الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 173 ] 565 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حريم النخلة

3541 - حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا أبو مصعب الزهري ، قال : حدثنا الدراوردي ، قال : حدثنا عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في نخيلة ، فقطع منها جريدة ثم ذرع بها النخيلة ، فإذا فيها خمسة أذرع ، فجعلها حريمها .

3542 - وحدثنا عبيد بن رجال ، قال : حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر ، وعن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ، عن أبي سعيد قال : اختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجلان في حريم [ ص: 174 ] نخلة ، فقال في حديث عمرو بن يحيى : فوجده خمس أذرع ، وقال أبو طوالة : سبع أذرع ، فقضى بذلك ، فقال عبد العزيز : يعني ذرع جريدة من جريدها .

3543 - حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، قال : أخبرني عمرو بن يحيى ، عن أبيه : أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في لقط نخلة ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم جريدة من جريدها ، فذرعها ، فإذا هي خمس أذرع ، فقضى أن حريمها خمس أذرع .

ولم يذكر في إسناد حديثه أبا سعيد .

[ ص: 175 ] قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث ، فكان أحسن ما حضرنا فيه أنه يراد به النخلة التي يغرسها صاحبها في المكان الذي هو من موات الأرضين ، فيملكه بما يملك به الموات من أمر الإمام بذلك على مذهب من يقول : إن الموات لا يملك إلا بتمليك الإمام إياه من يملكه إياه من الناس وهم أبو حنيفة ، ومن إحيائه إياه ورفع الموات عنه ، وإن لم يملكه الإمام إياه فيملكه بذلك ، كما يقول مالك بن أنس ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، والشافعي ، وأكثر أهل العلم سوى أبي حنيفة في ذلك .

فكان إذا غرسها كما ذكرنا استحق بذلك ما لا يقوم إلا به ، وهو الحريم الذي جعل لها فيما روينا في هذا الباب كما تكون الآبار التي تتخذ في الأرضين الموات من الحريم الذي لا يقوم إلا به .

فمنها بئر العطن ، لها من الحريم أربعون ذراعا من كل جانب من جوانبها .

ومنها بئر الناضح يكون لها من الحريم ستون ذراعا من كل جانب من جوانبها ، وقد كان محمد بن الحسن يقول في هاتين البئرين : إن حريم كل واحدة منهما الأذرع التي ذكرنا أنها حريم لها ، إلا أن يكون الحبل الذي يستقى به منها ويجره البعير الذي يستقيه منها يتجاوز به المقدار الذي ذكرنا من الأذرع لها ، فيكون حريمها إلى حيث يتناهى [ ص: 176 ] إليه ، وإنما الأذرع التي ذكرنا عنده إذا كان الحبل يتناهى إلى الأذرع التي ذكرناها لها أو إلى ما دونها ، وإذا كان كذلك في هاتين البئرين كان مثله حريم النخلة التي يحتاج إليه لها ليكون مشربا لها ، وليلتقط ثمرها ، وليبقى لها جريدها ، فهذا وجه هذا الحديث عندنا ، والله أعلم .

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى حديث آخر .

3544 - وهو ما قد حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس البغدادي ، قال : حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري ، قال : حدثنا فضيل بن سليمان النميري ، قال : حدثنا موسى بن عقبة عن إسحاق بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن عبادة بن الصامت ، أن من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قضى في عرايا النخل ، وذلك أن تكون النخلة أو النخلتان أو الثلاثة بين النخل فيختلفون في حقوق ذلك ، فقضى أن لكل من تلك النخل [ ص: 177 ] مبلغ جريدها حيز لها ، وكانت تسمى العرايا .

قال أبو جعفر : فوجه ما في الحديث عندنا - والله أعلم - هو في النخلة أو النخلتين أو الثلاث تكون بين نخل الرجل ، فيختلف هو وصاحب النخل في حقوق ما لكل واحد منهما من النخل ، فيكون الذي لصاحب النخلة أو النخلتين أو الثلاث ما لا يقوم الذي له من ذلك إلا به ، فهذا وجه هذا الحديث عندنا ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية