الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ولو وكله بشراء شيء بعينه فليس له أن يشتريه لنفسه ) [ ص: 45 ] لأنه يؤدي إلى تغرير الآمر حيث اعتمد عليه ولأن فيه عزل نفسه ولا يملكه على ما قيل إلا بمحضر من الموكل ، [ ص: 46 ] فلو كان الثمن مسمى فاشترى بخلاف جنسه أو لم يكن مسمى فاشترى بغير النقود أو وكل وكيلا بشرائه فاشترى الثاني وهو غائب يثبت الملك للوكيل الأول في هذه الوجوه ; لأنه خالف أمر الآمر فينفذ عليه . ولو اشترى الثاني بحضرة الوكيل الأول نفذ على الموكل الأول ; لأنه حضره رأيه فلم يكن مخالفا .

التالي السابق


. ( قال ) أي القدوري في مختصره ( ولو وكله بشراء شيء بعينه فليس له ) أي الوكيل ( أن يشتريه لنفسه ) أي لا يجوز ، حتى لو اشتراه لنفسه يقع الشراء للموكل سواء نوى عند العقد الشراء لنفسه أو صرح به لشراء لنفسه بأن قال : اشهدوا أني قد اشتريت لنفسي ، هذا إذا كان الموكل غائبا ، فإن كان حاضرا وصرح الوكيل بالشراء لنفسه يصير مشتريا لنفسه . كذا في الشروح نقلا عن التتمة . ووضع المسألة في العبد في الذخيرة ثم قال : وإنما كان كذلك ; لأن العبد إذا كان بعينه فشراؤه داخل تحت الوكالة من كل وجه ، فمتى أتى به على موافقة [ ص: 45 ] الآمر وقع الشراء للموكل نوى أو لم ينو . قال المصنف في تعليل مسألة الكتاب ( لأنه ) أي لأن الشراء لنفسه ( يؤدي إلى تعزير الآمر حيث اعتمد عليه ) وذلك لا يجوز ( ولأن فيه ) أي في اشترائه لنفسه ( عزل نفسه ) عن الوكالة ( ولا يملكه على ما قيل إلا بمحضر من الموكل ) ; لأنه فسخ عقد فلا يصح بدون علم صاحبه كسائر العقود كذا في العناية وغاية البيان .

أقول : يرد عليه أن العلم بالعزل في باب الوكالة يحصل بأسباب متعددة : منها حضور صاحبه ، ومنها بعث الكتاب ووصوله إليه ، ومنها إرسال الرسول إليه وتبليغه الرسالة إياه ، ومنها إخبار واحد عدل أو اثنين غير عدلين بالإجماع وإخبار واحد عدلا كان أو غيره عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ، وقد صرح بها في عامة المعتبرات سيما في البدائع . فاشتراط علم الآخر في صحة فسخ أحد المتعاقدين العقد القائم بينهما لا يقتضي أن لا يملك الوكيل عزل نفسه إلا بمحضر من الموكل ; لأن انتفاء سبب واحد لا يستلزم انتفاء سائر الأسباب فلا يتم التقريب ، اللهم إلا أن يحمل وضع المسألة على انتفاء سائر أسباب العلم بالعزل أيضا ، لكنه غير ظاهر من عبارات الكتب أصلا ، ويحتمل أن يكون السر في إقحام المصنف قوله على ما قيل الإيماء إلى ذلك فتأمل .

واعلم أن صاحب البدائع قال في بيان هذه المسألة : الوكيل بشراء شيء بعينه لا يملك أن يشتريه لنفسه ، وإذا اشترى يقع الشراء للموكل ; لأن شراءه لنفسه عزل لنفسه عن الوكالة ، وهو لا يملك ذلك إلا بمحضر من الموكل ، كما لا يملك الموكل عزله إلا بمحضر منه على ما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى . ثم قال في موضعه وهو فصل ما يخرج به الوكيل عن الوكالة أن الوكيل يخرج من الوكالة بأشيائه : منها عزل الموكل إياه ونهيه بأن الوكالة عقد غير لازم فكان محتملا للفسخ بالعزل والنهي .

ولصحة العزل شرطان : أحدهما : علم الوكيل بأن العزل فسخ فلا يلزم حكمه إلا بعد العلم بالفسخ ، فإذا عزله وهو حاضر انعزل ، وكذا لو كان غائبا فكتب إليه كتاب العزل فبلغه الكتاب وعلم ما فيه من العزل ; لأن الكتاب من الغائب كالخطاب ، وكذلك لو أرسل إليه رسولا فبلغ الرسالة وقال : إن فلانا أرسلني إليك يقول إني عزلتك عن الوكالة فإنه ينعزل كائنا من كان الرسول عدلا كان أو غير عدل حرا كان أو عبدا صغيرا كان أو كبيرا بعد أن بلغ الرسالة على الوجه الذي ذكرنا ; لأن الرسول قائم مقام المرسل وسفير عنه فتصح سفارته بعد أن صحت عبارته على أي صفة كان ، وإن لم يكتب كتابا ولا أرسل إليه رسولا ولكن أخبره بالعزل رجلان عدلان كانا أو غير عدلين أو رجل واحد عدل ينعزل في قولهم جميعا سواء صدقه الوكيل أو لم يصدقه إذا ظهر صدق الخبر ; لأن خبر الواحد العدل مقبول في المعاملات ، وإن لم يكن عدلا فخبر العدد أو العدل أولى . وإن أخبره واحد غير عدل ، فإن صدقه ينعزل بالإجماع ، وإن كذبه لا ينعزل ، وإن ظهر صدق الخبر في قول أبي حنيفة . وعندهما ينعزل إذا ظهر صدق الخبر وإن كذبه إلى هنا كلامه .

أقول : لا يذهب عليك أن بين كلاميه المذكورين في الموضعين تدافعا ، فإن ما ذكره في فصل ما يخرج به الوكيل عن الوكالة صريح في صحة عزل الموكل الوكيل بشرط علم الوكيل سواء عزله بمحضر منه أو عزله بغيبته منه ، ولكن علم العزل بسبب من أسباب شتى على ما فصله ، وما ذكره أولا من قوله كما لا يملك الموكل عزله إلا بمحضر منه يدل على حصر صحة عزل الموكل للوكيل في صورة إن عزله بمحضر منه كما ترى . والعجب أنه أحال الأول على الثاني بقوله على ما نذكره في موضعه . قيل : ما الفرق بين هذه المسألة وبين الوكيل بنكاح امرأة بعينها إذا نكحها من نفسه بمثل المهر المأمور به فإنه يقع [ ص: 46 ] على الوكيل لا على الموكل مع أنه لم يخالف في المهر المأمور به . وأجيب بأن النكاح الموكل به نكاح مضاف إلى الموكل ، فإن الوكيل بالنكاح لا بد أن يضيف النكاح إلى موكله فيقول زوجتك لفلان ، والموجود فيما إذا نكحها من نفسه ليس بمضاف إلى الموكل ، فإن النكاح من نفسه هو أن يقول تزوجتك فكانت المخالفة موجودة فوقع على الوكيل ، بخلاف التوكيل بشراء شيء بعينه فإن الموكل به هنا شراء مطلق بمثل الثمن المأمور به لا شراء مضاف إلى الموكل ، فإذا أتى بذلك يقع على الموكل .

( فلو كان الثمن مسمى ) يعني لو وكله بالشراء بثمن مسمى ( فاشترى بخلاف جنسه ) أي بخلاف جنس المسمى بأن سمى دراهم مثلا فاشترى بدنانير ( أو لم يكن مسمى فاشترى بغير النقود ) كالمكيل والموزون ( أو وكل ) أي الوكيل ( وكيلا بشرائه فاشترى الثاني ) أي فاشترى الوكيل الثاني وهو وكيل الوكيل ( وهو غائب ) أي والحال أن الوكيل الأول غائب ( يثبت الملك للوكيل الأول في هذه الوجوه ) أي في هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرها المصنف تفريعا على مسألة القدوري : يعني إنما لا يكون الشراء للوكيل فيما وكل بشراء شيء بعينه فاشتراه لنفسه إذا لم يوجد أحد هذه الوجوه الثلاثة : أما إذا وجد فيكون الشراء للوكيل الأول ( لأنه ) أي الوكيل الأول ( خالف أمر الآمر ) وهو الموكل . أما إذا اشترى بخلاف جنس ما سمى فظاهر ، وأما إذا اشترى بغير النقود فلأن المتعارف نقد البلد فالأمر ينصرف إليه ، وأما إذا وكل وكيلا بشراء فلأنه مأمور بأن يحضر رأيه ولم يتحقق ذلك حال غيبته ( فنفذ ) أي الشراء ( عليه ) أي على الوكيل الأول ( ولو اشترى الثاني ) أي الوكيل الثاني ( بحضرة الوكيل الأول نفذ ) أي الشراء ( على الموكل الأول ; لأنه حضره رأيه ) أي رأي الوكيل الأول ( فلم يكن مخالفا ) أي لم يكن الوكيل الأول مخالفا لأمر آمره ، وذلك إذا كان حاضرا يصير كأنه هو المباشر للعقد .

ألا يرى أن الأب إذا زوج ابنته البالغة بشهادة رجل واحد بحضرتها جاز ؟ فيجعل كأنها هي التي باشرت العقد وكان الأب مع ذلك الرجل شاهدين ، كذا في المبسوط .

قيل : ما الفرق بين الوكيل بالبيع والشراء والنكاح والخلع والكتابة إذا وكل غيره ففعل الثاني بحضرة الأول أو فعل ذلك أجنبي فبلغ الوكيل فأجازه يجوز ، وبين الوكيل بالطلاق والعتاق ؟ فإنه لو وكل غيره فطلق أو أعتق الثاني لا يقع وإن كان بحضرة الوكيل الأول ، والرواية في التتمة والذخيرة .

وأجيب بأن العمل بحقيقة الوكالة في التوكيل بالطلاق والعتاق متعذر ; لأن التوكيل تفويض الرأي إلى الوكيل ، وتفويض الرأي إلى الوكيل إنما يتحقق فيما يحتاج فيه إلى الرأي ، ولا حاجة فيهما إذا انفردا عن مال إلى الرأي فجعلنا الوكالة فيهما مجازا عن الرسالة ; لأنها تتضمن معنى الرسالة والرسول ينقل عبارة المرسل ، فصار المأمور فيهما مأمورا بنقل عبارة الآمر لا بشيء آخر ، وتوكيل الآخر أو الإجازة ليس من النقل في شيء فلم يملكه الوكيل . وأما في البيع والشراء وغيرهما فالعمل [ ص: 47 ] بحقيقة الوكالة ممكن ; لأنها مما يحتاج فيه إلى الرأي ، فاعتبر المأمور وكيلا والمأمور به حضور رأيه وقد حضر بحضوره أو بإجازته




الخدمات العلمية