الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 39 ] ( وله أن يحبسه حتى يستوفي الثمن ) لما بينا أنه بمنزلة البائع من الموكل . وقال زفر : ليس له ذلك ; لأن الموكل صار قابضا بيده فكأنه سلمه إليه فيسقط حق الحبس . قلنا : هذا لا يمكن التحرز عنه [ ص: 40 ] فلا يكون راضيا بسقوط حقه في الحبس ، على أن قبضه موقوف فيقع للموكل إن لم يحبسه ولنفسه عند حبسه ( فإن حبسه فهلك كان مضمونا ضمان الرهن عند أبي يوسف وضمان المبيع عند محمد ) وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، وضمان الغصب عند زفر رحمه الله ; لأنه منع بغير حق ، لهما أنه بمنزلة البائع منه فكان حبسه لاستيفاء الثمن فيسقط بهلاكه [ ص: 41 ] ولأبي يوسف أنه مضمون بالحبس للاستيفاء بعد أن لم يكن وهو الرهن بعينه بخلاف المبيع ; لأن البيع ينفسخ بهلاكه وها هنا لا ينفسخ أصل العقد . قلنا : ينفسخ في حق الموكل والوكيل ، كما إذا رده الموكل بعيب ورضي الوكيل به .

التالي السابق


( وله ) أي للوكيل ( أن يحبسه ) أي يحبس المبيع عن الموكل ( حتى يستوفي الثمن ) سواء كان الوكيل دفع الثمن إلى البائع أو لم يدفع ، كذا في الشروح نقلا عن المبسوط . قال في الذخيرة : لم يذكر محمد في شيء من الكتب أن الوكيل إذا لم ينقد الثمن وسامحه البائع وسلم المبيع إليه هل له حق الحبس عن الموكل إلى أن يستوفي الدراهم منه . وحكي عن الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني أن له ذلك ، وأنه صحيح ; لأن حق الحبس للوكيل في موضع نقد الثمن لأجل بيع حكمي انعقد بين الوكيل والموكل ، وهذا المعنى لا يختلف بين النقد وعدمه انتهى .

وقال صاحب غاية البيان : قلت هذا كلام عجيب من صاحب الذخيرة ، وكيف خفي عليه هذا ؟ وقد صرح محمد في الأصل في باب الوكالة في الشراء فقال : وإذا وكل الرجل رجلا أن يشتري له عبدا بألف درهم بعينه فاشتراه الوكيل وقبضه فطلب الآمر أخذ العبد من الوكيل وأبى الوكيل أن يدفعه فللوكيل أن يمنعه ذلك حتى يستوفي الثمن في قول أبي حنيفة ، وإن كان الوكيل نقد الثمن أو لم ينقد فهو سواء ، إلى هنا لفظ محمد في الأصل انتهى .

قال المصنف ( لما بينا أنه ) أي الوكيل ( بمنزلة البائع من الموكل ) أشار به إلى قوله ; لأنه انعقدت بينهما مبادلة حكمية وللبائع حق حبس المبيع عن المشتري بقبض الثمن فكذا للوكيل ، وهذا لا يفصل بين أن يكون الوكيل دفع الثمن إلى البائع أو لا ( وقال زفر : ليس له ذلك ) أي ليس للوكيل حبس المبيع لاستيفاء الثمن ( لأن الموكل صار قابضا بيده ) أي بيد الوكيل : يعني أن الموكل صار قابضا بقبض الوكيل بدليل أن هلاكه في يد الوكيل كهلاكه في يد الموكل ( فكأنه سلمه إليه ) أي فكأن الوكيل سلم المبيع إلى الموكل ( فيسقط حق الحبس ) تشريحه أن يد الوكيل يد الموكل حكما ، فلو وقع في يد الموكل حقيقة لم يكن للوكيل حق الحبس ، وكذا إذا وقع في يده حكما ( قلنا ) لنا طريقان في الجواب عنه : مدار أحدهما تسليم أن الموكل صار قابضا بقبض الوكيل . ومدار الآخر منع ذلك .

فأشار إلى الأول بقوله ( هذا ) أي هذا القبض ( مما لا يمكن التحرز عنه ) يعني سلمنا أن الموكل صار قابضا بقبض الوكيل لكن هذا القبض مما لا يمكن التحرز عنه ; لأن الوكيل لا يتوسل إلى الحبس ما لم يقبض ، ولا يمكنه أن يقبض على وجه لا يصير الموكل قابضا ، وما لا يمكن التحرز عنه فهو عفو فلا يسقط به حق الوكيل في الحبس ; لأن سقوط [ ص: 40 ] حقه باعتبار رضاه بتسليمه ، ولا يتحقق منه الرضا فيما لا طريق له إلى التحرز عنه ، وإذا كان كذلك ( فلا يكون راضيا بسقوط حقه في الحبس ) وأشار إلى الطريق الثاني بقوله ( على أن قبضه موقوف ) يعني على أنا لا نسلم أن الموكل صار قابضا بقبض الوكيل بل قبض الوكيل في الابتداء موقوف : أي متردد بين أن يكون لتتميم مقصود الموكل وأن يكون لإحياء حق نفسه ، وإنما يتبين أحدهما عن الآخر بحبسه ( فيقع للموكل إن لم يحبسه ولنفسه عند حبسه ) يعني إن لم يحبسه عن الموكل عرفنا أنه كان عاملا للموكل فيقع له ، وإن حبسه عنه عرفنا أنه كان عاملا لنفسه وإن الموكل لم يصر قابضا بقبضه ( فإن حبسه ) أي حبس الوكيل المبيع ( فهلك ) أي المبيع ( كان مضمونا ضمان الرهن عند أبي يوسف ) يعني يعتبر الأقل من قيمته ومن الدين ، فإذا كان الثمن خمسة عشر مثلا وقيمة المبيع عشرة رجع الوكيل على الموكل بخمسة ( وضمان المبيع عند محمد ) يعني يسقط به الثمن قليلا كان أو كثيرا ، وهذا الذي ذكره القدوري في مختصره ولم يذكر فيه قول أبي حنيفة كما لم يذكر في المختلف والحصر وغير ذلك ، ولكن قال الشيخ أبو نصر البغدادي : ذكر في الجامع قول أبي حنيفة مثل قول محمد ، فلذلك قال المصنف ( وهو ) أي قول محمد .

( قول أبي حنيفة ) ولم يقل رأسا وضمان المبيع عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله على ما هو اللائق المعتاد فيما إذا اتحد قولهما ( وضمان الغصب عند زفر ) يعني يجب مثله أو قيمته بالغة ما بلغت . قال في العناية : فلا يرجع الوكيل على الموكل إن كان ثمنه أكثر ، ويرجع الموكل على الوكيل إذا كانت قيمته أكثر انتهى . وهو المفهوم مما ذكر في أكثر الشروح . وقال الشارح تاج الشريعة : فيرجع الوكيل على الموكل إن كان ثمنه أكثر ، ويرجع الموكل على الوكيل إن كانت قيمته أكثر انتهى .

وهو المفهوم مما ذكره صدر الشريعة في شرح الوقاية . وهو الظاهر عندي على قول زفر تأمل تقف ( لأنه ) أي الحبس ( منع بغير حق ) لما مر أن قبض الوكيل قبض الموكل ، وليس له حق الحبس فيه فصار غاصبا ( لهما ) أي لأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ( أنه ) أي الوكيل ( بمنزلة البائع منه ) أي من الموكل كما تقدم ( فكان حبسه لاستيفاء الثمن ) إذ للبائع حق حبس المبيع لاستيفاء الثمن ( فيسقط ) أي الثمن ( بهلاكه ) أي بهلاك المبيع .

واعتراض بأنه لو كان كذلك لزم الضمان حبس أو لم يحبس ; لأن المبيع مضمون على البائع وإن لم يحبس . وأجيب بأنه إذا حبس تعين أنه بالقبض كان عاملا لنفسه فتقوى جهة كونه بائعا فلزم الضمان ، وأما إذا لم يحبس فقبضه كان لموكله فأشبه الرسول فهلك عنده أمانة كذا في العناية . أقول : لقائل أن يقول كما أنه يشبه الرسول يشبه البائع أيضا [ ص: 41 ] لانعقاد المبادلة الحكمية بينهما كما مر ، فإن لم تجعل جهة مشابهته بالبائع ساقطة عن حيز الاعتبار فيما إذا لم يحبس المبيع لم يظهر وجه عدم الضمان في هذه الصورة كما لا يخفى ، وإن جعلت تلك الجهة ساقطة عن حيز الاعتبار في هذه الصورة فمع عدم ظهور علة الإسقاط فيما يلزم أن لا يتمشى فيها ما ذكر فيما سبق من تعليل مسألة رجوع الوكيل بالشراء بالثمن على الموكل فيما إذا دفعه من ماله وقبض المبيع بانعقاد المبادلة الحكمية بينهما مع أن تلك المسألة شاملة لصورتي الحبس وعدم الحبس ، وعلتها انعقاد المبادلة الحكمية بينهما فتأمل ( ولأبي يوسف أنه ) أي الهالك ( مضمون بالحبس للاستيفاء بعد أن لم يكن ) أي بعد أن لم يكن مضمونا ; لأنه لم يكن مضمونا قبل الحبس كما تقدم وصار مضمونا بعد الحبس ، وكل ما هو كذلك فهو بمعنى الرهن ، أشار إليه بقوله ( وهو الرهن بعينه ) يعني هو بمعنى الرهن ، وهذا لإثبات مدعاه ، وقوله ( بخلاف المبيع ) لنفي قولهما : يعني أن المشتري المحبوس هاهنا ليس كالمبيع ( لأن البيع ينفسخ بهلاكه ) أي بهلاك المبيع ( وها هنا لا ينفسخ أصل العقد ) يعني الذي بين الوكيل وبائعه . وأجاب المصنف عنه بقوله ( قلنا ينفسخ ) أي العقد ( في حق الموكل والوكيل ) وإن لم ينفسخ في حق البائع والوكيل ومثله لا يمتنع ( كما إذا رده الموكل بعيب ) أي إذا وجد الموكل عيبا بالمشترى فرده إلى الوكيل ( ورضي الوكيل به ) فإنه يلزم الوكيل وينفسخ العقد بينه وبين الموكل وإن لم ينفسخ بينه وبين بائعه .

قال صاحب غاية البيان : وهذه مغالطة على أبي يوسف ; لأنه يفرق بين هلاك المبيع قبل القبض في يد البائع وبين هلاكه في يد الوكيل بعد الحبس ; ففي الأول ينفسخ البيع وفي الثاني لا ، وانفساخ البيع بين الوكيل والموكل بالرد بالعيب لا يدل على انفساخه من الأصل إذا هلك في يد الوكيل فخرج الجواب عن موضع النزاع انتهى .

وقال صاحب العناية بعد نقل ذلك : وإنه كما ترى فاسد ; لأنه إذا فرض أن الوكيل بائع كان الهلاك في يده كالهلاك في يد بائع ليس بوكيل فاستويا في وجود الفسخ وبطل الفرق ، بل إذا تأملت وجدت ما ذكر من جانب أبي يوسف غلطا أو مغالطة ، وذلك ; لأن البائع عن الوكيل بمنزلة بائع البائع ، وإذا انفسخ العقد بين المشتري وبائعه لا يلزم منه الفسخ بين البائع وبائعه فكان ذكره أحدهما : يعني غلطا أو مغالطة




الخدمات العلمية