الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال أبو عبد الله : زعم بعض المرجئة أنا إذا قلنا : إن الإيمان اسم لجميع الطاعات ، لزمنا أن نكفر العاصي عند أول معصية يفعلها ، لأنه إذا كان إنما يسمى إيمانا لاجتماع معاني ، فمتى ما نقص من تلك المعاني مثقال خردلة زال عنه الاسم ، وضربوا لذلك مثلا ، فقالوا : ومثل ذلك مثل قول القائل عشرة دراهم ، فإذا نقص [ ص: 703 ] دانق ، لم تسم عشرة إلا على النقصان ، فإن نقص درهم لم تسم عشرة أبدا .

فقيل لهم : إنكم ضربتم المثل على غير أصل ، وقد غلطتم علينا ، ولم تفهموا معنانا ، وذلك أنا نقول : إن الإيمان أصل ، من نقص منه مثال ذرة زال عنه اسم الإيمان ، ومن لم ينقص منه لم يزل عنه اسم الإيمان ، ولكنه يزداد بعده إيمانا إلى إيمانه ، فإن نقصت الزيادة التي بعد الأصل لم ينقص الأصل الذي هو إقرار بأن الله حق ، وما قاله صدق ، لأن النقص من ذلك شك في الله ، أحق هو أم لا ، وفي قوله : أصدق هو أم كذب ؟ ونقص من فروعه ، وذلك كنخلة قائمة ذات أغصان ، وورق ، فكلما قطع منها غصن لم يزل عنها اسم الشجرة ، وكانت دون ما كانت عليه من الكمال من غير أن ينقلب اسمها ، إلا أنها شجرة ناقصة من أغصانها ، وغيرها من النخل من أشكالها أكمل منها لتمامها بسعفها ، وقد قال الله عز وجل : ( مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ) الآية . فجعلها مثلا لكلمة الإيمان ، وجعل لها أصلا ، وفرعا ، وثمرا تؤتيه ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن معنى هذا المثل من الله عز وجل ، فوقعوا في شجر البوادي ، قال ابن عمر : [ ص: 704 ] فوقع في نفسي أنها النخلة ، فاستحييت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هي النخلة " .

التالي السابق


الخدمات العلمية