الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
798 - كما روي عن الحسن ، وذكر هذه الآيات : ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ) .

قال : إن المؤمنين لما جاءتهم هذه الدعوة من الله صدقوا بها ، فوصل نفعها إلى قلوبهم ، فخشعت لذلك قلوبهم ، وأسماعهم ، وأبصارهم ، فكنت إذا رأيتهم [ ص: 761 ] رأيت قوما كأنما يرون ما يوعدون رأي المتقين .

أفلا ترى النبي صلى الله عليه وسلم ، والعلماء من بعده يدلون على أن التصديق يتفاوت في شدة اليقين ، والبصائر ، وذلك دليل على تحقيق المثل الذي ضربنا .

فإن قال قائل منهم : فلم لا يسمى النظر جزءا من الناظر ، والاستماع جزءا من السمع ، والحمل جزءا من القوى ؟ !قيل لهم : إنما ضربنا لك مثلا لتصديق الذي يكون عند الأعمال ، فلا يختلف أهل اللغة أن النظر من البصر ، والطاقة من القوى ، والاستماع من السمع ، فكذلك هذه الأخلاق من التصديق ، وكلها تضاف إلى الإيمان في الاسم .

فإن قالوا : فليس الاستماع في عينه غير السمع ، والنظر غير البصر ، لأن البصر ، والسمع فعل الله ، والاستماع والنظر فعل العبد .

قيل لهم : هو كذلك ، إلا أن الشيء يكون من الشيء على جهتين ، وإن كانا غيرين ، فأحدهما لا يوجب [ ص: 762 ] الآخر ، جائز أن يكون ، ولا يكون الآخر ، هل الكلام إلا من اللسان ؟ وجائز أن يكون اللسان ، ولا يكون الكلام ، فأما البصر الصحيح إذا لاقته الأشخاص ، فلا جائز إلا أن يوجب نظر استبانة ، وكذلك الأسماع إذا ظهرت لها الأصوات ، فلا جائز إلا أن توجب دركا للأصوات ، كالنار إذا لاقت الماء ، فلا جائز إلا أن توجب تسخينا ، وكذلك الثلج إذا لاقى الأشياء القابلة للبرد ، فلا جائز إلا أن يوجب تبريدا .

فإن قالوا : قد نرى من النار اليسير الذي لا يوجب مثله التسخين ، ولا الإحراق ، وكذلك الثلج .

قيل لهم : إنه وإن قل كل جزء منها ، فإنه في نفسه مبرد ، ومسخن ، لأنه إذا ضم إلى الآخر الذي من جنسه سخن ، أو أحرق ، أو برد ، فليس منها جزء أوجب التسخين ، والتبريد دون الجزء الآخر ، والذي انفرد لم يكن منه تسخين ، ولا تبريد ، فإذا ضم إلى الأجزاء المسخنة ، والمبردة أخذ بقسطه من التسخين ، أو التبريد ، وكلها موجبة للتسخين ، أو التبريد ، ليس منها جزء موجبا لذلك دون الآخر .

فإن قالوا : أليس إذا انفرد أقل أجزائها على حال ، لم يكن تسخين ، ولا إحراق ، ولا تبريد ؟ ! [ ص: 763 ] قلنا : وإن لم توجب ، فإن فيه التسخين ، والإحراق ، والتبريد .

وكذلك أقل قليل الإيمان ، لا يوجب الخوف المزعج على ترك ما كره الله ، ولا الرجاء المزعج على العمل بما أحب الله ، فإذا انضمت إليه أجزاء من جنسه ، أوجب الخوف المزعج عن كل ما كره الله ، لا يقدر صاحبه على غير ذلك ، ولا يتمالك .

فكذلك الرجاء ، والحب ، والهيبة ، والتعظيم ، والإجلال لله ، والتوكل عليه .

فإن قالوا : فقد وجدنا أقل قليل الإيمان ، إن زايله أقل قليل الخوف ، والرجاء ، والحب لله ، كان كافرا ، ولم يكن مؤمنا ، لأن من لم يحب لله ، فهو كافر ، ومن لا يهابه ، فهو كافر ، لأنه عرف ربه ، واعترف به ، أوجبت معرفته حبه ، وهيبته ، ورجاءه وخوفه .

والدليل على ذلك أنه لو أعطي الدنيا كلها على أن تكفر به ، أو تكذب عليه ، ما فعل ، وإن أتى بكل العصيان ، فدل ذلك على أنه لولا أنه محب ما آثره على كل محبوب من الدنيا ، وكذلك تهابه أن يطلع عليه معتقدا للكفر ، يقبله ، أو قائل عليه بلسانه ، ومن لم يهب غيره من الخلق ، فقد استخف به ، ومن لم يجله ، فقد صغر [ ص: 764 ] قدره ، فكذلك الخالق ، من لم يهبه ، ولم يجله ، ولم يعرفه .

وكذلك أقل أجزاء النار ، أو الثلج ، قد توجب الحرق ، والتسخين ، لا محالة ، ولو لم يوجبه لكانت النار متقلبة عن شبح النارية ، وكان الثلج متقلبا عن شبح الثلجية .

فإن قالوا : فلسنا نرى ذلك ، ولا نعرفه .

قيل : إنما منعكم من ذلك قلة معرفتكم بالأشياء ، كيف صنعها الله عز وجل ، ونحن نريكم ، ذلك إنما امتنع الأبصار أن ترى ذلك ، أن القليل من النار إذا لاقى جزءا من الحطب أقوى منه ، لم تحرقه ، وغلبه الجزء من الحطب ، فأطفأه ، وإذا لاقى جزءا أضعف منه أحرقه ، أو سخنه .

ومن ذلك أن الشرارة الضعيفة إذا لاقت الحرير أحرقته ، وإذا لاقت ما فوقه من الأشياء ، لم تعمل فيه ، وقهرها بقوة طبعه .

وكذلك الثلج لو ألقيت منه حبة في ماء جار ما وجدت له تبريدا ، ولو ألقيت تلك الحبة على حدقة الإنسان ، أو على لسانه لأحس تبريدها .

ففي هذا دليل على أن طبعها فيها قائم أبدا ، وكذلك [ ص: 765 ] كل موجب لشيء لا محالة ، فهو منه ، وإن كان غيره على التجزئة ، فإنه مضاف إليه ، لا يمتنع أحد من ذلك أن يضيفه إليه .

فكذلك التصديق يضاف إليه ما هو موجبه لا محالة ، وأنتم تقولون ذلك في غير موضع اضطرارا ، لأنكم نوعان : نوع منكم ، وهم جمهوركم ، وعامتكم يقولون : إن المعرفة لا يكون في عينها إيمانا ، يمنعكم من ذلك شهادة الله تبارك وتعالى على قلوب من سمي بالكفر أنها عالمة ، مؤقنة ، فزعمتم أن المعرفة ليست في عينها إيمانا ، حتى يكون معه الإقرار .

وقالت فرقة : لا تكون المعرفة إيمانا حتى يكون معه الخضوع .

وقالت فرقة : لا تكون المعرفة إيمانا ، حتى يكون معها الخضوع ، والإقرار .

ثم زعم من قال منكم بهذه المقالة على تعرفكم أن الخضوع إيمان مع المعرفة ، والإقرار كذلك ، والتصديق كذلك ، وليست المعرفة هي الخضوع ، ولا الإقرار ، ولا التصديق ، ولكن معرفة أوجبت ذلك كله .

فهل تجدون بين ما قلتم ، وبين ما قال مخالفوكم فرقانا [ ص: 766 ] إذ سموا إيمانا ما أوجبه التصديق ، وسميتم إيمانا ما أوجبته المعرفة ؟ ! بل هم قد ادعوا الصدق ، وذلك أنهم إنما جعلوا الأعمال إيمانا من المعرفة القوية ، والتصديق القوي يوجبه العمل لا محالة ، لأن المعرفة عندهم التصديق يتفاوت ، وما ادعيتم من المعرفة ، لا يوجب التصديق ، والخضوع لا محالة ، لأنكم تزعمون أن المعرفة لا يتفاوت ، وقد شهد الله ، وأقررتم بذلك أن المعرفة في قلوب الكفار ، فلو كانت توجب الخضوع ، والتصديق ، والإقرار ، ما جامعت الكفر أبدا ، لأن الخضوع ، والإقرار ، والتصديق في قولنا ، وقولكم إيمان ، وهو ضد الكفر ، فلو كانت توجب ذلك ما قارنها الكفر أبدا ، فلما وجدنا عارفا كافرا ، وعارفا مؤمنا عندنا ، وعندكم ، استحال أن توجب المعرفة الإيمان ، إذا كانت لا تتفاوت ، ولا جائز أن توجب خضوعا ، ولا إقرارا أبدا ، إن كانت لا تتفاوت ، فقد زعمتم أن أصل الإيمان المعرفة ، فإذا كان معها الخشوع ، والتصديق ، والإقرار ، كان جميع ذلك إيمانا ، فقد ضممتم إلى المعرفة ما ليس جزءا منها ، ولا هي موجبة له ، فدعوى مخالفيكم في إضافتهم أصدق ، وأبين ، لأن المعرفة عندهم يتفاوت لها أول ، وأعلى ، وكذلك التصديق له أول ، وأعلى ، فإذا [ ص: 767 ] عظمت المعرفة ، أوجبت العمل لا محالة ، فجعلوا من الإيمان ، وأضافوا إليه ما أوجبه عظيم المعرفة ، والتصديق ، فقد وافقتموهم على مثل ما خالفتموهم ، ويصدق دعواكم ، ولم تقودوا قولكم .

وأعجب من ذلك أن المعرفة عندكم إذا انفردت ليست بإيمان ، فإذا جامعها الخضوع ، والإقرار ، والتصديق صارت المعرفة إيمانا ، فكانت في عينها وحدها ، لا إيمان ، فلما ضم إليها غيرها ، انقلبت ، فصارت إيمانا ؟ !وقال مخالفوكم : الإيمان أصل إذا ضم إليه ، ازداد به ، ولا يتقلب .

وأعجب من ذلك إضافتكم إلى التصديق بالقلب ، القول الذي ليس من المعرفة في شيء ، لأن القول أجزاء مؤلفة في صوت عن حركة لسان ، والمعرفة عقد بضمير القلب ليست بصوت ، ولا حروف ، ولا حركة ، فأضفتم إلى المعرفة ما ليس فيها ، ولا يشبهها ، ولا هي موجبة له ، إلا أن بعضهم يزعم أن التصديق يوجب القول ، وهو ، وإن أوجبه ، فليس القول من تصديق القلب في شيء ، إذ القول حروف مؤلفة في صوت عن حركة ، وليس التصديق بالقلب كذلك ، فأضفتم إليه ما ليس منه ، ولا يشبهه .

ثم زعمتم أنه لا يكون مؤمنا إلا به ، فهذا أعجب من [ ص: 768 ] قول مخالفيكم ، فقد قايسناكم على اللغة ، والمعقول ، فتبين دحض حجتكم ، وبطلان دعواكم ، وأولى بالحق اتباعه ، من أراد الله وخافه .

التالي السابق


الخدمات العلمية