الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وفي قوله : حرمت عليكم الميتة قالوا : الميتة الجامد [ على الظاهر ] الذي لا يلتفت إلى التأويل .

وقالوا : إن الشاء والبقر التي تذبح هم الذين حضروا محاربة الأنبياء والأئمة ، يترددون في هذه الصور ، ويجب على الذابح أن يقول عند الذبح اللهم إني أبرأ إليك من روحه وبدنه ، وأشهد له بالضلالة اللهم لا تجعلني من المذبوحين .

ولهم من هذا الهذيان ما ينبغي تنزيه الوقت عن ذكره ، وإنما علمت هذه الفضائح من أقوام تدينوا بدينهم ، ثم بانت لهم قبائحهم فتركوا مذهبهم .

فإن قال قائل مثل هذه الاعتقادات الركيكة ، والحديث الفارغ ، كيف يخفى على من يتبعهم ، ونحن نرى أتباعهم خلقا كثيرا ، فالجواب أن أتباعهم أصناف فمنهم قوم ضعفت عقولهم ، وقلت بصائرهم وغلبت عليهم البلادة والبله ، ولم يعرفوا شيئا من [ ص: 298 ] العلوم كأهل السواد والأكراد ، وجفاة الأعاجم ، وسفهاء الأحداث ، فلا يستبعد ضلال هؤلاء ، فقد كان خلق ينحتون الأصنام ، ويعبدونها .

ومن أتباعهم طائفة انقطعت دولة أسلافهم بدولة الإسلام كأبناء الأكاسرة والدهاقين ، وأولاد المجوس ، فهؤلاء موتورون ، قد استكن الحقد في صدورهم ، فهو كالداء الدفين ، فإذا حركته تخائيل المبطلين اشتعلت نيرانه .

ومن أتباعهم قوم [ لهم ] تطلع إلى التسلط والاستيلاء ، ولكن الزمان لا يساعدهم ، فإذا رأوا طريق الظفر بمقاصدهم سارعوا .

ومن أتباعهم قوم جبلوا على حب التميز عن العوام ، فزعموا أنهم يطلبون الحقائق ، وأن أكثر الخلق كالبهائم ، وكل ذلك لحب النادر الغريب .

ومن أتباعهم ملحدة الفلاسفة والثنوية الذين اعتقدوا الشرائع نواميس مؤلفة ، والمعجزات مخاريق مزخرفة ، فإذا رأوا من يعطيهم شيئا من أغراضهم مالوا إليه .

ومن أتباعهم قوم مالوا إلى عاجل اللذات ، ولم يكن [ لهم ] علم ولا دين ، فإذا صادفوا من يرفع عنهم الحجر مالوا إليه . على أن هؤلاء القوم لا يكشفون أمرهم إلا بالتدريج على قدر طمعهم في الشخص .

وإنما مددنا النفس في شرح حالهم ، وإن كنا إنما ذكرنا بيتا من قصيدة لعظم ضررهم على الدين ، وشياع كلمتهم المسمومة ، وإنما اجتمعت الأسباب التي ذكرناها في وسط أيامهم ، وإلا فمعاندوا الشرائع منذ كانت خلق كثير . [ ص: 299 ]

وقد نبغ منهم قوم فأظهروا إمامة محمد ابن الحنفية ، وقالوا : إن روح محمد انتقلت إليه ، ثم انتقلت [ منه ] إلى أبي مسلم صاحب الدعوة ، ثم إلى المهدي ، ثم إلى رجل يعرف بابن القصري ، ثم خمدت نارهم ثم نبغ منهم في أيام المأمون رجل فاحتال ، فلم تنفذ حيلته ، ثم تناصروا في أيام المعتصم ، وكاتبوا الأفشين ، وهو رئيس الأعاجم ، فمال إليهم ، واجتمعوا مع بابك ، ثم زاد جمعهم على ثلاثمائة ألف ، فقتل المعتصم منهم ستين ألفا ، وقتل الأفشين أيضا ، ثم ركدت دولتهم .

ثم نبغ منهم جماعة وفيهم رجل من ولد بهرام جور ، وقصدوا إبطال الإسلام ، ورد الدولة الفارسية ، وأخذوا يحتالون في تضعيف قلوب المؤمنين ، وأظهروا مذهب الإمامية ، وبعضهم مذهب الفلاسفة ، وجعل لهم رأس يعرف بعبد الله بن ميمون بن عمرو ، ويقال : ابن ديصان القداح الأهوازي ، وكان مشعبذا ممخرقا ، وكان معظم مخرقته بإظهار الزهد والورع ، وأن الأرض تطوى له ، وكان يبعث خواص أصحابه إلى الأطراف معهم طيور ، ويأمرهم أن يكتبوا إليه الأخبار عن الأباعد ، ثم يحدث الناس بذلك ، فيقوى شبههم .

وكانوا يقولون : إن المتقدمين منهم يستخلفون عند الموت ، وكلهم خلفاء محمد بن إسماعيل [ بن جعفر ] الطالبي ، وأن من الدعاة إلى الإمام معدا أبا تميم ، وإسماعيل أباه ، وهم المتغلبون على بلاد المغرب ، ومن استجاب لهم عرفوه أنه أن [ ص: 300 ] عمل ما يرضيهم صار إماما ونبيا ، وأنه يرتقي المبتدئ منهم إلى الدعوة ، ثم إلى أن يكون حجة ، ثم إلى الإمامة ، ثم يلحق مرتبة الرسل ، ثم يتحد بالرب فيصير ربا ولا يجوز لأحد أن يحجب امرأته عن إخوانه .

التالي السابق


الخدمات العلمية