الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

( باب إقرار المريض )

قال : ( وإذا أقر الرجل في مرض موته بديون وعليه ديون في صحته وديون لزمته في مرضه بأسباب معلومة  فدين الصحة والدين المعروف الأسباب مقدم ) وقال الشافعي رحمه الله : دين المرض ودين الصحة يستويان لاستواء سببهما وهو الإقرار الصادر عن عقل ودين ، [ ص: 381 ] ومحل الوجوب الذمة القابلة للحقوق فصار كإنشاء التصرف مبايعة ومناكحة . ولنا أن الإقرار لا يعتبر دليلا إذا كان فيه إبطال حق الغير ، وفي إقرار المريض ذلك لأن حق غرماء الصحة تعلق بهذا المال استيفاء ، ولهذا منع من التبرع والمحاباة إلا بقدر الثلث .

[ ص: 382 ] بخلاف النكاح لأنه من الحوائج الأصلية [ ص: 383 ] وهو بمهر المثل ، وبخلاف المبايعة بمثل القيمة لأن حق الغرماء تعلق بالمالية لا بالصورة ، وفي حالة الصحة لم يتعلق بالمال لقدرته على الاكتساب فيتحقق التثمير ، وهذه حالة العجز وحالتا المرض حالة واحدة لأنه حالة الحجر ، بخلاف حالتي الصحة [ ص: 384 ] والمرض ؛ لأن الأولى حالة إطلاق وهذه حالة عجز فافترقا ، وإنما تقدم الديون المعروفة الأسباب لأنه لا تهمة في ثبوتها إذ المعاين لا مرد له ، وذلك مثل بدل مال ملكه أو استهلكه وعلم وجوبه بغير إقراره أو تزوج امرأة بمهر مثلها ، وهذا الدين مثل دين الصحة لا يقدم أحدهما على الآخر لما بينا ، [ ص: 385 ] ولو أقر بعين في يده لآخر لم يصح في حق غرماء الصحة لتعلق حقهم به ، ولا يجوز للمريض أن يقضي دين بعض الغرماء دون البعض ؛ لأن في إيثار البعض إبطال حق الباقين ، وغرماء الصحة والمرض في ذلك سواء ، إلا إذا قضى ما استقرض في مرضه أو نقد ثمن ما اشترى في مرضه وقد علم بالبينة .

[ ص: 386 ] قال ( فإذا قضيت ) يعني الديون المقدمة ( وفضل شيء يصرف إلى ما أقر به في حالة المرض ) لأن الإقرار في ذاته صحيح ، وإنما رد في حق غرماء الصحة فإذا لم يبق حقهم ظهرت صحته . قال ( وإن لم يكن عليه ديون في صحته جاز إقراره ) لأنه لم يتضمن إبطال حق الغير وكان المقر له أولى من الورثة لقول عمر رضي الله عنه : إذا أقر المريض بدين جاز ذلك عليه في جميع تركته [ ص: 387 ] ولأن قضاء الدين من الحوائج الأصلية وحق الورثة يتعلق بالتركة بشرط الفراغ ولهذا تقدم حاجته في التكفين .

التالي السابق


فتح القدير

( باب إقرار المريض )

لما فرغ من بيان أحكام إقرار الصحيح شرع في بيان أحكام إقرار المريض؛ لأن المرض بعد الصحة، وأفرده بباب على حدة لاختصاصه بأحكام ليست للصحيح ، ( وإذا أقر الرجل في مرض موته بديون ) ، أي : بديون غير معلومة الأسباب ، ( وعليه ديون في صحته وديون لزمته في مرضه ) ، أي : في مرض موته ( بأسباب معلومة ) ، متعلق بلزمته ، أي : لزمته بأسباب معلومة ، مثل بدل مال ملكه أو استهلكه أو مهر مثل امرأة تزوجها وعلم معاينة . ( فدين الصحة والدين المعروف الأسباب مقدم ) على ما أقر به في مرضه ، إلى هنا لفظ القدوري في مختصره .

قال المصنف : ( وقال الشافعي : دين المرض ) سواء كان بسبب معلوم أو بإقراره ، ( ودين الصحة يستويان لاستواء سببهما وهو الإقرار الصادر عن عقل ودين ) ، وإنما تعرض لو صفى العقل والدين ؛ لأنهما المانعان عن الكذب في الإخبار والإقرار ، إخبار عن الواجب في الذمة، ولا تفاوت في ذلك بين صحة المقر ومرضه، بل بالمرض يزداد جهة رجحان الصدق ؛ لأن المرض سبب التورع عن المعاصي والإنابة عما جرى في الماضي، فالاحتراز عن الكذب في هذه [ ص: 381 ] الحالة أكثر فكان جهة قبول الإقرار فيه أوفر، كذا في الشروح . واعترض بعض الفضلاء على تقرير دليل الشافعي بالوجه الذي ذكره المصنف ؛ حيث قال : فيه كلام، وهو أن هذا الدليل إنما يفيد مساواته للدين الثابت بالإقرار في الصحة فلا يطابق المدعى، كما لا يخفى، والأولى أن يقال : وعند الشافعي الدين في المرض يساوي الدين في الصحة ؛ لاستواء السبب المعلوم والإقرار، انتهى كلامه.

أقول : يمكن أن يجاب عنه بأن هذا الدليل إذا أفاد مساواة دين المرض للدين الثابت بالإقرار في الصحة ، فقد أفاد مساواته للدين الثابت بالمعاينة أيضا بناء على عدم القائل بالفصل بين ذينك الدينين، ويطلق على مثل ذلك الإجماع المركب، كما تقرر في علم الأصول ، وأراد بعض الفضلاء أن يجيب عنه بوجه آخر ؛ حيث قال : المدعى عام لما ثبت بالإقرار أو بالمعاينة ، والدليل خاص، ثم قال: ويجوز أن يكون من التنبيه بحال الأدنى على حال الأعلى.

أقول : لا حاصل له هاهنا ؛ لأنه إن أراد أنه يجوز أن يكون من التنبيه بمساواة دين المرض لأدنى ديني الصحة ، وهو الدين الثابت بالإقرار في الصحة على مساواته لأعلى ديني الصحة وهو الدين اللازم في الصحة بأسباب معلومة فليس بصحيح ؛ إذ لا يلزم من وصول الشيء إلى رتبة الأدنى وصوله إلى رتبة الأعلى فكيف يجوز التنبيه بالأول على الثاني، وإن أراد أنه يجوز أن يكون من التنبيه بمساواة أدنى ديني المرض وهو الدين الثابت بالإقرار في المرض للدين الثابت بالإقرار في الصحة على مساواة أعلى ديني المرض وهو الدين اللازم في المرض بأسباب معلومة للدين الثابت بالإقرار في الصحة فهو مسلم ؛ إذ يلزم من وصول الأدنى إلى رتبة شيء وصول الأعلى إلى رتبة ذلك الشيء، بالأولوية لكنه لا يجدي شيئا هاهنا؛ إذ الكلام في قصور الدليل المذكور عن إفادة مساواة دين المرض للدين اللازم في الصحة بأسباب معلومة مع عموم المدعى، وهذا لا يندفع بذلك ، على أن مساواة الدين اللازم في المرض بأسباب معلومة لدين الصحة مما لا نزاع فيه فلا فائدة في التنبيه عليه أصلا .

( ومحل الوجوب الذمة القابلة للحقوق ) ، وهي ذمة الحر البالغ العاقل، وهي في حالتي الصحة والمرض سواء، فاستوى دين المرض ودين الصحة في سبب الوجوب ، وفي محله فيستويان في الوجوب، وإذا استويا وجوبا استويا استيفاء ، ( وصار كإنشاء التصرف مبايعة ومناكحة ) ، أي : صار إقراره في المرض كإنشائه التصرف بالبيع والنكاح في حالة المرض ، وذلك مساو لتصرفه في حالة الصحة، فكذا هاهنا .

( ولنا أن الإقرار لا يعتبر دليلا إذا كان فيه إبطال حق الغير ) ، أي : إذا تضمن إبطال حق الغير، كما لو رهن أو آجر شيئا ، ثم أقر أنه لغيره ؛ فإنه لا ينفذ إقراره في حق المرتهن والمستأجر ؛ لتعلق حقهما به ( وفي إقرار المريض ذلك ) ، أي : إبطال حق الغير ؛ ( لأن حق غرماء الصحة تعلق بهذا المال ) ، يعني: مال المريض . ( استيفاء ) ، أي : من حيث الاستيفاء ؛ ( ولهذا ذلك ) ، أي : المريض ( من التبرع والمحاباة إلا بقدر الثلث ) .

قال صاحب النهاية : أي : فيما إذا لم يكن عليه دين، وأما إذا كانت الديون محيطة بماله، فلا يجوز تبرعه أصلا في الثلث وما دونه، انتهى. واقتفى أثره صاحب العناية في حل [ ص: 382 ] هذا المحل بهذا المعنى، ولكن غير العبارة ؛ حيث قال : ولهذا منع من التبرع والمحاباة أصلا إذا أحاطت الديون بماله وبالزيادة على الثلث إذا لم يكن عليه ديون، انتهى.

أقول : ليس هذا بشرح صحيح؛ إذ الظاهر من قولهما : إذا لم يكن عليه دين ، إذا لم يكن عليه شيء من الديون أصلا بمقتضى وقوع النكرة في سياق النفي ، فحينئذ يصير معنى كلام المصنف: ولتعلق حق غرماء الصحة بمال المريض منع من التبرع والمحاباة بالزيادة على الثلث فيما إذا لم يكن على المريض دين أصلا. ولا يخفى أن هذا معنى لغو يناقض آخره أوله ؛ لأنه إذا لم يكن على المريض دين أصلا لم يتصور تعلق حق الغرماء بماله . فالوجه في حل هذا المحل أن يقال: ما ذكره المصنف فيما إذا كان عليه ديون ولكن لم تحط بماله. وأما إذا أحاطت الديون بماله فيمنع من التبرع مطلقا ، أي : بالثلث وبما دونه، نعم يمنع المريض من التبرع والمحاباة بالزيادة على الثلث وإن لم يكن عليه دين أصلا ؛ لكن ذلك ليس لتعلق حق الغرماء بماله بل لتعلق حق الورثة به، فالمنع لأجل تعلق حق الغرماء بماله، كما هو مقتضى قول المصنف؛ ولهذا منع إنما يتصور في صورة تحقق الدين عليه، كما لا يخفى على ذي مسكة. ثم إن جمهور الشراح قالوا في قول المصنف: ولهذا منع من التبرع والمحاباة إلا بقدر الثلث، جوابا عما ادعاه الشافعي من استواء حال الصحة، وحال المرض ؛ فإنه لو كانتا متساويتين لما منع من التبرع والمحاباة في حال المرض، كما لا يمنع عنهما في حال الصحة.

أقول: يرد عليه أن يقال: لم لا يجوز أن يكون منعه من التبرع والمحاباة بالزيادة على الثلث في حالة المرض لتعلق حق الورثة بما له في تلك الحالة لا لتعلق حق الغرماء به؟ ألا يرى أنه يمنع من ذلك في تلك الحالة وإن لم يكن عليه دين أصلا فلا يتم الجواب عما ادعاه الشافعي؛ لأن ما ادعاه استواء حالتي الصحة والمرض في حق غرماء الصحة والمرض لا في حق الورثة. ثم أقول: كان الحق على المصنف أن يقول بدل قوله المذكور: ولهذا منع من التبرع والمحاباة أصلا إذا أحاطت الديون بماله ؛ إذ يتم الجواب حينئذ عما ادعاه الشافعي قطعا، ويصح التفريع على ما قبله بلا غبار، كما لا يخفى على الفطن، وكأن الإمام الزيلعي تنبه لقصور ما ذكره المصنف هاهنا في التفريع ؛ حيث قال في شرح الكنز بدل ذلك : ولهذا منع من التبرع والمحاباة مطلقا في حقهم ، غير مقدر بالثلث، لكن فيما قاله إفراط، كما كان فيما قاله المصنف تفريط؛ لأن منعه من التبرع والمحاباة مطلقا في حقهم غير مقدر بالثلث ليس بمطلق بل فيما إذا أحاطت الديون بماله ، وأما فيما إذا لم تحط به فمقدر بالثلث، والظاهر من كلامه الإطلاق فكان فيه إفراط .

فالحق الذي لا محيد عنه في تنقيح الكلام هاهنا لإفادة تمام المقصود ما نبهنا عليه آنفا، فإن قيل : الإقرار بالوارث في المرض صحيح مع أنه يبطل به حق سائر الورثة فلم لم يصح الإقرار بالدين في المرض إذا كان فيه إبطال حق غرماء الصحة مع استوائهما في إبطال حق الغير؟ قلنا: استحقاق الوارث المال بالنسب والموت جميعا ، فالاستحقاق يضاف إلى آخرهما وجودا وهو الموت؛ ألا يرى أن شاهدي النسب قبل الموت إذا رجعا بعد الموت والمشهود له أخذ المال لم يضمنا شيئا ، فأما الدين فلم يجب بالموت بل يجب بالإقرار، كذا في المبسوط والأسرار، ( بخلاف النكاح ) جواب عما استشهد به الشافعي من إنشاء النكاح : يعني لا يلزمنا ذلك ؛ ( لأنه من الحوائج الأصلية ) ، فإن بقاء النفس بالتناسل ، ولا طريق للتناسل إلا بالنكاح ، والمرء غير ممنوع عن صرف ماله إلى الحوائج الأصلية وإن كان ثمة دين الصحة كالصرف [ ص: 383 ] إلى ثمن الأدوية والأغذية . ( وهو ) ، أي : النكاح . ( بمهر المثل ) هذه جملة حالية : يعني أن النكاح من الحوائج الأصلية حال كونه بمهر المثل، وأما الزيادة على ذلك فباطلة والنكاح جائز، كذا في العناية . قال بعض الفضلاء : فيه بحث، فإن النكاح من الحوائج الأصلية مطلقا .

أقول : كون النكاح من الحوائج الأصلية مطلقا ممنوع، فإن الحوائج الأصلية ما يكون من ضروريات الإنسان، والنكاح بأكثر من مهر المثل ليس من ضرورياته لإمكان حصوله بمهر المثل ، فإن قيل : لو تزوج وهو لا يحتاج إليه بسبب أن له نساء جواري وهو شيخ كبير لا يولد له عادة جاز، وهي تشارك غرماء الصحة مع أن هذا النكاح لم يكن من الحوائج الأصلية ؛ لأنه ليس له رجاء بقاء النسل ، ولا احتياج قضاء الشهوة . قلنا : النكاح في أصل الوضع من مصالح المعيشة ، والعبرة لأصل الوضع لا للحال فإن الحال مما لا يوقف عليها ليبتنى الأمر عليها، إليه أشار في الأسرار، وذكر في الشروح ( وبخلاف المبايعة بمثل القيمة ) جواب عما استشهد به الشافعي من إنشاء المبايعة : يعني: ولا يلزمنا المبايعة بمثل القيمة ؛ ( لأن حق الغرماء تعلق بالمالية لا بالصورة ) ، والمالية باقية في المبايعة بمثل القيمة ، وإن فاتت الصورة، فلم يكن في إنشاء ذلك إبطال شيء، من حقهم بل فيه تحويل حقهم من محل إلى محل يعد له، وللبدل حكم المبدل ، ولما استشعر أن يقال : لو تعلق حق الغرماء بمال المديون بطل إقراره بالدين حالة الصحة أيضا ؛ لأن الإقرار المتضمن لإبطال حق الغير غير معتبر، كما مر مع أن ذلك ليس بباطل بالإجماع ، أجاب بقوله: ( وفي حالة الصحة لم يتعلق ) حق الغرماء ( بالمال ) ، أي : بمال المديون ( لقدرته على الاكتساب ) ، أي : لقدرة المديون على الاكتساب في تلك الحالة ، ( فيتحقق التثمير ) ، أي : تثمير المال وهو تكثيره، يقال: ثمر الله ماله ، أي : كثره فلم تقع الحاجة إلى تعلق حق الغرماء بماله .

( وهذه ) ، أي : حالة المرض ( حالة العجز ) عن الاكتساب ، فيتعلق حقهم بماله في هذه الحالة حذرا عن التوى ، ولما استشعر أن يقال : سلمنا ذلك لكن إذا أقر في المرض ، ثانيا : ينبغي أن لا يصح لتعلق حق المقر له الأول بماله ، كما لا يصح إقراره في المرض في حق غرماء الصحة لتعلق حقهم بذلك، أجاب بقوله: ( وحالتا المرض حالة واحدة ) ، أي : حالة أول المرض وحالة آخره بعد أن يتصل به الموت حالة واحدة ؛ ( لأنه ) ، أي : لأن المرض ( حالة الحجر ) ؛ ولهذا يمنع عن التبرع فكان الإقراران في المرض بمنزلة إقرار واحد، كما أن حالتي الصحة حالة واحدة فيعتبر الإقراران جميعا . ( بخلاف حالتي الصحة [ ص: 384 ] والمرض؛ لأن الأولى ) ، أي : حالة الصحة ( حالة إطلاق ) للتصرف ، ( وهذه ) ، أي : حالة المرض ( حالة عجز ) عن التصرف. قال في غاية البيان : لو قال: حالة حجر، لكان أولى لكونه أشد مناسبة بالإطلاق ( فافترقا ) ، أي : افترق الوجهان أو الحكمان ، فمنع تعلق حق الغرماء الصحة بماله عن إقراره في حالة المرض ، ولم يمنع الإقرار في أول المرض عن الإقرار في آخره ، ثم إن الدليل المذكور أفاد تقديم دين الصحة على الدين الثابت بالإقرار في حالة المرض، وبقي الكلام في تقديم الديون المعروفة الأسباب عليه ، فقال: ( وإنما تقدم المعروفة الأسباب ) ، يعني: إنما تقدم الديون اللازمة في حالة المرض بأسباب معلومة على الدين الثابت بالإقرار في حالة المرض ؛ ( لأنه لا تهمة في ثبوتها ) ، أي : في ثبوت تلك الديون ؛ ( إذ المعاين لا مرد له ) ، يعني: أن ثبوتها بالمعاينة والأمر المعاين لا مرد له، فتقدم على المقر به في المرض .

( وذلك ) ، أي : ما ذكر من الديون المعروفة الأسباب ، ( مثل: بدل مال مملكه ) ، كثمن المبيع وبدل القرض ، ( أو استهلكه ) ، أي : أو بدل مال استهلكه ، ( وعلم وجوبه ) ، أي : وجوب البدل ( بغير إقراره ) ، أي : بغير إقرار المريض بأن يثبت وجوبه بمعاينة القاضي أو بالبينة ، ( أو تزوج امرأة بمهر مثلها ) ، هذا عطف على بدل مال ملكه أو استهلكه بحسب المعنى كأنه قال: أو مهر مثل امرأة تزوجها ، فإنه أيضا من الديون المعروفة الأسباب.

أقول : الظاهر أن كون العلم بوجوبه بغير إقرار المريض شرط في هذا المثال أيضا؛ وإلا كان مما يثبت بإقرار المريض ، فلا يصح مثالا لما يقدم عليه من الديون المعروفة الأسباب، وإذا كان ذلك شرطا في هذا أيضا لا يرى في تأخيره المصنف عن قوله : وعلم وجوبه بغير إقراره وجه وجيه .

( وهذا الدين ) ، يعني: الدين اللازم في المرض بأسباب معلومة ، ( مثل دين الصحة لا يقدم أحدهما على الآخر لما بينا ) ، أشار به إلى قوله : لأنه لا تهمة في ثبوتها ، فإن تلك العلة ، أعني عدم التهمة في الثبوت، كما تتمشى في الدين اللازم في المرض بأسباب معلومة بناء على أن المعاين لا مرد له كذلك تتمشى في دين الصحة مطلقا،

أما فيما لزم في الصحة بأسباب معلومة ، فبناء على أن المعاين لا مرد له، وأما فيما ثبت في الصحة بالإقرار فبناء على أن لا يكون فيه إبطال حق الغير، كما في إقرار المريض هذا ، وقال صاحب غاية البيان : قوله : "لما بينا" إشارة إلى قوله : "إذ المعاين لا مرد له" .

أقول : ليس هذا بتام ؛ لأن تلك العلة : أعني قوله : إذ المعاين لا مرد له لا تتمشى فيما إذا ثبت دين الصحة بالإقرار؛ إذ الثابت بالإقرار ليس من المعاين ، فلا يظهر بها أن لا يقدم هذا الدين على دين الصحة مطلقا بخلاف ما ذكرناه ، وقال صاحب العناية : لما بينا أنه من الحوائج الأصلية، يعني في النكاح ، ولا تهمة في ثبوته في غيره، انتهى.

أقول : هذا تكلف مستغنى عنه ، فإن قول المصنف: "لأنه لا تهمة في ثبوتها" ، مع قربه في الذكر وشموله للدين اللازم بسبب النكاح والدين اللازم بسبب غيره جميعا ، كيف لا يكتفى به في شرح قوله هاهنا لما بينا ، فيصار إلى توزيع قوله لما بينا إلى قوله : "لأنه لا تهمة في ثبوتها" ، وإلى قوله : في بعيد بخلاف النكاح ؛ لأنه من الحوائج الأصلية وهو بمهر المثل، كما يقتضيه تقرير صاحب العناية [ ص: 385 ] وقال صاحب النهاية ومعراج الدراية : قوله : "لما بينا"، إشارة إلى قوله : لأنه من الحوائج الأصلية ، وقوله : "لأنه لا تهمة في ثبوتها" .

أقول: إن أرادا أن قوله لما بينا إشارة إلى قوليه المذكورين في الموضعين بطريق التوزيع ، كما قرره صاحب العناية ، فيرد عليهما ما يرد عليه من أنه تكلف مستغنى عنه، كما بيناه، وإن أرادا أنه إشارة إلى قوليه المذكورين بطريق الاستقلال، بمعنى أن كل واحد منهما يصلح أن يكون علة مستقلة ؛ لكون الديون المعروفة الأسباب مطلقا مثل دين الصحة لا يقدم أحدهما على الآخر فليس بصحيح؛ لأن قوله : لأنه من الحوائج الأصلية وهو بمهر المثل مخصوص بالنكاح، وليس كثير من أسباب تلك الديون من الحوائج الأصلية قط ، فلا يتم المقصود .

( ولو أقر ) ، أي : المريض ( بعين في يده لآخر ) ، سواء كانت العين أمانة أو مضمونة ( لم يصح ) إقراره ( في حق غرماء الصحة لتعلق حقهم به ) ، أي : بما أقر به ذكر المصنف هذه المسألة ، تفريعا على مسألة القدوري ، ومفادها أن الإقرار بالعين في المرض كالإقرار بالدين فيه ، ( ولا يجوز للمريض أن يقضي دين بعض الغرماء دون البعض ) خلافا للشافعي .

ذكر المصنف المسألة أيضا تفريعا على مسألة القدوري ، وقال في تعليلها: ( لأن في إيثار البعض إبطال حق الباقين ) وهو لا يصح، فإن فعل ذلك لم يسلم المقبوض للقابض بل يكون ذلك بين الغرماء بالحصص عندنا، نص عليه في المبسوط وغيره. وقال الشافعي : المقبوض سالم للقابض؛ لأن المريض ناظر لنفسه فيما يصنع فربما يقضي دين من يخاف أن لا يسامحه بالإبراء بعد موته بل يخاصمه في الآخرة ، والتصرف على وجه النظر غير مردود ، والجواب أن النظر لنفسه إنما يصح إذا لم يبطل حق غيره .

( وغرماء الصحة والمرض في ذلك سواء ) ، أي : وغرماء الصحة وغرماء المرض الذين كانوا غرماء في الديون المعروفة الأسباب سواء في عدم جواز إيثار البعض على البعض بقضاء الدين، والعلة اشتراك الكل وتساويهم في تعلق حقهم بمال المريض ، ( إلا إذا قضى ما استقرض في مرضه ) ، هذا استثناء من قوله : ولا يجوز للمريض أن يقضي دين بعض الغرماء دون البعض، وقوله: في مرضه، متعلق بالفعلين جميعا، أعني : قضى واستقرض، فالمعنى: إلا إذا قضى في مرضه ما استقرض في مرضه ، وكذا قوله : ( أو نقد ثمن ما اشترى في مرضه ) ، أي : نقد في مرضه ثمن ما اشترى في مرضه .

( وقد علم ) وجوبه ( بالبينة ) ، أي : والحال أنه قد علم وجوب كل واحد من القضاء والنقد بالبينة أو بمعاينة القاضي فحينئذ يجوز أن يخص المريض المقرض والبائع بقضاء دينهما ويسلم المقبوض لهما، ولا يشاركهما في ذلك غيرهما ؛ لأنه لم يبطل حق الغرماء، بل إنما حوله من محل إلى محل يعد له، وكان تعلق حقهم بالمالية بالصورة والمالية لم تفت بالتحويل .

وفي المبسوط : أرأيت لو رد ما استقرضه بعينه أو فسخ البيع ورد المبيع أكان يمتنع سلامته للمردود عليه لحق غرماء الصحة : لا يمتنع ذلك، فكذلك إذا رد بدله ؛ لأن حكم البدل حكم المبدل . قال في النهاية .

[ ص: 386 ] وذكر في الذخيرة بأوضح من هذا فقال : فإن قضى المريض ديون هؤلاء، هل لغرماء الصحة أن يشاركوهم فيما قبضوا؟ قالوا : لا يشاركون المقرض والبائع ، ويشاركون المرأة والآجر؛ لأن المريض بقضاء دين المقرض والبائع لم يبطل حق غرماء الصحة لما ذكرنا أن حق غرماء الصحة في معنى مال المريض، لا في أعيانه ، وهذا لا يكون إبطالا لحقهم بل كان نقلا لحقهم وله ولاية النقل ألا يرى أنه لو باع ماله ليوفي حقوقهم كان له ذلك .

فأما في النكاح والإجارة فبقضاء المهر والأجر أبطل حق غرماء الصحة عن عين المال وعن ماليته ؛ لأن ما وصل إليه من المنفعة لا يصلح لقضاء حقوقهم ، فصار وجود هذا العوض في حقهم وعدمه بمنزلة فكان إبطالا لحقهم وليست له ولاية الإبطال، انتهى .

( قال ) ، أي : القدوري في مختصره : ( فإذا قضيت ) على صيغة المجهول وفسر المصنف القائم مقام الفاعل بقوله: ( يعني الديون المقدمة ) ، وأراد بالديون المقدمة ديون الصحة والديون اللازمة في المرض بأسباب معلومة ، ( وفضل شيء ) ، وهذا من كلام القدوري ، يعني : وفضل شيء من التركة بعد قضاء الديون المذكورة ( يصرف إلى ما أقر به في حالة المرض ) .

قال المصنف : في تعليله: ( لأن الإقرار في ذاته صحيح ) ، أي : محمول على الصدق في حق المقر لصدوره عن أهله في محله ؛ إذ الكلام فيه فيكون حجة عليه ، ( وإنما رد في حق غرماء الصحة ) لكونه متهما في حق الغير ، ( فإذا لم يبق حقهم ظهرت صحته ) ، أي : صحة إقراره في المرض لزوال المانع . ( قال ) ، أي : القدوري في مختصره : ( وإن لم يكن عليه ) ، أي : على المريض ( ديون في صحته جاز إقراره ) ، وإن كان بكل ماله . قال المصنف : في تعليله: ( لأنه لم يتضمن إبطال حق الغير ) ، يعني : أنه إنما رد لتضمنه إبطال حق الغير، فإذا لم يتضمن ذلك نفذ إقراره لعدم المانع .

أقول : كان الظاهر في وضع المسألة أن يقال : وإن لم يكن عليه ديون في صحته ولا ديون لازمة في مرضه بأسباب معلومة جاز إقراره؛ لأن الديون اللازمة في المرض بأسباب معلومة متقدمة أيضا على الدين الثابت بإقرار المريض، كما مر فإذا كان عليه تلك الديون فالظاهر أن لا يجوز إقراره، وإن لم يكن عليه ديون في صحته لتضمينه إبطال حق غرماء الديون اللازمة في مرضه بأسباب معلومة ، ( وكان المقر له أولى من الورثة ) ، هذا من كلام القدوري أيضا .

قال المصنف : في تعليله ( لقول عمر رضي الله عنه : إذا أقر المريض بدين جاز ذلك عليه في جميع تركته ) : والأثر في مثله كالخبر ؛ لأنه من المقدرات فلا يدرك بالقياس ، فيحمل على أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، كذا في التبيين .

قال صاحب غاية البيان : فيه نظر ؛ لأنه روي في مبسوط خواهر زاده ، وغيره عن ابن عمر لا عمر ، وكذا روي في الأصل حديث محمد بن الحسن فيه عن يعقوب عن محمد بن عبد الله عن نافع عن ابن عمر أنه قال : إذا أقر الرجل في مرضه بدين لرجل غير وارث فإنه جائز وإن أحاط ذلك بماله .

أقول : هذا النظر غير وارد؛ لأن كونه مرويا عن ابن عمر لا ينافي كونه مرويا عن عمر أيضا ، فيجوز أن يسنده بعض الفقهاء في النقل إلى أحدهما، كما وقع في الكتب التي ذكرها وبعضهم إلى الآخر، كما وقع في الهداية والكافي وغيرهما، سيما إذا اختلفت عبارة الفريقين في النقل، ويؤيد ذلك ما ذكره صاحب البدائع ؛ حيث قال : ولنا [ ص: 387 ] ما روي عن عمر وابنه عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنهما قالا : إذا أقر المريض لوارثه لم يجز ، وإذا أقر لأجنبي جاز، انتهى. فتدبر . ( ولأن قضاء الدين من الحوائج الأصلية ) ؛ إذ فيه رفع الحائل بينه وبين الجنة . قال النبي صلى الله عليه وسلم : الدين حائل بينه وبين الجنة ، كذا في الشروح .

( وحق الورثة يتعلق بالتركة بشرط الفراغ ) عن الحاجة ولهذا تقدم حاجته ، أي : حاجة الميت ( في التكفين ) والتجهيز .

أقول : لقائل أن يقول : إن كان قضاء الدين الثابت بإقرار المريض من الحوائج الأصلية لا يتم ما ذكره المصنف فيما مر للفرق بين الدين الثابت بإقرار المريض ، وبين الدين اللازم بمناكحته بقوله بخلاف النكاح؛ لأنه من الحوائج الأصلية وهو بمهر المثل ، ثم أقول : يمكن أن يقال : قضاء الدين الثابت بإقرار المريض يكون من الحوائج الأصلية إذا لم يتحقق هناك دين الصحة، والدين اللازم في المرض بأسباب معلومة أو تحققا، ولكن فضل شيء من التركة بعد قضائهما.

وأما إذا تحققا ولم يفضل شيء من التركة بعد قضائهما ، فلا يكون الدين الثابت بإقرار المريض من الحوائج الأصلية ؛ لأن علة كونه من الحوائج الأصلية أن يرفع به الحائل بين المديون وبين الجنة، كما مر، وتلك العلة منتفية عند تحقق دين الصحة ودين المرض بأسباب معلومة مع عدم وفاء التركة بما سواهما ؛ لأنهما يحولان حينئذ بينه وبين الجنة ما لم يرفعا بقضائهما، بخلاف النكاح فإن علة كونه من الحوائج الأصلية كونه من مصالح المعيشة ، وهذه العلة متحققة في كل حال .

وأجاب بعض الفضلاء عن الإيراد المزبور بأنه لم يظهر ثبوت الدين فيما إذا أقر بدين في مرضه وعليه ديون الصحة لمكان التهمة حتى يكون قضاؤه من الحوائج الأصلية .

أقول : يرد عليه أنه يصير حينئذ مدار الفرق بين ما أقر به في مرضه ، وبين ما لزم بنكاحه عدم ظهور ثبوت الأول لمكان التهمة وظهور ثبوت الثاني؛ إذ المعاين لا مرد له لا عدم كون الأول من الحوائج الأصلية وكون الثاني منها، كما يقتضيه قول المصنف بخلاف النكاح ، فإنه من الحوائج الأصلية، ومورد الإيراد إنما هو قول المصنف هذا ، ويمكن التوجيه فتأمل .




الخدمات العلمية