الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال أبو عبد الله : ويقال لهم : وكذلك يجوز لمخالفيكم أيضا أن يضربوا مثلا لقولهم : إن الإيمان اسم [ ص: 802 ] لطاعات كثيرة ، فيقولون : مثل ذلك كمثل بعض الأدوية للمشي وغيره ، أنه لا يمشي ، ولا يطلق البطن حتى يجتمع فيه أخلاط شتى ، فيسمى ممشيا ، فهل تجدون بينكم وبينهم فرقانا فيما مثلوا ، ومثلتم ؟ ويقال لهم : أخبرونا بحق المعرفة ، والإقرار ، إذا أتى بهما في أول الوقت أليس يكون يسمى مؤمنا ؟ !

فإن قالوا : نعم ، قيل لهم : فهل يجزئه أن يأتي بالإيمان في أول الوقت ، ثم يتركه في الثاني ؟ !

فإن قالوا : لا ، حتى يدوم عليه إلى أن يتوب .

قيل لهم : فإن عرضت به العوارض المشككة عن عوارض الشيطان ، أو حجاج أهل الضلالة ، هل عليه أن يدفع ذلك ، ويحبس نفسه على إيمانه ، ولا يدع قلبه يركن إلى زينة غرور ، من حجة عدو ، ولا تزيين الشيطان ، ويصبر على إيمانه ؟

فإن قالوا : نعم ، قيل لهم : فلو ترك الصبر على إيمانه ، أليس كان كافرا ؟

فإن قالوا : نعم : قيل لهم : فقد ثبت أنه بالصبر على إيمانه يكون مؤمنا ، كما لا يثبت الإيمان إلا به ، فهو من الإيمان ، لأن الإيمان إنما يقوم بنفسه ، لا بغيره . [ ص: 803 ]

فإن قالوا : قد يقوم بالمؤمن ، وهو غيره .

قيل لهم : لم نسألكم عن قيام فعل بفاعل ، إنما سألناكم عن فعل لا يكون الإيمان إلا به ، فهو من الإيمان ، كما أن الصلاة لا يكون إلا بالصبر فيها ، عن الخروج منها إلى غيرها ، والصبر هو إمساك الجوارح عن الخروج منها إلى غيرها من الكلام ، والأكل ، والشرب ، فذلك من صلواته ، لا اختلاف بين العلماء أن إقباله ، وتركه الإدبار عن القبلة ، وصمته عن الكلام من صلاته ، ولو لم يصبر عن ذلك كان خارجا من الصلاة .

فكذلك الصابر عن إيمانه أن يزول عنه فيعتقد سواه ، أو يتكلم بغيره ، وإن كان عارفا بربه ، فصبره على ذلك من إيمانه ، لا فرقان بين ذلك .

فإذا كان الصبر على الإيمان من الإيمان ، فكذلك كل صبر هو لله طاعة ، فهو إيمان ، لأنه لو جاز أن يكون صبر إيمانا ، وصبر لا إيمان ، جاز أن يكون تصديق إيمانا ، وتصديق لا إيمان ، لأن الشيء إذا وجب لاسم ، فهو واجب أبدا ما كان الاسم ، يثبت بثبوته ، ويزول بزواله .

فالصبر له أصل وفرع ، فأصل الصبر على إمساك الإيمان ، وضده تركه ، ويقع بدله الكفر ، والفرع على معنيين : فمعنى منه الصبر على أداء [ ص: 804 ] المفروض ، وتركه معصية ، ولا يلزمه بعض ، وكذلك اليقين ، والحب ، والرجاء ، والخوف ، والرضا ، والتوكل ، فالجواب فيه على ما وصفنا .

التالي السابق


الخدمات العلمية