الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ومن أمر رجلا بشراء عبد بألف فقال قد فعلت ومات عندي وقال الآمر اشتريته لنفسك فالقول قول الآمر ، فإن كان دفع إليه الألف فالقول قول المأمور ) ; لأن في الوجه الأول أخبر عما لا يملك استئنافه وهو الرجوع بالثمن على الآمر وهو ينكر والقول للمنكر . [ ص: 52 ] وفي الوجه الثاني هو أمين يريد الخروج عن عهدة الأمانة فيقبل قوله .

ولو كان العبد حيا حين اختلفا ، إن كان الثمن منقودا فالقول للمأمور ; لأنه أمين ، وإن لم يكن منقودا فكذلك عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ; لأنه يملك استئناف الشراء فلا يتهم في الإخبار عنه . وعن أبي حنيفة رحمه الله : القول للأمر ; لأنه موضع تهمة بأن اشتراه لنفسه ، فإذا رأى الصفقة خاسرة ألزمها الآمر ، بخلاف ما إذا كان الثمن منقودا ; لأنه أمين فيه فيقبل قوله تبعا لذلك ولا ثمن في يده هاهنا ، [ ص: 53 ] وإن كان أمره بشراء عبد بعينه ثم اختلفا والعبد حي فالقول للمأمور سواء كان الثمن منقودا أو غير منقود ، وهذا بالإجماع ; لأنه أخبر عما يملك استئنافه ، ولا تهمة فيه ; لأن الوكيل بشراء شيء بعينه لا يملك شراءه لنفسه بمثل ذلك الثمن في حال غيبته على ما مر ، بخلاف غير المعين على ما ذكرناه لأبي حنيفة رحمه الله .

التالي السابق


( قال ) أي محمد في الجامع الصغير ( ومن أمر رجلا بشراء عبد بألف فقال ) أي المأمور ( قد فعلت ومات عندي وقال الآمر اشتريته لنفسك فالقول قول الآمر ، فإن كان ) أي الآمر ( دفع إليه ) أي إلى المأمور ( الألف فالقول قول المأمور ; لأن في الوجه الأول ) وهو ما إذا لم يكن الثمن منقودا إلى المأمور ( أخبر ) أي المأمور ( عما لا يملك استئنافه ) أي استئناف سببه ( وهو الرجوع بالثمن على الآمر ) فإن سبب الرجوع على الآمر هو العقد وهو لا يقدر على استئنافه ; لأن العبد ميت إذ الكلام فيه ، والميت ليس بمحل للعقد فكان قول الوكيل فعلت ومات عندي لإرادة الرجوع على الآمر ( وهو ) أي الآمر ( ينكر ) ذلك ( والقول للمنكر ) فقول المصنف لا يملك استئنافه معناه لا يملك استئناف سببه على طريق المجاز بالحذف ، والضمير المرفوع [ ص: 52 ] في قوله وهو الرجوع بالثمن راجع إلى " ما " في عما لا يملك استئنافه ، وهذا هو الوجه الأحسن في حل عبارة المصنف هنا ، وإليه ذهب صاحب العناية . وقيل : إنما قال وهو الرجوع ولم يقل وهو العقد ; لأن مقصود الوكيل من ذكر العقد الرجوع بالثمن على الآمر لا العقد لأجل الآمر ، فترك الواسطة وهي العقد وصرح بالمقصود وهو الرجوع فكان ذكرا للمسبب وإرادة للسبب ، وجاز هذا ; لأن الرجوع بالثمن على الآمر مختص بالشراء لأجل الآمر ، وإلى هذا التوجيه ذهب أكثر الشراح . قال في الكفاية بعد ذكر هذا : وفي بعض النسخ لا يملك استئنافه ، وهو بهذا يريد الرجوع بالثمن على الآمر ، وهذا ظاهر انتهى .

( وفي الوجه الثاني ) وهو ما إذا كان الثمن منقودا إلى المأمور ( هو ) أي المأمور ( أمين يريد الخروج عن عهدة الأمانة فيقبل قوله ) قال صدر الشريعة في شرح الوقاية : علل في الهداية فيما إذا لم يدفع الآمر الثمن بأن الوكيل أخبر بأمر لا يملك استئنافه ، وفيما إذا دفع بأن الوكيل أمين يريد الخروج عن عهدة الأمانة . أقول : كل واحد من التعليلين شامل للصورتين فلم يتم به الفرق ، بل لا بد من انضمام أمر آخر ، وهو أن فيما إذا لم يدفع الثمن يدعي الثمن على الآمر وهو ينكره فالقول للمنكر ، وفيما إذا دفع الثمن يدعي الآمر الثمن على المأمور فالقول للمنكر ، إلى هنا كلامه .

أقول : ليس الأمر كما زعمه ، بل كل واحد من التعليلين مخصوص بصورته . أما الأول فلأن كون المصنف فيه وهو الرجوع بالثمن على الآمر وهو ينكر ، والقول للمنكر لا يشمل الصورة الثانية إذ الثمن فيها مقبوض للوكيل فلا يريد الرجوع به على الآمر قطعا ، وقد لبس هذا القائل في تعليله حيث ذكر أول التعليل الأول وترك آخره الفارق بين الصورتين . والعجب أنه ضم إلى ما ذكره ما هو في معنى ما تركه .

وأما الثاني فلأن الثمن ليس بمقبوض الوكيل في الصورة الأولى فلا يصح أن يقال فيها إنه أمين يريد الخروج عن عهدة الأمانة فيقبل قوله كما لا يخفى ( ولو كان العبد حيا حين اختلفا ) فقال المأمور اشتريته لك ، وقال الآمر بل اشتريته لنفسك ( إن كان الثمن منقودا فالقول للمأمور ; لأنه أمين ) يريد الخروج عن عهدة الأمانة فيقبل قوله كما مر ( وإن لم يكن ) أي الثمن ( منقودا فكذلك ) أي فالقول للمأمور أيضا ( عند أبي يوسف ومحمد ; لأنه يملك استئناف الشراء ) للآمر إذ العبد حي والحي محل الشراء فيملك أن يشتريه في الحال لأجل الآمر ( فلا يتهم في الإخبار عنه ) أي عن الشراء لأجل الآمر فإن قيل : إن وقع الشراء أولا للوكيل كيف يقع بعد ذلك للموكل حتى يملك استئنافه ؟ أجيب بأن تملك استئناف الشراء دائر مع التصور فيمكن أن يتفاسخ الوكيل بالشراء مع بائعه ثم يشتريه لأجل الموكل .

كذا في الشروح ( وعند أبي حنيفة القول قول الآمر ; لأنه ) أي ; لأن الإخبار عن الشراء لأجل الآمر ( موضع تهمة بأن اشتراه لنفسه ) أي بأن اشترى الوكيل العبد لنفسه ( فإذا رأى الصفقة خاسرة ألزمها الآمر ) أي أراد أن يلزمها الآمر ( بخلاف ما إذا كان الثمن منقودا ; لأنه ) أي الوكيل ( أمين فيه ) أي في هذا الثمن أو في هذا الوجه ( فيقبل قوله تبعا لذلك ) أي للخروج عن عهدة الأمانة ، وكم من شيء يثبت تبعا ولا يثبت قصدا ( ولا ثمن في يده هاهنا ) أي لا ثمن في يد الوكيل فيما إذا كان العبد حيا [ ص: 53 ] والثمن غير منقود حتى يكون أمينا فيقبل قوله تبعا للخروج عن عهدة الأمانة فافترقا ( وإن كان أمره بشراء عبد بعينه ) يعني إن كان التوكيل بشراء عبد بعينه ( ثم اختلفا والعبد حي ) أي والحال أن العبد حي ( فالقول للمأمور سواء كان الثمن منقودا أو غير منقود ، وهذا بالإجماع ) أي هذا الوجه من وجوه هذه المسألة بالإجماع بين أئمتنا الثلاثة ( لأنه ) أي المأمور ( أخبر عما يملك استئنافه في الحال ولا تهمة فيه ) أي في إخباره عن ذلك ( لأن الوكيل بشراء شيء بعينه لا يملك شراءه لنفسه بمثل ذلك الثمن في حال غيبته ) أي في حال غيبة الموكل ، قيد به ، إذ في حال حضرة الموكل يملك شراءه لنفسه ; لأنه يملك عزل نفسه حال حضرته ( على ما مر ) أشار به إلى قوله ولأن فيه عزل نفسه ولا يملكه على ما قيل إلا بمحضر من الموكل ( بخلاف غير المعين ) أي بخلاف ما إذا كان التوكيل بشراء عبد بغير عينه فاختلفا ( على ما ذكرناه لأبي حنيفة ) يعني ما ذكره فيما مر آنفا من جانب أبي حنيفة وهو قوله ; لأنه موضع تهمة بأن اشتراه لنفسه ، فإذا رأى الصفقة خاسرة ألزمها الآمر .

أقول : لقائل أن يقول : التهمة متحققة في صورة المعين أيضا بأن اشتراه لنفسه لكن لا على وجه الموافقة للآمر بل على وجه المخالفة له ، كأن اشتراه بخلاف جنس الثمن المسمى أو بغير النقود أو وكل وكيلا بشرائه فاشتراه الثاني بغيبة الأول ، ثم لما رأى الصفقة خاسرة قال للآمر اشتريته لك بمثل الثمن المسمى والوكيل بشراء شيء بعينه فإنه لا يملك شراءه لنفسه على وجه الموافقة للآمر . وأما على وجه المخالفة له بأحد الوجوه الثلاثة المذكورة فيملكه قطعا على ما مر في محله ، فما الدافع لهذه التهمة على قول أبي حنيفة ؟ ثم أقول في الجواب عنه : إن [ ص: 54 ] احتمال أن اشتراءه لنفسه شبهة ، وبعد ذلك احتمال أن اشتراءه لنفسه على وجه المخالفة لا على وجه الموافقة شبهة شبهة ، وقد تقرر عنده أن الشبهة تعتبر وشبهة الشبهة لا تعتبر ، والتهمة في صورة غير المعين نفس الشبهة وفي صورة المعين شبهة الشبهة ، فاعتبرت في الأولى ولم تعتبر في الثانية . قال صاحب النهاية والكفاية : فإن قيل الولي إذا أقر بتزويج الصغيرة لا يقبل عند أبي حنيفة رحمه الله مع أنه يملك استئناف النكاح في الحال . قلنا : قوله يملك استئنافه وقع على قولهما ، وقوله ولا تهمة فيه وقع على قول أبي حنيفة فكان في هذه المسألة اتفاق الجواب مع اختلاف التخريج ، فلما لم يكن قوله يملك استئنافه على قول أبي حنيفة لم يرد الإشكال على قوله . أو نقول : لو كان في تزويج الصغيرة إخبار عند حضور شاهدين يقبل قوله عنده أيضا ، فكان ذلك إنشاء للنكاح ابتداء فلا يرد الإشكال لما أنه إنما لا يقبل هناك إقرار بتزويج الصغيرة عند عدم الشاهدين ; لأنه لا يتصور إنشاؤه شرعا لعدم الشهود فكان لا يملك استئنافه فاطرد الجواب عنده في المسألتين انتهى كلامهما .

وقال صاحب غاية البيان : فإن قلت : الأصل في الدلائل الاطراد . وهذا لا يطرد على أصل أبي حنيفة ; لأن الأب إذا أقر على الصغير والصغيرة بالنكاح لم يصح الإقرار إلا ببينة ، وكذا وكيل الزوج والزوجة ومولى العبد إذا أقر بالنكاح لا يصح إلا ببينة عند أبي حنيفة خلافا لصاحبيه مع أن المقر يملك استئناف العقد ؟ قلت : لا نسلم أنه يملك استئناف العقد مطلقا بل يملك مقيدا بحال حضرة الشهود ولم يكن شهود النكاح حضورا وقت الإقرار فلم يكن الإنشاء بلا شهود ، وهذا هو الجواب الثاني . وقول بعض الشارحين : إن قوله يملك استئنافه وقع على قولهما ، وقوله ولا تهمة فيه وقع على قول أبي حنيفة بعيد عن التحقيق ; لأن المجموع دليل أبي حنيفة لا قوله ولا تهمة فيه وحده انتهى كلامه . ورد عليه بعض الفضلاء حيث قال : وفي قوله لا نسلم أنه يملك استئناف العقد مطلقا بل يملكه مقيدا بحث ، فإن تملك الاستئناف دائر مع التصور كما ذكروا انتهى .

أقول : هذا ساقط جدا ; لأن مرادهم بالدوران مع التصور الإمكان الشرعي ، وما لم يحضر الشهود لم يمكن إنشاء النكاح شرعا . وقد أفصح عنه صاحب النهاية والكفاية حيث قال : لأنه لا يتصور إنشاء شرعا لعدم الشهود . وأفصح عنه صاحب الغاية أيضا حيث قال : ولم يكن شهود النكاح حضورا وقت الإقرار فلم يكن الإنشاء بلا شهود فكون تملك الاستئناف دائرا مع التصور لا يقدح أصلا في قول صاحب الغاية . لا نسلم أنه يملك استئناف العقد مطلقا بل يملكه مقيدا بحال حضرة الشهود . ثم اعلم أن هذه المسألة على ثمانية أوجه كما صرح به في الكافي وغيره ; ; لأنه إما أن يكون التوكيل بشراء عبد بعينه أو بغير عينه ، وكل ذلك على وجهين : إما أن يكون الثمن منقودا أو غير منقود . وكل ذلك على وجهين : إما أن يكون العبد حيا حين اختلفا أو هالكا .

وقد ذكر ستة أوجه منها في الكتاب مدللا ومفصلا كما عرفت فبقي منها وجهان ، وهما أن يكون التوكيل بشراء عبد بعينه ، ويكون العبد هالكا والثمن منقودا أو غير منقود ، وقد ذكرهما مع دليلهما صاحب العناية حيث قال في تقسيم التوكيل بشراء عبد بعينه : وإن كان العبد هالكا والثمن منقودا فالقول للمأمور ; لأنه أمين يريد الخروج عن عهدة الأمانة ، وإن كان غير منقود فالقول للآمر ; لأنه أخبر عما لا يملك استئنافه ويريد بذلك الرجوع على الآمر وهو منكر فالقول له انتهى .

أقول : دليل الوجه الأخير منها محل إشكال ، فإن الآمر وإن كان منكرا لاشتراء المأمور للآمر لكنه معترف باشترائه لنفسه حيث قال للمأمور بل اشتريته لنفسك . وقد تقرر أن الوكيل بشراء شيء بعينه لا يملك شراءه لنفسه بمثل ذلك الثمن بل يقع الشراء للموكل ألبتة فينبغي أن لا يكون لإنكار الآمر شراء المأمور حكم في هذا الوجه أيضا فتأمل




الخدمات العلمية