الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
596 - وقال القرطبي أيضا: في "الأسنى": "الأكثر من المتقدمين والمتأخرين - يعني المتكلمين - يقولون: إذا وجب تنزيه الباري - جل جلاله - عن الجهة والتحيز، فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم المتأخرين، تنزيه الباري عن الجهة، فليس لجهة فوق عندهم; لأنه يلزم من ذلك عندهم أنه متى اختص بجهة أن يكون في مكان وحيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للتحيز والتغير والحدوث، هذا قول المتكلمين".

‏ * قلت: نعم هذا ما اعتمده نفاة علو الرب - عز وجل - ، وأعرضوا عن مقتضى الكتاب والسنة وأقوال السلف وفطر الخلائق، ويلزم ما ذكروه في حق الأجسام والله تعالى لا مثل له، ولازم صرائح النصوص حق، ولكنا لا نطلق عبارة إلا بأثر، ثم نقول: لا نسلم كون الباري على عرشه فوق السماوات يلزم منه أنه في حيز وجهة; إذ ما دون العرش يقال فيه حيز وجهات، وما فوقه فليس هو كذلك.

والله فوق عرشه، كما أجمع عليه الصدر الأول ونقله عنهم الأئمة. وقالوا ذلك رادين على الجهمية، القائلين بأنه في كل مكان محتجين بقوله: ( وهو معكم ) ، فهذان القولان هما اللذان كانا في زمن التابعين [ ص: 268 ] وتابعيهم، وهما قولان معقولان في الجملة.

فأما القول الثالث المتولد أخيرا من أنه تعالى ليس في الأمكنة، ولا خارجا عنها، ولا فوق عرشه، ولا هو متصل بالخلق، ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متحيزة، ولا بائنة عن مخلوقاته، ولا في الجهات، ولا خارجا عن الجهات، ولا ولا، فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم، مع ما فيه من مخالفة الآيات والأخبار.

ففر بدينك وإياك وآراء المتكلمين، وآمن بالله وما جاء عن الله على مراد الله، وفوض أمرك إلى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

تم الكتاب والحمد لله وحده.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

وحسبنا الله ونعم الوكيل.

التالي السابق


الخدمات العلمية