين فيما بيع قبل بدو صلاحه أو بعده على أن يجذه مشتريه [ ص: 308 ] وهو ظاهر . ا هـ . ونقله في التوضيح قال فيه : ونص في المدونة على أنه لو اشترى ثمرة على الجذ ففيها الجائحة إذا بلغت الثلث كالثمار لا كالبقل . ا هـ . ثم قال الحط : والحق أن كلامه الأول مخالف للثاني ، وأن الراجح هو الأول فكان ينبغي للمصنف أن يمشي على مقتضى رواية سحنون أن فيه الجائحة لأنها هي الجارية على مذهب المدونة فيما اشترى على الجذ بل هو أحرى والله أعلم وعطف على بلغت فقال : ( و ) إن ( أفردت ) بضم الهمز وكسر الراء الثمار بالشراء دون أصلها ( أو ) اشتريت وحدها بعد بدو صلاحها كما في ابن الحاجب ثم ( ألحق ) بضم الهمز وكسر الحاء أي اشترى ( أصلها ) .

قال في التوضيح : أما لو اشتراها وحدها قبل بدو صلاحها على القطع ثم اشترى أصلها فله إبقاؤها ولا جائحة ( لا ) توضع الجائحة في ( عكسه ) أي الفرع السابق وهو شراء أصلها وحده ثم شراؤها ( أو ) شرائها ( معه ) أي أصلها في عقد واحد اتفاقا في هذه ، وعلى أحد قولين في عكسه ( ونظر ) بضم النون وكسر الظاء المعجمة أي نسب قيمة ( ما أصيب ) بضم الهمز وكسر الصاد المهملة بالجائحة ( من البطون ) لنحو المقثأة وما في حكمها مما لا يحبس أوله على آخره بيان لما ( إلى ) مجموع قيمته وقيمة ( ما بقي ) سليما من الجائحة وتعتبر قيمة كل من المصاب والسالم ( في زمنه ) هذا ضعيف والذي تجب الفتوى به اعتبار قيمة كل منهما يوم إصابة الجائحة و ( لا ) تعتبر قيمة كل منهما ( يوم البيع ) خلافا لابن أبي زمنين أفاده عب البناني قوله هذا ضعيف يفيد أنه موجود ، وكلام أبي الحسن يفيد أنه لا قائل به ، فإنه قال على قولها : فإن كان المجاح مما لم يجح قدر ثلث النبات وضع قدره وقيل : ما قيمة المجاح في زمنه ما نصه هل قوله في زمنه ظرف للتقويم وهو الظاهر ، ثم قال : فيكون الحكم أن يعتبر كل بطن في زمنه ولم يتأول هذا أحد من الشيوخ وإن كان هو الظاهر ، وإنما اختلفوا هل يراعى في التقويم يوم البيع أو يوم الجائحة وأما الاستيناء [ ص: 309 ] على القول به فإنما هو لتحقق المقدار الذي يقوم ، والتقويم يوم البيع أو يوم الجائحة على أن يقبض في أوقاته ، هذا هو ظاهر كلامهم ا هـ .

والمعنى أنه بعد انتهاء البطون ينظر كم يساوي كل بطن زمن الجائحة على أن يقبض في أوقاته ( ولا يستعجل ) بضم التحتية وفتح الجيم بتقويم السالم ( على الأصح ) عند عبد الحق من الخلاف ، بل يؤخر تقويمه حتى تنتهي البطون ليتحقق مقدار كل بطن ، ثم تعتبر قيمة كل بطن يوم الجائحة وتجمع القيم وتنسب قيمة المجاح لمجموعها ، وبمثل تلك النسبة يحط من الثمن قلت أو كثرت .




الخدمات العلمية