الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال أبو عبد الله : فاعترض معترض ممن ينتحل الشافعي بمناقضة الشافعي في هذا الباب ، فقال : المرتد في حال ردته لو صلى لكانت صلاته غير جائزة ، وإذا كانت الصلاة في وقت الردة غير جائزة ، فغير جائز أن تجب عليه إعادتها في الوقت الثاني بعد إسلامه .

فعارض هذا معارض ، يحتج للشافعي رضي الله عنه ، وقال : لا حجة لك فيما ذكرت ، لأنه ليس كل من كان لو صلى في وقت ، لم يجزه صلاته ، لا يجب عليه قضاؤها ، إذا هو تركها في ذلك الوقت .

من ذلك أن جنبا لو صلى ، وهو جنب قبل أن يتطهر ، لم يجزه صلاته ، ولو تركها ، فلم يصلها ، حتى ذهب الوقت ساهيا ، أو عامدا ، ثم اعتقل ، لوجب عليه قضاؤها .

وكذلك المحدث الذي لم يتوضأ ، وكذلك المرتد في حال ردته ، لا يجزئه صلاته ، حتى يسلم ، ثم يصلي كما كان الجنب ، وغير المتوضئ ، لا يجزئه صلاته في حال حدثه حتى يتطهر ، ثم يصلي .

فإن قال : إن الفرض على الجنب أن يتطهر ، ويصلي .

قيل : وكذلك المرتد ، الفرض عليه أن يسلم ، ويصلي ، وإن صلى قبل أن يسلم لم تجزه صلاته ، كما أن الجنب [ ص: 984 ] إن صلى قبل أن يغتسل لم تجزه صلاته .

ثم قال : الدليل على أن الصلاة لا تجب إعادتها على المرتد إذا أسلم أن المرتد في حال ردته كافر ، وعلى الكافر أن يسلم ، ثم يصلي ، وإذا صلى في حال كفره لم تجزه صلاته .

قال أبو عبد الله : وهذا كلام مكرر ، قد مر بعضه فيما مضى ، وهو أن على الجنب أن يغتسل ، ثم يصلي ، كما كان على الكافر أن يسلم ، ثم يصلي .

ثم قال : وقد أسلم ، من أسلم من أهل الكفر ، فلم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة صلاة سلفت ، قال : فكذلك المرتد لا يجب عليه ذلك ، فجعل المرتد قياسا على الكافر الذي لم يسلم قط ، وهو يزعم أن القياس باطل ، لا يجوز العمل به ، وفي اقتياسه المرتد على الذي لم يسلم قط ، ترك لأصله ، وخروج من مذهبه .

وزعم أن الصلاة في حال الردة غير واجبة ، فغير واجب أن تعاد بعد الإسلام .

فقوله : إن الصلاة غير واجبة على المرتد خلاف ما دل عليه كتاب الله عز وجل ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وخروج من المعقول ، والنظر . [ ص: 985 ]

ويلزمه أن يكون الرجل إذا ترك الصلاة ، وسائر الفرائض جاحدا لها مستكبرا عنها ، وهو يعلم أنها حق من عند الله تعالى ، وأصر على ذلك إلى أن مات ، لا يكون عاصيا لله تعالى في تركه الفرائض على هذا الوجه ، ولا ملوما ، ولا مذموما ، ولا معاقبا على ذلك ، بل يلزمه أن يزعم أن ذلك مباح له ، إذ كان غير واجب عليه .

فإن زعم أنه أول ما يترك الصلاة جاحدا لها ، كافر عاص ، ثم إذا كرر الجحود بها ، والترك لها لم يكن عاصيا .

قيل له : وكيف صار الترك الأول ، والجحود معصية ، والثاني لا معصية ، وهو مثل الأول ، سواء ترك كترك ، وجحود كجحود ، والنهي قائم عنهما جميعا ، وهو في جميع أحواله عالم بأن الصلاة ، وجميع الفرائض من عند الله تعالى ، قد أنزلها الله تعالى في كتابه ، وجاء بها رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإنه متعمد للكذب على الله تعالى عنادا ، وتكبرا عن قبول الحق ، والخضوع له .

من زعم أن هذا غير عاص لله تعالى في تركه الفرائض تكبرا ، وعنودا ، وجحودا ، خشيت أن يكون منسلخا من الإسلام . [ ص: 986 ]

ولعل هذا دين عارض الشافعي رضي الله عنه بهذه العارضة ، يوهم أن الشافعي رضي الله عنه كان لا يوجب الفرائض على الكفار ، ولا يلزمهم المعصية في تركها ، والعقوبة في تضييعها ، وليس هذا من مذهب الشافعي ، بل مذهبه أن الفرائض من الصلاة ، والصيام ، وغيرهما لازمة لجميع الكفار ، وجميع ما حرم الله تعالى على المؤمنين ، حرام عليهم ، وهم معاقبون على تركهم الفرائض ، وجحودهم إياها معذبون على استحلالهم ما حرم الله تعالى من الزنا ، وقتل النفس التي حرم الله ، وشرب الخمر ، والدم ، وأكل الميتة ، والربا ، وغير ذلك مما حرم الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية