الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

واعلم أن مذهبهم ظاهره الرفض ، وباطنه الكفر ، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم ، وعزل العقول أن تكون مدركة للحق ، لما يعترضها من الشبهات ، [ ص: 295 ] والمعصوم يطلع من جهة الله تعالى على جميع أسرار الشرائع ، ولا بد في كل زمان من إمام معصوم يرجع إليه . هذا مبدأ دعوتهم .

ثم يبين أن غاية مقصدهم نقض الشرائع ، لأن سبيل دعوتهم ليس متعينا في واحد ، بل يخاطبون كل فريق بما يوافق رأيه ، لأن غرضهم الاستتباع . وقد ثبت عنهم أنهم يقولون بإلهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان ، إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني ، واسم العلة السابق ، واسم المعلول التالي ، وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي ، لا بنفسه ، وقد يسمون الأول عقلا ، والثاني نفسا ، والأول تاما ، والثاني ناقصا ، والأول لا يوصف بوجود ، ولا عدم ، ولا موصوف ، ولا غير موصوف . فهم يومئون إلى النفي ، لأنهم لو قالوا معدوم ما قبل منهم ، وقد سموا هذا النفي تنزيها .

ومذهبهم في النبوات قريب من مذهب الفلاسفة ، وهو أن النبي عبارة عن شخص فاضت عليه من العقل السابق بواسطة الثاني قوة قدسية صافية ، وأن جبريل عبارة عن العقل الفائض عليه ، لا أنه شخص ، وأن القرآن هو تعبير محمد عن المعارف التي فاضت عليه من العقل ، فسمي كلام الله مجازا ، لأنه مركب من جهته ، وهذه القوة الفائضة على النبي ، لا تفيض عليه في أول أمره ، وإنما تتربى كنطفة .

واتفقوا على أنه لا بد في كل عصر من أمام معصوم قائم بالحق ، يرجع إليه في تأويل الظواهر ، وحل الإشكال في القرآن والأخبار ، وأنه يساوي النبي في العصمة ، ولا يتصور في زمان واحد إمامان ، بل يستظهر الإمام بالدعاة ، وهم الحجج ، ولا بد للإمام من اثني عشر حجة ، أربعة منهم لا يفارقونه .

وكلهم أنكر القيامة ، وقالوا : هذا النظام وتعاقب الليل والنهار ، وتولد الحيوانات لا ينقضي أبدا ، وأولوا القيامة بأنها رمز إلى خروج الإمام ، ولم يثبتوا الحشر ولا النشر ، [ ص: 296 ] ولا الجنة ولا النار ، ومعنى المعاد عندهم عود كل شيء إلى أصله ، قالوا : فجسم الآدمي يبلى ، والروح إن صفت بمجانبة الهوى ، والمواظبة على العبادات ، وغذيت بالعلم سعدت بالعود إلى وطنها الأصلي ، وكمالها بموتها ، إذ به خلاصها من ضيق الجسد .

وأما النفوس المنكوسة المغموسة في عالم الطبيعة المعرضة عن طلب رشدها من الأئمة المعصومين ، فإنها أبدا في النار على معنى أنها تتناسخ في الأبدان الجسمانية ، وكلما فارقت جسدا تلقاها آخر ، واستدلوا بقوله تعالى : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها وأكثر مذاهبهم يوافق الثنوية والفلاسفة في الباطن ، والروافض في الظاهر ، وغرضهم بهذه التأويلات انتزاع المعتقدات الظاهرة ، من نفوس الناس ، حتى تبطل الرغبة والرهبة .

ثم إنهم يعتقدون استباحة المحظورات ، ورفع الحجر ، ولو ذكر لهم هذا لأنكروه ، وقالوا : لا بد من الانقياد للشرع على ما يفعله الإمام ، فإذا أحاطوا بحقائق الأمور انحلت عنهم القيود والتكاليف العملية إذ المقصود عندهم من أعمال الجوارح تنبيه القلب ، وإنما تكليف الجوارح للخمر الذين لا يراضون إلا بالسياقة . وغرضهم هدم قوانين الشرع .

قالوا : وكل ما ذكر من التكاليف فرموز إلى باطن ، فمعنى الجنابة مبادرة المستجيب بإنشاء سر إليه ، قبل أن ينال رتبة الاستحقاق لذلك ، ومعنى الغسل تجديد [ ص: 297 ] العهد على من فعل ذلك . والزنا : إلقاء نطفة العلم [ الباطن ] إلى نفس من لم يسبق معه عقد العهد ، والاحتلام أن يسبق الإنسان إلى إفشاء السر في غير محله ، والصيام : الإمساك عن كشف السر .

والمحرمات عبارة عن ذوى السر ، والبعث عندهم الاهتداء إلى مذاهبهم . ويقولون للذكر مثل حظ الأنثيين الذكر الإمام ، والحجة الأنثى . وقالوا : يوم يأتي تأويله أي يظهر محمد بن إسماعيل .

التالي السابق


الخدمات العلمية