الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( وإذا ادعت امرأة صبيا أنه ابنها لم تجز دعواها حتى تشهد امرأة على الولادة ) ومعنى المسألة أن تكون المرأة ذات زوج لأنها تدعي تحميل النسب على الغير فلا تصدق إلا بحجة ، [ ص: 312 ] بخلاف الرجل لأنه يحمل نفسه النسب ، ثم شهادة القابلة كافية فيها لأن الحاجة إلى تعيين الولد .

أما النسب فيثبت بالفراش القائم ، وقد صح { أن النبي عليه الصلاة والسلام قبل شهادة القابلة على الولادة } ( ولو كانت معتدة فلا بد من حجة تامة ) عند أبي حنيفة وقد مر في الطلاق ، وإن لم تكن منكوحة ولا معتدة قالوا : يثبت النسب منها بقولها لأن فيه إلزاما على نفسها دون غيرها . [ ص: 313 ] ( وإن كان لها زوج وزعمت أنه ابنهما منه وصدقها فهو ابنهما وإن لم تشهد امرأة ) لأنه التزم نسبه فأغنى ذلك عن الحجة .

التالي السابق


( قال ) أي محمد في الجامع الصغير ( وإذا ادعت امرأة صبيا أنه ابنها لم تجز دعوتها حتى تشهد امرأة على الولادة ) قال المصنف : اقتفاء أثر عامة المشايخ في تقييد هذه المسألة ( ومعنى المسألة أن تكون المرأة ذات زوج ) وادعت أنه ابنها من هذا الزوج وأنكر الزوج ذلك ( لأنها تدعي تحميل النسب على الغير ) وهو الزوج ( فلا تصدق إلا بحجة ) يعني أن المرأة تقصد إلزام النسب على الزوج والإلزام لا بد له من الحجة ، وسبب لزوم النسب وإن كان قائما وهو النكاح لكن الحاجة إلى إثبات الولادة والنكاح [ ص: 312 ] لا توجب الولادة لا محالة ، ولا تثبت الولادة وتعيين الولد إلا بحجة فلا بد لها من حجة .

كذا في الكافي وغيره ( بخلاف الرجل ) أي الزوج حيث يصدق في دعوة الولد من غير شهادة أحد وإن أنكرت المرأة ( لأنه يحمل نفسه النسب ) وفي بعض النسخ : تحمل على نفسه النسب ( ثم شهادة القابلة كافية فيها ) أي في دعوى المرأة في المسألة المارة ( لأن الحاجة إلى تعيين الولد ) بأنه الذي ولدته تلك المرأة وشهادة القابلة حجة فيه لأنه مما لا يطلع عليه الرجال فيقبل فيه قول النساء ( أما النسب فيثبت بالفراش القائم ) يعني أما النسب فيثبت بالفراش القائم في الحال ، فلا حاجة إلى إثباته حتى تلزم الحجة التامة ( وقد صح { أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة القابلة على الولادة } ) فكانت حجة فيها ( ولو كانت معتدة فلا بد من حجة تامة عند أبي حنيفة ) يعني هذا الذي ذكرناه فيما إذا كانت منكوحة ، أما إذا لم تكن منكوحة ولكن كانت معتدة وادعت النسب على الزوج احتاجت إلى حجة تامة عند أبي حنيفة رحمه الله ، وهي شهادة رجلين أو رجل وامرأتين إلا إذا كان هناك حبل ظاهر أو اعتراف من قبل الزوج ، وقالا : يكفي في الجميع شهادة امرأة واحدة ( وقد مر في الطلاق ) أي في باب ثبوت النسب من كتاب الطلاق ( وإن لم تكن منكوحة ولا معتدة قالوا : يثبت النسب منها بقولها ) أي من غير بينة أصلا ( لأن فيه إلزاما على نفسها دون غيرها ) وفي هذا لا فرق بين الرجل والمرأة ، هذا ما ذهب إليه عامة المشايخ واختاره المصنف .

ومنهم من أجرى المسألة على إطلاقها وقال : لا يقبل قولها سواء كانت ذات زوج أو لم تكن عملا بإطلاق ما ذكر محمد ، وفرق بين الرجل والمرأة حيث جازت دعوة الولد منه بلا بينة ولم تجز منها بدون البينة . وجه الفرق أن الأصل أن كل من ادعى معنى لا يمكنه إثباته بالبينة كان القول فيه قوله من غير بينة وكل من يدعي معنى يمكنه إثباته بالبينة لا يقبل فيه قوله إلا بالبينة .

وبيان هذا أن من قال لامرأته : إن دخلت الدار فأنت طالق فادعت المرأة الدخول وكذبها لا تصدق إلا ببينة لإمكان إثباته بالبينة ، ولو علق طلاقها بحيضها والمسألة بحالها يقبل قولها من غير بينة لمكان العجز عن الإثبات بالبينة ففي ما نحن فيه يمكن للمرأة إثبات النسب بالبينة لأن انفصال الولد منها مما يشاهد ويعاين فلا بد لها من بينة ، ولا كذلك الرجل لأنه لا يمكنه إقامة البينة على الإعلاق والإحبال لمكان الخفاء والتغيب عن عيون الناظرين فلا يحتاج إليها كذا في الشروح .

أقول : فيه بحث ، أما أولا فلأن الرجل وإن لم يمكنه إثبات الإعلاق والإحبال إلا أنه يمكنه [ ص: 313 ] إثبات النسب ، إذ قد تقرر في كتاب الشهادة أنه يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه بالسماع ممن يثق به في مواضع عديدة : منها النسب ، وليس من ضرورة ادعاء الرجل ولدا أنه ابنه وثبوت نسبه منه ثبوت وقوع الإعلاق والإحبال منه ألبتة ، وإلا لما تيسر إثبات دعوة البنوة من الرجل أصلا : أي ولو كان هناك منازع شرعي ، إذ لا يمكنه إثبات الإعلاق والإحبال قطعا ، مع أن مسائل التنازع بين الرجلين في بنوة ولد وإثباتها شرعا أكثر من أن تحصى ، فظهر أن المقصود من ادعاء الرجل بنوة ولد ثبوت نسبه منه دون ثبوت وقوع الإعلاق والإحبال منه ، فلما أمكنه إثبات نسبه منه لزمه أيضا إقامة البينة على الأصل المذكور في وجه الفرق فلا يتم المطلوب .

وأما ثانيا فلأن الوجه المذكور للفرق المزبور مما لا يجدي في مسألتنا ; لأن كون المدعي مما يمكن للمدعي إثباته بالبينة إنما يقتضي احتياج المدعي إلى إقامة البينة إذا وجد هناك من يكذبه وينكر ما ادعاه كما في الصورة المذكورة للبيان وما ادعته المرأة في مسألتنا وإن كان ما يمكنها إثباته بالبينة كما بين إلا أنه مما لم ينكره أحد ; لأن كلامنا فيما إذا لم يوجد من يكذبها بأن لم تكن منكوحة ولا معتدة ، ولهذا قال المصنف في تعليل المسألة : لأن فيه إلزاما على نفسها دون غيرها انتهى .

فكيف يتصور القول باحتياجها إلى إقامة البينة فتدبر ( وإن كان لها زوج وزعمت أنه ابنها منه ) أي ادعت أن الولد ابنها من ذلك الزوج ( وصدقها ) أي وصدق ( الزوج ) إياها ( فهو ابنهما وإن لم تشهد امرأة ) أي وإن لم تشهد امرأة على الولادة : يعني لا حاجة هاهنا إلى شهادة القابلة ( لأنه ) أي الزوج ( التزم نسبه ) أي نسب الولد ( فأغنى ذلك عن الحجة ) لأن النسب يثبت بمجرد إقرار الزوج بلا دعوى امرأة إذ ليس فيه تحميل النسب على الغير ، ومع دعوى امرأة أولى ، وهذه المسألة من مسائل الجامع الصغير .




الخدمات العلمية