الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال أبو عبد الله : وحكي عن بعض الأكابر من أستاذي المرجئة : النعمان بن ثابت وغيره ، أنهم قالوا : المعرفة ، والإقرار باللسان كالدابة البلقاء لا يسمى بلقاء حتى يجتمع فيها اللونان : السواد ، والبياض ، فإذا انفرد أحدهما لم يسم الدابة بلقاء ، ولا يسمى كل واحد من اللونين على الانفراد بلقاء ، فإذا اجتمعا في الدابة ، سميا بلقاء ، فكذلك المعرفة ، والإقرار إذا انفرد كل واحد منهما لم يسميا إيمانا ، ولا يسمى الإنسان به مؤمنا .

فإذا اجتمعا سميا إيمانا ، ويسمى المؤمن باجتماعهما مؤمنا .

قالوا : وذلك أيضا كالنورة ، والزرنيخ لا يتحلق كل واحد منهما على الانفراد ، فإذا اجتمعا حلقا .

فيقال لهم : إن هذين المثلين اللذين ضربتموهما ، هما عليكم ، لا لكم ، لأن الدابة إذا انفردت بأحد اللونين ، لم تسم بلقاء أبدا ، ولا يسمى اللون بلقاء على حال من الأحوال ما لم يجتمعا في الدابة ، وأنتم قد تسمون المؤمن مؤمنا إذا اعتقد المعرفة ، والإيمان بالقلب ، وإن لم يقر بلسانه ، إذا كان أخرس ، أو حيل بينه وبين الكلام ، ويسمون ذلك الفعل منه إيمانا . [ ص: 799 ]

وكذلك لو أقر بلسانه مرة ، ثم سكت عن الكلام ، فلم يتكلم أبدا ، لكان عندكم مؤمنا ، ولو أن الدابة البلقاء زال عنها البياض ، وبقي السواد ، وبقي البياض ، لزال عنها اسم البلق ، فلم يسم بلقاء أبدا ، ولم يسم اللون الواحد إذا بقي بلقاء أبدا .

وكذلك المؤمن المولود على الإيمان ، الناشئ عليه ، المعتقد للمعرفة ، والتصديق بالقلب ، هو مؤمن عندكم ، وإن لم يتكلم بلسانه أبدا ، ولو أن الدابة نتجت ، ولونها كلها بياض ، لا سواد فيه ، أو سواد لا بياض فيه ، لم يسم بلقاء أبدا .

فقد بطل أن يكون الدابة مثلا للمؤمن ، والبلق مثلا للإيمان إذا افترق معناهما ، ولأن المعرفة والإقرار فعلان يزول أحدهما ، ويثبت الآخر ، وفعل القلب يسمى تصديقا في اللغة ، إذا كان الفاعل له معتقدا للمعرفة ، والاعتراف بالقلب خاضعا مذعنا ، وإن لم يتكلم بلسانه ، ويكون ذلك الفعل منه إيمانا ، ولو أقر بلسانه إيماء ، ولم يعلم ما في قلبه يسمى مؤمنا ، ويسمى ذلك الإقرار منه إيمانا ، وحكم له بحكم الإيمان ، وجرى على فاعله اسم المؤمن ، وأحكامه ، فكان مؤمنا في الاسم ، والحكم معا ، والدابة إذا ظهر فيها أحد اللونين ، [ ص: 800 ] ولم يظهر الآخر ، لم يسم بلقاء ، ولم يسم ذلك اللون المنفرد بلقاء أبدا ، فقد افترق معنى الإيمان ، واسمه من معنى البلق في الدابة ، واسمه ، وفارق المؤمن الدابة البلقاء في الاسم والمعنى جميعا ، فبطل أن يكون أحدهما مثل الآخر .

وأما ضربكم المثل بالنورة ، والزرنيخ ، فذلك أبعد في المثل ، وليس يخلو ضربكم المثل بهما من أن تكونوا مثلتم النورة ، والزرنيخ بالإيمان ، أو بالمؤمن ، فإن كان بالمؤمن ، فينبغي أن يكون المؤمن جسمين يجتمعان ، فيكون منهما الإيمان كالنورة والزرنيخ ، يكون منهما الحلق ، وهذا محال من الكلام .

وإن تكونوا مثلتموهما بالإيمان ، وكل واحد منهما غير جنس صاحبه ، ولا جوهره ، فإذا اجتمعا ، وهما جنسان مختلفان ، كان منهما الحلق ، فإن يكن الحلق مثلا للإيمان ، فالإيمان إذا معنى متولد عن الإقرار ، والمعرفة ، وليس الإقرار ، والمعرفة بإيمان ، كما أن الحلق ليس بزرنيخ ، ولا نورة .

وإن تكونوا مثلتموهما على الإيمان لأن الحلق يتولد عنهما كالطاعة يتولد عن المعرفة ، والإقرار ، فقد جعلتم [ ص: 801 ] اثنين مختلفين في أعيانهما ، كل واحد منهما غير الآخر ، يسمى كل واحد منهما باسم غير اسم الآخر ، وما تولد منهما غيرهما ، فالإيمان إذا اثنان يوجبان الطاعة على قياس قولكم .

فإن قلتم : إنما أردنا أن كل واحد منهما لا يسمى حالقا ، حتى يجتمعا ، فكذلك الإقرار ، والمعرفة ، لا يسمى كل واحد منهما إيمانا ، حتى يجتمعا .

قيل لهم : إن الحلق فعل متولد عنهما ، سميا به حالقان ، لا لأعيانهما حين اجتمعا ، وأنتم تسمون الإقرار ، والمعرفة إيمانا في أنفسهما ، وإن لم يتولد عنهما طاعة .

فإن قالوا : إنهما إذا اجتمعا كان الحلق من فعلهما ، وإن لم يحلقا ، فالاسم لهما ثابت ، فكذلك الإقرار والمعرفة .

قيل لهم : إنهما لا يحلقان ، ولا يكون لهما الاسم ثابتا ، حتى يجتمعا مع الماء ، وهو جسم ثالث ، فكذلك الإقرار ، والمعرفة لا يسميان إيمانا ، حتى يجتمع معهما جسم ثالث .

التالي السابق


الخدمات العلمية