الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

1566 - أحمد بن عبد الله بن أبي الغمر عمر بن عبد الرحمن .

مولى بني سهم ، يكنى: أبا جعفر ، وكان ثقة ، مقبولا عند القضاء .

توفي في ربيع الأول من هذه السنة .

1567 - إبراهيم بن الحسين بن ديزيل الهمداني .

سمع من عفان [بن مسلم] ، وكان كثير الطلب للحديث ، منهمكا في كتابته .

قال عبد الله بن وهب الدينوري: كنا نذاكر إبراهيم بن الحسين بالحديث فيذاكرنا بالقمطر ، وكان يذاكر بالحديث الواحد فيقول: عندي منه قمطر .

أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي قال: سمعت أبا القاسم يوسف بن الحسن [ ص: 90 ] اليفكري يقول: سمعت أبا علي الحسن بن علي بن بندار الزنجاني يقول: قال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل الهمذاني: كتبت في بعض الليالي الحديث ، فجلست كثيرا ، وكتبت ما لا أحصيه حتى أعييت ، ثم خرجت أتأمل السماء ، فكان أول الليل ، فأتممت حزبي ، وأصبحت وصلينا الصبح ، ثم حضرت باب حانوت تاجر ، وكان هوذا يكتب حسابا ، ويؤرخه بيوم السبت ، فقلت: سبحان الله! أليس اليوم يوم الجمعة؟ فضحك وقال: لعلك لم تحضر أمس الجامع ، فراجعت نفسي ، فإذا أنا قد كتبت ليلتين ويوما .

1568 - إسماعيل بن يوسف ، أبو علي الديلمي

كان أحد العباد الورعين والزهاد [المتقللين] ، وكان حافظا للحديث بصيرا [به] ، ثقة في روايته . جالس أحمد بن حنبل ومن بعده من الحفاظ ، وحدث عن مجاهد بن موسى . روى عنه: العباس بن يوسف الشكلي .

أخبرنا القزاز [قال:] أخبرنا أحمد بن علي أبو بكر بن ثابت قال: أخبرني الجوهري [قال:] أخبرني محمد بن العباس [قال:] حدثنا أبو الحسين بن المنادي قال: وإسماعيل الديلمي كان من خيار الناس ، وذكر [لي] أنه [كان] يحفظ أربعين ألف حديث ، قالوا: وكان يعبر إلى الجانب الشرقي قاصدامحمد بن إشكاب [الحافظ] فيذاكره بالمسند ، وكان إسماعيل من أشهر الناس بالزهد والورع والتميز [ ص: 91 ] بالصون ، وأما مكسبه فكان من المساهرة في الأرجاء .

أخبرنا القزاز [قال:] أخبرنا أحمد بن علي [قال:] أخبرنا أحمد بن عمر النهرواني [قال:] حدثنا المعافى بن زكريا [قال:] حدثنا محمد بن مخلد العطار [قال:] حدثنا حامد بن محمد بن الحكم [قال] حدثنا كردان قال: قال إسماعيل الديلمي: اشتهيت حلواء وأبلغت شهوته إلي ، فخرجت من المسجد بالليل لأبول فإذا [على] جنبتي الطريق أخاذين حلواء ، فنوديت: يا إسماعيل ، هذا الذي اشتهيت ، وإن تركته خير لك . فتركته .

قال ابن مخلد: قد كتبت أنا عن كردان: كان يكون بقنطرة بني زريق ، وقد رأيت إسماعيل الديلمي هذا من خيار المسلمين ، [وكان ما شئت من رجل ، رأيته عند أبي جعفر بن إشكاب . قال المعافى: إسماعيل الديلمي كان من خيار المسلمين] والناس يزورون قبره وراء قبر معروف الكرخي ، بينهما قبور يسيرة .

وحدثني بعض شيوخنا أنه كان حافظا للحديث ، كثير السماع ، وإنه كان يذاكر بسبعين ألف حديث .

1569 - سهل بن محمد أبو حاتم السجستاني .

كان عالما باللغة والشعر ، كثير الرواية عن أبي زيد ، وأبي عبيدة ، قرأ كتاب [ ص: 92 ] سيبويه على الأخفش مرتين ، وكان حسن العلم بالفروض ، وإخراج المعمى ، وله شعر جيد ، وعليه يعتمد ابن دريد في اللغة .

توفي في هذه السنة .

1570 - عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد ، أبو محمد السمرقندي الدارمي .

من بني دارم بن مالك بن حنظلة ، ولد سنة إحدى وثمانين ومائة ، رحل في طلب الحديث ، وسمع من أبي نعيم ، والحميدي ، وأبي اليمان ، وغيرهم . [وبرع في علم الحديث] وحفظ وأتقن ، وجمع الثقة ، والصدق ، والورع ، والعفاف ، والزهد ، والعقل الكامل . وألح عليه السلطان في قضاء سمرقند فتقلده ، وقضى قضية واحدة ثم استعفى فأعفي . وصنف "المسند" و"التفسير" و"الجامع" . وحدث عنه: بندار ، ومسلم بن الحجاج ، والترمذي ، وغيرهم .

أخبرنا القزاز [قال] أخبرنا أبو بكر [أحمد بن علي] الخطيب قال: أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب [ح] .

وأنبأنا زاهر بن طاهر [قال:] أخبرنا أحمد بن الحسين البيهقي [قال] أخبرنا أبو عبد الله النيسابوري ، قال: سمعت أبا بكر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه يقول: [ ص: 93 ] سمعت أبا القاسم عمرو بن محمد الأنصاري يقول: سمعت أبا الفضل محمد بن إبراهيم يقول: كنت عند أحمد بن حنبل ، فذكر عبد الله بن عبد الرحمن ، فقال: ذلك السيد [ثم قال أحمد:] عرض علي الكفر فلم أقبل ، وعرضت عليه الدنيا فلم يقبل .

توفي يوم عرفة وكان يوم الجمعة من هذه السنة ، وهو ابن خمس وسبعين سنة ، وقيل: توفي سنة خمسين ، ولا يصح .

1571 - عبيد بن محمد بن القاسم [أبو محمد الوراق] النيسابوري .

سكن بغداد ، وحدث بها عن أبي النفر هاشم بن القاسم ، وبشر الحافي .

روى عنه: ابن أبي الدنيا ، والباغندي . وكان ثقة . وتوفي في هذه السنة .

1572 - عمرو بن بحر بن محبوب ، أبو عثمان الجاحظ البصري .

كان جده أسود جمالا ، وكان هو من متكلمي المعتزلة ، وهو تلميذ أبي إسحاق [ ص: 94 ] النظام ، والناس يعجبون بتصانيفه زائدا في الحد ، وليس الأمر كذلك ، بل له جيد ورديء .

حدثنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي [الخطيب قال:] أخبرنا الحسن بن محمد الخلال [قال:] حدثنا أحمد بن محمد بن عمران [قال:] حدثنا محمد بن يحيى النديم ، حدثنا يموت بن المزرع قال: قال لنا عمرو بن بحر الجاحظ: ما غلبني قط إلا رجل وامرأة .

فأما الرجل: فإني كنت مجتازا في بعض الطرق ، فإذا أنا برجل قصير بطين ، كبير الهامة ، طويل اللحية ، متزر بمئزر ، وبيده مشط يسقي [به] شقه ويمشطها به ، فقلت في نفسي: رجل قصير بطين ألحى فاستزريته ، فقلت: [أيها] الشيخ ، قد قلت فيك شعرا . فترك المشط من يده ، وقال: قل . فقلت:


كأنك صعوة في أصل حش أصاب الحش طش بعد رش

فقال لي: اسمع جواب ما قلت . فقلت: هات . فقال:


كأنك كندب في ذنب كبش     مدلدلة وذاك الكبش يمشي



[ ص: 95 ] وأما المرأة: فإني كنت مجتازا في بعض الطرقات ، فإذا أنا بامرأتين ، وكنت راكبا على حمارة ، فضرطت الحمارة ، فقالت إحداهما للأخرى: وي ، حمارة الشيخ تضرط . فغاظني قولها فأعننت ثم قلت لهما: إنه ما حملتني أنثى قط إلا وضرطت . فضربت يدها على كتف الأخرى وقالت: [لقد] كانت أم هذا منه في جهد جهيد تسعة أشهر .

أخبرنا [أبو] منصور القزاز ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي [بن ثابت] قال: أخبرنا الصيمري [قال:] أخبرنا المرزباني [قال:] أخبرنا [أبو بكر] الجرجاني ، حدثنا المبرد قال: دخلت على الجاحظ في آخر أيامه ، وهو عليل ، فقلت له: كيف أنت؟ قال: كيف يكون من نصفه مفلوج ، فلو نشر بالمناشير ما أحس به ، ونصفه الآخر منقرس ، فلو طارت الذبابة بقربه لآلمته ، والآفة في جميع هذا أني جزت التسعين ، ثم أنشدنا [يقول]:


أترجو أن تكون وأنت شيخ     كما قد كنت أيام الشباب



[ ص: 96 ]

لقد كذبتك نفسك ليس ثوب     دريس كالجديد من الثياب

توفي الجاحظ في محرم هذه السنة .

1573 - [محمد] المعتز بالله بن المتوكل على الله:

خلعوه وحبسوه ومنعوه الطعام [والشراب] حتى مات على ما سبق في الحوادث ، وذلك لليلتين خلتا من شعبان هذه السنة ، فبقي في الولاية أربع سنين وثمانية أشهر وثلاثة وعشرين يوما . وقيل: ثلاث سنين وستة أشهر ، وثلاثة عشر يوما . وكان عمره أربعة وعشرين سنة .

1574 - الفضل بن سهل بن إبراهيم بن العباس الأعرج .

مولى بني هاشم ، سمع حسينا الجعفي ، وشبابة . روى عنه: البخاري ، ومسلم في الصحيحين ، وكان شديد الذكاء والفطنة ، من الثقات الأخيار .

توفي في صفر من هذه السنة .

1575 - محمد بن عبد الرحيم بن أبي زهير ، أبو يحيى البزار .

يعرف بصاعقة ، وإنما سمي صاعقة؛ لأنه كان جيد الحفظ . [ولد سنة خمس وثمانين ومائة ، وأصله فارسي] .

[ ص: 97 ]

سمع عبد الله بن موسى وعبد الوهاب بن عطاء وأسود بن عامر ، وقبيصة ، وغيرهم . وكان عالما حافظا متقنا ضابطا [ثقة] حدث عنه البخاري في صحيحه وغيره . وتوفي في شعبان هذه السنة وله سبعون سنة .

1576 - محمد بن كرام ، أبو عبد الله السجزي .

ولد بقرية من قرى زريح ، ونشأ بسجستان ، ثم دخل بلاد خراسان ، وسمع الحديث ، وأكثر الرواية عن أحمد بن عبد الله الجويباري ، ومحمد بن تميم الفاريابي ، وكانا كذابين ، وقد صرح في كتبه بأن الله جسم [تعالى عن ذلك] ومن مذهب الكرامية: أن الله سبحانه مماس لعرشه ، وأن ذاته محل للحوادث ، [في هذيانات] ، فلا هو سكت سكوت الزاهدين ، ولا تفلق بكلام المتكلمين .

وذكره أبو حاتم بن حبان الحافظ في كتاب "المجروحين" فقال: كأنه خذل حتى التقط من المذاهب أردأها ، ومن الأحاديث أوهاها ثم جالس الجويباري ، ومحمد بن تميم ، ولعلهما [قد] وضعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة والتابعين مائة ألف حديث ، ثم جالس أحمد بن حرب الأصفهاني بنيسابور ، فأخذ عنه التقشف ، ولم يكن يحسن العلم ولا الأدب ، أكثر كتبه المصنفة صنفها له [ ص: 98 ] مأمون بن أحمد السلمي ، وكان تلميذه .

وذكره أبو عبد الله الحاكم فقال: جاور بمكة خمس سنين ، ثم انصرف إلى سجستان ، فباع ما كان يملكه بمال وانصرف إلى نيسابور ، فحبسه [محمد بن عبد الله بن] طاهر ، فلما أطلقه خرج إلى ثغور الشام ، ثم عاد إلى نيسابور فحبسه محمد بن [عبد الله بن] طاهر ، وطالت محنته ، وكان يغتسل كل جمعة ، ويتأهب للخروج إلى الجامع ، ثم يقول: للسجان: أتأذن لي في الخروج؟ فيقول: لا ، فيقول: اللهم إنك تعلم أني بذلت مجهودي ، والمنع من غيري . ومكث بنيسابور أربع عشرة سنة ، ثمانية منها في السجن ، وكان يلبس في أول أمره مسك ضأن مدبوغا غير مخيط ، وكان على رأسه قلنسوة بيضاء ، ويجلس فيعظ ويذكر .

خرج من نيسابور في شوال سنة إحدى وخمسين [ومائتين] ، وتوفي ببيت المقدس في صفر سنة خمس وخمسين ، ودفن بباب أريحاء بقرب يحيى بن زكريا عليهما السلام ، وكان أصحابه ببيت المقدس نحو عشرين ألفا .

1577 - محمد بن عمران بن زياد بن كثير أبو جعفر الضبي النحوي الكوفي .

مؤدب عبد الله بن المعتز ، حدث عن أبي نعيم ، وأحمد بن حنبل ، وغيرهما .

وكان الغالب عليه الأخبار وما يتعلق بالأدب ، وكان ثقة .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد [القزاز قال:] أخبرنا أبو بكر بن علي بن ثابت [ ص: 99 ] [قال:] أخبرنا علي بن المحسن القاضي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله الدوري ، حدثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: كان محمد بن عمران الضبي على اختيار القضاة للمعتز فاجتمع إليه القضاة والفقهاء ، وكان الضبي قبل ذلك معلما ، فنعس ، ثم رفع رأسه فقال: تهجوا .

قال الجوهري: وكان شيخا طوالا يحفظ حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحفظ الأخبار والملح .

أخبرنا عبد الرحمن [بن محمد] أخبرنا أحمد بن علي ، أخبرنا محمد بن علي بن يعقوب القاضي [قال:] أخبرنا محمد بن جعفر التميمي ، حدثنا أحمد بن أبي السري قال: قال لي ابن عرابة المؤدب: حكى لي محمد بن عمر الضبي أنه حفظ ابن المعتز -وهو يؤدبه- النازعات ، وقال له: إذا سألك أمير المؤمنين أبوك: في أي شيء أنت؟ فقل: أنا في السورة التي تلي عبس ، ولا تقل: أنا في النازعات . فسأله أبوه: في أي شيء أنت؟ فقال: أنا في السورة التي تلي عبس . فقال له: من علمك هذا؟ قال: مؤدبي . فأمر له بعشرة آلاف درهم .

[ ص: 100 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية