الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 73 ] ( فصل في البيع )

قال ( والوكيل بالبيع والشراء لا يجوز له [ ص: 74 ] أن يعقد مع أبيه وجده ومن لا تقبل شهادته له عند أبي حنيفة . وقالا : يجوز بيعه منهم بمثل القيمة إلا من عبده أو مكاتبه ) [ ص: 75 ] لأن التوكيل مطلق ولا تهمة إذ الأملاك متباينة والمنافع منقطعة ، بخلاف العبد ; لأنه بيع من نفسه ; لأن ما في يد العبد للمولى [ ص: 76 ] وكذا للمولى حق في كسب المكاتب وينقلب حقيقة بالعجز . وله أن مواضع التهمة مستثناة عن الوكالات ، وهذا موضع التهمة بدليل عدم قبول الشهادة ولأن المنافع بينهم متصلة فصار بيعا من نفسه من وجه ، والإجارة والصرف على هذا الخلاف .

التالي السابق


( فصل في البيع )

لما فرغ من بيان أحكام التوكيل بالشراء شرع في بيان أحكام التوكيل بالبيع ، وما ذكر لتقديم فصل الشراء ثمة فهو وجه تأخير فصل البيع هنا ، كذا في الشروح . أقول : لقائل أن يقول : قد ذكر في هذا الفصل كثير من أحكام التوكيل بالشراء ، ولم لم يذكر ذلك في الفصل المتقدم : منها قوله والوكيل بالبيع والشراء لا يجوز أن يعقد مع أبيه وجده إلخ ، فإن الحكم فيه حكم مشترك بين التوكيل بالبيع والتوكيل بالشراء . ومنها قوله والتوكيل بالشراء يجوز عقده بمثل القيمة وزيادة يتغابن الناس في مثلها ، ولا يجوز بما لا يتغابن الناس في مثله فإن الحكم فيه حكم التوكيل بالشراء . ومنها قوله وإن وكله بشراء عبد فاشترى نصفه فالشراء موقوف إلخ ، فإن الحكم فيه أيضا حكم التوكيل بالشراء ; فقولهم لما فرغ من بيان أحكام التوكيل بالشراء شرع في بيان أحكام التوكيل بالبيع محل مناقشة . ويمكن الجواب بنوع عناية فتأمل .

( قال ) أي القدوري في مختصره ( والوكيل بالبيع والشراء لا يجوز له [ ص: 74 ] أن يعقد مع أبيه وجده ومن لا تقبل شهادته له ) أي وسائر من لا تقبل شهادته له كولده وولد ولده وزوجته وعبيده ومكاتبه ، صرح القدوري في مختصره بهذه الأمثلة . إلا أن المصنف قصد الإجمال فقال بدلها : ومن لا تقبل شهادته له . قال الشارح العيني في تمثيل قوله ومن لا تقبل شهادته له مثل ابنه وأخيه . أقول : في تمثيله الثاني خبط ظاهر ، فإنه تقبل شهادة الأخ لأخيه بلا خلاف كما مر في كتاب الشهادة ( عند أبي حنيفة رحمه الله ) والمراد بعدم جواز البيع والشراء مع هؤلاء عند أبي حنيفة عدم جواز ذلك عنده في مطلق الوكالة . وأما إذا قيد الوكالة بعموم المشيئة بأن قال بع ممن شئت فيجوز بيعه وشراؤه مع هؤلاء بلا خلاف ، بخلاف البيع من نفسه أو من ابن صغير له حيث لا يجوز وإن قال ذلك ، كذا صرح به في المبسوط ، ونقل عنه في النهاية ومعراج الدراية .

( وقالا : يجوز بيعه منهم بمثل القيمة ) قال بعضهم : تخصيص البيع بالذكر من قبيل الاكتفاء بذكره من الشراء وإلا ففيه خلاف أيضا . وقال صاحب النهاية : خص قولهما في الكتاب في حق جواز البيع منهم بمثل القيمة ، وكذلك في شرح الطحاوي فكان فيه إشارة إلا أنه لا يجوز عندهما أيضا في الغبن اليسير ، وإلا لم يكن لتخصيص مثل القيمة فائدة . ولكن ذكر في الذخيرة أن البيع منهم بالغبن اليسير يجوز عندهما فكان الغبن اليسير ملحقا بمثل القيمة على ذلك التقدير فقال فيها الوكيل بالبيع إذا باع ممن لا تقبل شهادته له إن كان بأكثر من القيمة يجوز بلا خلاف ، وإن كان بأقل من القيمة بغبن فاحش لا يجوز بالإجماع ، وإن كان بغبن يسير لا يجوز عند أبي حنيفة ، وعندهما يجوز ، وإن كان بمثل القيمة ; فعن أبي حنيفة روايتان ، في رواية الوكالة والبيوع لا يجوز ، وفي رواية المضاربة يجوز ، وبيع المضارب وشراؤه ممن لا تقبل شهادته له بغبن يسير لا يجوز عند أبي حنيفة ، وبيعه منه بأكبر من القيمة وشراؤه منه بأقل من القيمة يجوز بلا خلاف ، وبمثل القيمة يجوز عندهما ، وكذلك عند أبي حنيفة باتفاق الروايات . فأبو حنيفة فرق على رواية الوكالة والبيوع بين المضارب وبين الوكيل انتهى كلامه .

فإن قيل : ما وجه الفرق لأبي حنيفة على هذه الرواية بين المضارب والوكيل حيث جوز بيع المضارب من هؤلاء بمثل القيمة ظهر الربح أو لم يظهر مع أن له قبل ظهور الربح حكم الوكيل . أجيب بأن وجهه أن المضارب أعم تصرفا من الوكيل فقد يستبد بالتصرف على وجه لا يملك رب المال نهيه ، وقد يكون نائبا محضا في بعض الأحوال فلشبهه بالمستبد بالتصرف جاز تصرفه مع هؤلاء بمثل القيمة ، ولشبهه بالنائب لم يجز تصرفه معهم بغبن يسير ، فأما الوكيل فنائب محض في تصرف خاص فيكون متهما في تصرفه مع هؤلاء في حق الموكل وإن كان بمثل القيمة ( إلا من عبده أو مكاتبه ) فإنه لا يجوز عندهما أيضا ، قيد في المبسوط بقوله إلا من عبده الذي [ ص: 75 ] لا دين عليه ; لأن كسبه ملك مولاه فبيعه منه كبيعه من نفسه ، فكان فيه إشارة إلى أنه لو كان عليه دين يجوز بيعه منه عند تعميم المشبه ، كذا في النهاية ومعراج الدراية . قال بعض الفضلاء : فيه تأمل ، فإن العبد الذي عليه دين محيط بما في يده ملك لمولاه عند أبي يوسف ومحمد فلا يظهر للتقييد فائدة انتهى .

أقول : نعم إن العبد الذي عليه دين يحيط بماله ورقبته يملك مولاه ما في يده عندهما إلا أنه يتعلق به حق الغرماء ، حتى لو أعتق مولاه من كسبه عبدا يعتق عندهما ولكن يضمن قيمته للغرماء ، وأما عند أبي حنيفة فلا يملك مولاه ما في يده ، ولو أعتق من كسبه عبدا لا يعتق . ففائدة التقييد تظهر بناء على تعلق حق الغرماء بما في يده عندهما أيضا حتى يصير مولاه ممنوعا عن أن ينتزعه من يده ، ولهذا جاز بيع العبد المأذون الذي عليه دين من مولاه شيئا من أكسابه وبيع مولاه منه شيئا من أمواله عندهم جميعا ولم يجز بيع العبد المأذون الغير المديون شيئا من مولاه ولا يبيع مولاه شيئا منه عندهم أصلا ، وسينكشف ذلك كله في كتاب المأذون ، فقوله في المبسوط ; لأن كسبه ملك مولاه فبيعه منه كبيعه من نفسه معناه أن كسبه ملك خالص لمولاه لم يتعلق به حق الغير فبيعه منه كبيعه من نفسه ، بخلاف العبد المديون .

قال المصنف في تعليل ما ذكر في الكتاب من جانبهما ( لأن التوكيل مطلق ) أي عن التقييد بشخص دون آخر ، والمطلق يعمل بإطلاقه فكان المقتضى موجودا والمانع منتف ; لأن المانع هو التهمة ( ولا تهمة هاهنا ) ; لأنها إما أن تكون من حيث إيثار العين أو من حيث إيثار المالية وليس شيء منهما بموجود ، أما الأول فلما ذكره بقوله ( إذ الأملاك متباينة ) ألا يرى أنه يحل للابن وطء جارية نفسه ولا يحل له وطء جارية أبيه ، ولو لم يكن ملكه متباينا عن ملك أبيه لكانت جاريته جارية مشتركة ولما حل له وطؤها كما لا يحل له وطئ جارية أبيه ( والمنافع منقطعة ) ; لأن تباين الأملاك يوجب انقطاع المنافع ، وإذا كان الأمر كذلك فلا نفع له من حيث إيثار العين فلا تهمة .

وأما الثاني فلأن التقدير بمثل القيمة ينفيه ، فإذا وجد المقتضى وانتفى المانع وجب القول بالجواز كما في البيع من الأجنبي ( بخلاف العبد ) يعني الذي لا دين عليه لما عرفت ( لأنه بيع من نفسه ) أي ; لأن بيع الوكيل من مثل ذلك العبد بيع من نفسه ( لأن ما في يد العبد ) أي ما في يد مثل ذلك العبد ( للمولى ) أي ملك خالص للمولى لا حق فيه للغير ، فصار البيع [ ص: 76 ] منه بيعا من نفسه ، والبيع من نفسه غير جائز ; لأن الواحد إذا تولى طرفي البيع كان مستزيدا مستنقصا قابضا مسلما مخاصما مخاصما في العيب ، وفيه من التضاد ما لا يخفى ( وكذا للمولى حق في كسب المكاتب ) حتى لا تصح تبرعاته ولا تزويج عبده ( وينقلب حقيقة بالعجز ) يعني وقد ينقلب حق المولى في كسب المكاتب إلى حقيقة الملك بعجز المكاتب عن أداء بدل الكتابة فصار كالعبد ( وله ) أي ولأبي حنيفة ( أن مواضع التهمة مستثناة من الوكالات ) يعني من سلمنا أن التوكيل مطلق لكن مواضع التهمة مستثناة من الوكالات ; لأنها شرعت للإعانة فكانت مواضع أمانة ( وهذا ) أي ما نحن فيه ( موضع التهمة بدليل عدم قبول الشهادة ) أي فيما بينهم ( ولأن المنافع بينهم متصلة ) ; لأن كل واحد منهم ينتفع بمال الآخر عادة فصار مال كل واحد منهم كمال صاحبه من وجه ( فصار ) أي بيع الوكيل من هؤلاء ( بيعا من نفسه من وجه ) فكان فيه تهمة إيثار العين . قال صاحب العناية في شرح دليل أبي حنيفة هاهنا : ولأبي حنيفة القول بالموجب .

أقول : ليس الأمر كذلك ; لأن القول بالموجب على ما تقرر في كتب الأصول التزام ما يلزمه المعلل مع بقاء الخلاف ، وها هنا ليس كذلك ; لأن حاصل التعليل المذكور من قبلهما أن التوكيل مطلق والتهمة منتفية لتباين الأملاك وانقطاع المنافع .

وحاصل ما ذكر من قبله أن التهمة متحققة والمنافع متصلة ، والظاهر أن مآل هذا منع لما علل به من قبلهما لا تسليم والتزام ، فلم يكن له من القول بالموجب في شيء . نعم فيه تسليم لمقدمة واحدة من التعليل المذكور وهي أن التوكيل مطلق لكن لا يتم بها وحدها مطلوبهما فلا يكون تسليمها تسليما للتعليل المذكور من قبلهما كما لا يخفى . قال المصنف ( والإجارة والصرف على هذا الخلاف ) يعني أن الوكالة بالإجارة والصرف على هذا الخلاف المذكور ، وإنما خصهما بالذكر ; لأن الإجارة شرعت على خلاف القياس ; لأن المعقود عليه وهو المنافع معدومة ، والصرف مشروط بشروط عري عنها غيره فكانا مما يظن عدم جوازه مع هؤلاء بالإجماع ، فبين أن الحكم فيهما كالحكم فيما سواهما ، كذا في الشروح .

أقول : السلم أيضا شرع على خلاف القياس وله شروط مخالفة للغير ، فكان الأحسن أن يذكره المصنف معهما ، كما قال في المختلف حيث [ ص: 77 ] قال فيه بعد بيان الخلاف المذكور : والسلم والصرف والإجارة على هذا الخلاف




الخدمات العلمية