الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 116 ] 93 - باب بيان مشكل ما روي عنه عليه السلام من قوله : فإن الله لا يمل حتى تملوا

650 - حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا هشام ، أخبرني أبي ، عن عائشة أن النبي عليه السلام دخل عليها وعندها امرأة فقال : من هذه ؟ فقالت : فلانة لا تنام ، فذكر من صلاتها فقال : مه ، عليكم ما تطيقون ، فوالله لا يمل الله تعالى حتى تملوا ، وكان أحب الدين إلى الله ما داوم عليه صاحبه .

651 - حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا المقدمي ، حدثنا المعتمر بن [ ص: 117 ] سليمان ، عن عبيد الله بن عمر ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي سلمة ، عن عائشة أن النبي عليه السلام كان يحتجر حصيرا بالليل فيصلي ، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه ، فجعل الناس يثوبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلون بصلاته حتى كثروا ، فأقبل عليهم فقال : أيها الناس خذوا من العمل ما تطيقون ، فإن الله لا يمل حتى تملوا ، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام منها وإن قل .

652 - حدثنا محمد بن علي بن داود ، حدثنا حاجب بن الوليد ، حدثنا هقل بن زياد السكسكي ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله عليه السلام : خذوا من العمل ما تطيقون ، فإن الله لا يمل حتى تملوا قالت : وكان أحب الصلاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما داوم عليها وإن قلت ، وكان إذا صلى صلاة داوم عليها .

قال : ويقول أبو سلمة : إن الله يقول : الذين هم على صلاتهم دائمون .

[ ص: 118 ] فقال قائل : وكيف يجوز لكم أن تقبلوا هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه إضافة الملل إلى الله تعالى في حال ما ، وذلك منتف عن الله وليس من صفاته .

فكان جوابنا له في ذلك : أن الملل منتف عن الله كما ذكر ، وليس ما توهمه مما حمل عليه تأويل هذا الحديث كما توهم ، وإنما هو عند أهل العلم في اللغة على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يمل الله إذا مللتم ، إذ كان الملل موهوما منكم ، وغير موهوم منه عز وجل ، وكان مثل ذلك الكلام الجاري على ألسن الناس عند وصفهم من يصفونه بالقوة على الكلام والبلاغة منه والبراعة به : لا ينقطع فلان عن خصومة خصمه حتى ينقطع خصمه ، ليس يريدون بذلك أنه ينقطع بعد انقطاع خصمه لأنهم لو كانوا يريدون ذلك لم يثبتوا للذي وصفوه فضيلة إذ كان ينقطع بعقب انقطاع خصمه كما انقطع خصمه ، ولكنهم يريدون أنه لا ينقطع بعد انقطاع خصمه كما انقطع خصمه عنه ، وأنه يكون من القوة والاضطلاع بخصومته بعد انقطاع خصمه عنها كمثل ما كان عليه منها قبل انقطاع خصمه عنها ، فمثل ذلك والله أعلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يمل الله حتى تملوا ، وإن الله لا يمل حتى تملوا ، أي إنكم قد تملون فتنقطعون والله بعد مللكم وانقطاعكم على الحال التي كان عليها قبل ذلك من انتفاء الملل والانقطاع عنه ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية