الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 398 ] ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائتين

فمن الحوادث فيها : ورود الخبر في ربيع الآخر أن المعتضد وصل إلى آمد ، فأناخ بجنده عليها ، وحاصرها ، ونصب المجانيق [ عليها ] واقتتلوا ، فبعث رئيسها يطلب الأمان فأمنه ، فخرج إليه [ فخلع عليه ] ، ووصل رسول من هارون بن خمارويه إلى المعتضد وهو بآمد يخبره أنه قد بذل أنه إن سلمت إليه أعمال قنسرين والعواصم حمل إلى بيت المال في كل سنة أربعمائة ألف دينار [ وخمسين ألف دينار ] وأنه يسأل أن يجدد له ولاية مصر والشام ، فأجيب إلى ذلك ، فأقام المعتضد بآمد بقية جمادى الأولى وعشرين يوما من جمادى الآخرة ، ثم ارتحل عنها ، وأمر بهدم سورها ، فهدم بعضه ولم يقدر على هدم الباقي .

فقال ابن المعتز يهنئه بفتح آمد :


اسلم أمير المؤمنين ودم في غبطة وليهنك النصر     فلرب حادثة نهضت لها
متقدما فتأخر الدهر [ ص: 399 ]     ليث فرائسه الليوث فما
يبيض من دمها له ظفر

وحكى أبو بكر الصولي : أنه كان مع المعتضد أعرابي فصيح يقال له شعلة بن شهاب اليشكري ، وكان يأنس به ، فأرسله إلى محمد بن عيسى بن شيخ ليرغبه في الطاعة ويحذره العصيان ، قال : فصرت إليه فخاطبته فلم يجبني ، فوجهت إلى عمته فصرت إليها ، فقالت : يا أبا [ شهاب ] كيف خلفت أمير المؤمنين؟ فقلت : خلفته أمارا بالمعروف فعالا للخير .

فقالت : أهل ذلك ومستحقه ، وكيف لا يكون كذلك وهو ظل الله [ تعالى ] الممدود على بلاده ، [ وخليفته المؤتمن على عباده ] ، فكيف رأيت صاحبنا؟ قلت : رأيت غلاما حدثا معجبا قد استحوذ عليه السفهاء واستبد بآرائهم يزخرفون له الكذب ، فقالت : هل لك أن ترجع إليه بكتابي قبل لقاء أمير المؤمنين؟ قلت : أفعل . فكتبت إليه كتابا لطيفا أجزلت فيه الموعظة ، وكتبت في آخره :


اقبل نصيحة أم قلبها وجل     خوفا [عليك] وإشفاقا وقل سددا
واستعمل الفكر في قولي فإنك إن     فكرت ألفيت في قولي لك الرشدا
ولا تثق برجال في قلوبهم     ضغائن تبعث الشنآن والحسدا
[ ص: 400 ] مثل النعاج خمولا في بيوتهم     حتى إذا آمنوا ألفيتهم أسدا
وداو داءك والأدواء ممكنة     وإذ طبيبك قد ألقى عليك يدا
وأعط الخليفة ما يرضيه منك ولا     تمنعه مالا ولا أهلا ولا ولدا
واردد أخا يشكر ردا يكون له     ردا من السوء لا تشمت به أحدا

قال : فأخذت الكتاب وصرت إليه ، فلما نظر فيه رمى به إلي ، ثم قال : يا أخا بني يشكر ، ما بآراء النساء تتم الدول ، ولا بعقولهن يساس الملك ، ارجع إلى صاحبك .

فرجعت إلى المعتضد فأخبرته الخبر ، فأخذ الكتاب فقرأه فأعجبه شعرها وعقلها ، ثم قال : إني لأرجو أن أشفعها في كثير من القوم .

فلما كان من فتح آمد ما كان أرسل إلي المعتضد فقال : هل عندك علم من تلك المرأة؟ قلت : لا ! قال : فامض مع هذا الخادم فإنك ستجدها في جملة نسائها ، فمضيت فلما بصرت بي من بعد أسفرت عن وجهها ، وجعلت تقول :


أريب الزمان وصرفه     وعناده كشف القناعا
وأذل بعد العز منا     الصعب والبطل الشجاعا
ولكم نصحت فما أطعت     وكم حرصت بأن أطاعا
فأبى بنا المقدور إلا     أن نقسم أو نباعا
يا ليت شعري هل نرى     من بعد فرقتنا اجتماعا

ثم بكت حتى علا صوتها ، وضربت بيدها على الأخرى ، وقالت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، كأني والله كنت أرى ما أنا فيه ، فقلت لها إن أمير المؤمنين وجه بي إليك وما [ ص: 401 ] ذاك إلا لجميل رأيه فيك ، قالت : فهل لك أن توصل لي رقعة إليه؟ [ قلت : نعم ] ، فدفعت إلي رقعة فيها [ مكتوب ] :


قل للخليفة والإمام المرتضى     وابن الخلائف من قريش الأبطح
علم الهدى ومناره وسراجه     مفتاح كل عظيمة لم تفتح
بك أصلح الله البلاد وأهلها     بعد الفساد وطال ما لم تصلح
فتزحزحت بك هضبة العرب التي     لولاك بعد الله لم تتزحزح
أعطاك ربك ما تحب فأعطه     ما قد يحب وجد بعفوك واصفح
يا بهجة الدنيا وبدر ملوكها     هب ظالمي ومفسدي لمصلح

قال : فصرت بها إلى المعتضد ، فلما قرأها ضحك ، وقال : لقد نصحت لو قبل منها ، وأمر أن يحمل إليها خمسون ألف درهم ، وخمسون تختا من الثياب ، وأمر أن يحمل مثل ذلك إلى ابن عيسى .

ووردت الأخبار يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة هدية عمرو بن الليث من نيسابور ، وكان مبلغ المال الذي وجه [ به ] أربعة آلاف ألف درهم ، وعشرين من الدواب ، بسروج ولجم محلاة ، ومائة وخمسين دابة بجلال مشهورة ، وكسوة حسنة ، وطيبا وبزاة [ وطرفا ] .

وفي هذه السنة : عبر إسماعيل بن أحمد نهر بلخ ، يريد عمرو بن الليث الصفار ، فظفر به ، وذلك أن أهل بلخ ملوه وضجروا [ منه و ] من نزول أصحابه في منازلهم ، [ ص: 402 ] ومد يده إلى أموالهم ، وكان أصحاب عمرو قد خرجوا يوما من بلخ فحمل عليهم أصحاب إسماعيل [ فانهزموا ] فانهزم عمرو ، فأخذ وجيء به إلى إسماعيل ، فقام إليه ، وقبل [ بين ] عينيه ، وقال : عزيز علي يا أخي ما نالك ، وغسل وجهه وخلع عليه وحلف له أنه لا يؤذيه ولا يسلمه ، فجاءه كتاب المعتضد بأن يسلم عمرو بن الليث ، فسلمه . وكان عمرو يقول : لو أردت أن أعمل جسرا من ذهب على نهر بلخ لفعلت ، وكان يحمل فرشه ، ومطبخه على ستمائة جمل ، فآل به الأمر إلى القيد والذل .

وفي هذه السنة ظهر رجل من القرامطة يكنى أبا سعيد ، فاجتمع إليه جماعة منهم ومن الأعراب ، وكثر أصحابه [ وذلك ] في جمادى الآخرة ، وقوي أمره ، فقتل من حوله من أهل القرى ، ثم صار إلى موضع يقال له : القطيف ، بينه وبين البصرة مراحل ، وقيل : إنه يريد البصرة ، فكتب أحمد بن محمد الواثقي ، وكان يتقلد معادن البصرة وكور دجلة إلى السلطان [ بما ] قد عزم عليه القرامطة ، فكتب إليه في عمل سور على البصرة فقدرت النفقة [ عليه ] أربعة عشر ألف دينار ، فبني ، وغلب أبو سعيد على هجر وأمن أهلها .

التالي السابق


الخدمات العلمية