الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 365 ] 699 - باب بيان مشكل ما اختلف أهل العلم فيه من القنوت في الوتر ، وهل هو قبل الركوع أو بعده ؟ وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يقضي بينهم في ذلك

قال أبو جعفر : قد روي عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قنوته في الوتر أنه كان قبل الركوع ، فممن روي عنه في ذلك عبد الله بن مسعود ، وإن كان إنما دار على أبان بن أبي عياش فإنه قد احتمله غير واحد من أهل الأسانيد ، وأدخلوه في هذا الباب إذا كان عن غير أنس بن مالك ، فأدخلناه نحن أيضا فيه لذلك .

4500 - وهو ما قد حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا أبان بن أبي عياش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : بت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنظر كيف يقنت في وتره قبل الركوع أو بعده ، فقنت قبل الركوع ، ثم بعثت أم عبد ، فقلت : بيتي مع نسائه فانظري كيف يقنت ، فأتتني ، فأخبرتني أنه قنت قبل الركوع .

[ ص: 366 ] وقد كان عبد الله بن مسعود على ذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

كما حدثنا فهد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا المسعودي ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه قال : كان عبد الله لا يقنت في شيء من الصلوات إلا في الوتر قبل الركوع .

[ ص: 367 ]

وكما حدثنا أحمد بن الحسن الكوفي ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا هشام . وكما أخبرنا هارون قال : أخبرنا نعيم ، حدثنا ابن المبارك قال : أخبرنا هشام ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله أنه كان يقنت قبل الركوع وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، يعني في الوتر .

[ ص: 368 ] وقد روي هذا المعنى أيضا ، عن أبي بن كعب .

4501 - كما قد حدثنا محمد بن الحسن بن علي البخاري الأحول وغيره قالوا : حدثنا محمد بن إدريس الحنظلي الرازي أبو حاتم ، حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، عن مسعر ، عن زبيد ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث ركعات لا يسلم فيهن حتى ينصرف ، أول ركعة بـ سبح اسم ربك الأعلى ، والثانية بـ قل يا أيها الكافرون ، والثالثة بـ قل هو الله أحد ، وأنه قنت قبل الركوع ، فلما انصرف من صلاته قال : " سبحان الملك القدوس " مرتين يرفع صوته ، ويجهر بالثالثة .

[ ص: 369 ] ومنهم : عبد الله بن عباس .

4502 - كما حدثنا أبو أمية ، حدثنا معلى بن منصور الرازي ، أخبرنا عطاء بن مسلم ، حدثنا العلاء بن المسيب ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن عباس قال : بت عند خالتي ميمونة ، فرأيت رسول الله [ ص: 370 ] صلى الله عليه وسلم صلى ثمان ركعات ، ثم أوتر ، فقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب و سبح اسم ربك الأعلى ، وقرأ في الثانية بفاتحة الكتاب و قل يا أيها الكافرون ، وفي الثالثة بفاتحة الكتاب و قل هو الله أحد ، ثم قنت ودعا ، ثم ركع .

فقال قائل : فهل يثبت سماع حبيب بن أبي ثابت من ابن عباس ؟

فكان جوابنا له في ذلك أن سماعه منه ومن عبد الله بن عمر ثابت ، وقد روي فيما سمعه منه ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو داود ، أخبرنا شعبة ، عن حبيب بن أبي ثابت أنه سمع ابن عباس ، وسأله رجل ، فقال : إني رجل من أهل السواد أتقبل بالقرية لا أريد أن أظلم ، إنما أريد أن أدرأ عن نفسي الظلم ، ثم قرأ هذه الآية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله إلى قوله : وهم صاغرون ، ثم قال : [ ص: 371 ] ينزع الصغار من أعناقهم ، ويضعه في عنقك .

قال أبو جعفر : ثم عدنا إلى حديث أبي ، وهل نجده من غير حديث مسعر كما رواه حفص عن مسعر . ؟

4503 - فوجدنا علي بن سعيد بن بشير الرازي قد حدثنا قال : حدثنا محمد بن موسى الحراني الأصم وإسحاق بن زريق برأس العين قال : أخبرنا مخلد بن يزيد الحراني ، حدثنا سفيان الثوري ، عن زبيد اليامي ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث ركعات ، يقرأ في الركعة الأولى بـ سبح اسم ربك الأعلى ، وفي الثانية بـ قل يا أيها الكافرون ، وفي الثالثة بـ قل هو الله أحد ، ويقنت قبل الركوع ، فإذا سلم وفرغ ، قال عند فراغه : " سبحان الملك القدوس " ثلاث مرات ، يطيل في آخرهن .

[ ص: 372 ]

4504 - ووجدنا علي بن سعيد قد حدثنا قال : حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي المعروف بابن الأقطع ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن أبي بن كعب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بـ سبح اسم ربك الأعلى ، و قل يا أيها الكافرون ، و قل هو الله أحد ، وكان يقنت قبل الركوع .

وكانت هذه الآثار كلها على القنوت قبل الركوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن من ذكرنا القنوت عنه من أصحابه في الوتر ، وكان القياس [ ص: 373 ] يشهد لهذا القول أيضا ، لأنا رأينا القنوت زائدا في هذه الصلاة على غيرها من الصلوات ، فرأينا الزيادات في الصلوات على غيرها من الصلوات المتفق عليها هي التكبير في العيدين ، فوجدناهم لا يختلفون أنه قبل الركوع لا بعد الركوع ، فكان القياس على ذلك أن يكون القنوت الزائد في الوتر على غيره من الصلوات قبل الركوع فيه لا بعد الركوع .

فقال قائل ممن ينكر القنوت قبل الركوع : قد وجدت هؤلاء الذين يوترون قبل الركوع يزيدون في هذه الصلاة تكبيرة لم نجد لها أصلا ، ولا يجوز أن يزاد في الصلوات ما لا يوجد له أصل .

فكان جوابنا له في ذلك أن الذين زادوا هذه التكبيرة قد وجدوا لها أصلا عن رجلين جليلين من المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهما علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود .

كما قد حدثنا علي بن شيبة ، حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري ، أخبرنا وكيع ، عن سفيان ، عن عبد الأعلى يعني الثعلبي ، عن أبي عبد الرحمن السلمي أن عليا كبر في القنوت حين فرغ من القراءة ، وحين ركع .

[ ص: 374 ]

وكما قد حدثنا علي قال : حدثنا يحيى ، أخبرنا حديج بن معاوية ، عن أبي إسحاق ، عن مسروق والأسود وأصحاب عبد الله قالوا : كان عبد الله لا يقنت إلا في الوتر ، وكان يقنت قبل الركوع ، يكبر إذا فرغ من قراءته حين يقنت .

فكان هذا مما يعلم أن عليا وعبد الله لم يقولاه استنباطا ، ولا استخراجا ; إذ كان مثله لا يقال بالاستنباط ولا بالاستخراج ، وإنما يقال [ ص: 375 ] بالتوقيف الذي وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عليه ، فكان ذلك عندنا مما لا يجب تركه ، ومما يجب أن يحمد عليه قائلوه .

ثم قد وجدنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما قد شد هذا المعنى أيضا في قنوته في صلاة الصبح قبل الركوع فيها كما قد حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا سفيان .

- وكما قد حدثنا فهد قال : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا إسرائيل ، ثم اجتمعا فقالا : عن مخارق ، عن طارق بن شهاب قال : صليت خلف عمر صلاة الصبح ، فلما فرغ من القراءة في الركعة الثانية كبر ، ثم قنت ، ثم كبر وركع .

وكما حدثنا بكار ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا شعبة ، عن مخارق ، عن طارق بن شهاب ، ثم ذكر مثله .

[ ص: 376 ] قال أبو جعفر : فهذا عمر أيضا قد كبر للقنوت قبل الركوع ، فشد ذلك ما قد رويناه قبله عن علي وعبد الله ، وكان هذا مما يجب أن يحمد عليه قائلوه .

فقال قائل : فقد روى الحسن بن علي في حديث ابن أبي فديك الذي رواه عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، عن عمه ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : علمني الحسن بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من القراءة في الركعة الثالثة من الوتر ، ولم يبق إلا الركوع قال قبل أن يركع : " اللهم اهدني فيمن هديت " . فذكر تمام الحديث . قال : ففي ذلك ما قد دل على أنه لم يكن يفصل [ ص: 377 ] [ ص: 378 ] بين القراءة وبين القنوت بتكبير ولا بغيره .

فكان جوابنا له في ذلك أن الذي قد ذكرناه عن علي وعبد الله وشده ما رويناه بعده عن عمر ، لما كان لم يقل استنباطا ولا استخراجا ، قد صار في حكم المحكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن حكى شيئا حفظه كان أولى ممن قصر عنه ، والله نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية