الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 254 ] 390 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوابه لأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه لما قال له : هل أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك بقوله له : نعم ، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني .

2459 - حدثنا فهد بن سليمان قال : حدثنا يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلتي ، وحدثنا محمد بن سنان الشيزري ، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي ، حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني أسيد بن عبد الرحمن عن خالد بن دريك ، عن ابن محيريز قال : قلت لأبي جمعة حبيب بن سباع رجل من الصحابة : حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم أحدثك حديثا جيدا ، تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه فقال : يا رسول الله أحد خير منا ؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك ؟ قال : نعم قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني .

[ ص: 255 ] [ ص: 256 ] فقال قائل : كيف يجوز لكم أن تقبلوا هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتاب الله عز وجل يدفعه ؛ لأن الله قال في كتابه : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى . وآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم سواه تدفعه .

2460 - وذكر في ذلك ما قد حدثنا بكار بن قتيبة قال : حدثنا أبو داود الطيالسي قال : حدثنا حماد بن يزيد قال : حدثني معاوية بن [ ص: 257 ] قرة المزني قال : سمعت كهمسا يقول : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي فيكم اليوم ، فقال : أحسنوا إلى أصحابي ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يفشو الكذب ، حتى يشهد الرجل على الشهادة لا يسألها وحتى يحلف على اليمين لا يستحلف .

2461 - وما قد حدثنا بكار أيضا قال : حدثنا أبو أحمد قال : حدثنا إسرائيل بن يونس ، قال : حدثنا عبد الملك بن عمير قال : حدثنا جابر بن سمرة قال : خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالجابية ، ثم ذكر مثله .

[ ص: 258 ] قال أبو جعفر : وأخرنا بقية ما روي عن عمر رضي الله عنه في هذا الباب لنأتي به في موضع من كتابنا هذا أولى به من هذا الموضع إن شاء الله .

2462 - وما قد حدثنا بكار قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا شعبة ، عن منصور وسليمان ، عن إبراهيم ، عن عبيدة ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خيركم قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يخلف قوم تسبق شهادتهم أيمانهم ، وأيمانهم شهادتهم .

2463 - وما قد حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال : حدثنا أسد بن موسى قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم قال : والله أعلم أذكر الثالث أم لا ؟ ثم ينشأ قوم يشهدون ولا يستشهدون ، وينذرون [ ص: 259 ] ولا يوفون ، ويخونون ولا يؤتمنون ، ويفشو فيهم السمن .

2464 - وما قد حدثنا بكار قال : حدثنا أبو داود ، وما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال : حدثنا أبو زيد الهروي قالا : حدثنا هشام عن قتادة ، ثم ذكر بإسناده مثله .

2465 - وما قد حدثنا أحمد بن سنان قال : حدثنا الحوطي قال : حدثنا عيسى بن يونس ، عن الأعمش ، عن هلال بن يساف قال : دخلت مسجد البصرة ، فإذا رجل في حلقة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء قوم يسمنون ويحبون السمن يعطون الشهادة قبل أن يسألوها ، فسألت عنه فقالوا : هذا عمران بن الحصين .

[ ص: 260 ]

2466 - وما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال : حدثنا عفان بن مسلم قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن الجريري ، عن أبي نضرة ، عن عبد الله بن مولة قال : كنت أمشي مع بريدة الأسلمي وهو يقول : اللهم ألحقني بقرني الذين أنا منهم ثلاثا ، فقلت : وأنا فدعا له ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيه ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يحلف قوم تسبق شهادتهم أيمانهم ، وأيمانهم شهادتهم .

2467 - وما قد حدثنا فهد قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا الحسين الجعفي ، عن زائدة ، عن عاصم ، عن خيثمة ، [ ص: 261 ] عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خيركم قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يخلف قوم تسبق شهادتهم أيمانهم ، وأيمانهم شهادتهم .

2468 - وما قد حدثنا إبراهيم بن أبي داود قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال : حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن عبد الله بن شقيق ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير الأمة قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم لا أدري أذكر الثالث أم لا ؟ ثم يخلف من بعدهم خلوف تعجبهم السمانة ويشهدون ولا يستشهدون .

[ ص: 262 ]

2469 - وما قد حدثنا ابن أبي داود قال : حدثنا أبو مسهر قال : حدثنا صدقة بن خالد قال : حدثني عمرو بن شراحيل ، عن بلال بن سعد ، عن أبيه قال : قلنا : يا رسول الله أي أمتك خير ؟ قال : أنا وأقراني قال : قلنا : ثم ماذا ؟ قال : ثم القرن الثاني قال : قلنا : ثم ماذا ؟ قال : ثم القرن الثالث قال : قلنا : ثم ماذا ؟ قال : ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون ، ويحلفون ولا يستحلفون ، ويتمنون فلا [ ص: 263 ] يؤدون .

قال : ففي هذه الآثار تفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم القرن الذي بعث فيهم على جميع أمته وذكر في ذلك أيضا ما قد .

2470 - أخبرنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني هشام بن سعد ، [ ص: 264 ] عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فقال : ليأتين أقوام تحقرون أعمالكم مع أعمالهم قلنا : من هم يا رسول الله ؟ أقريش ؟ قال : لا ، أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا ، قلنا : هم خير منا يا رسول الله ؟ قال : لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه إن فضل ما بيننا وبين الناس هذه الآية : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير .

[ ص: 265 ]

2471 - وما قد حدثنا فهد قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا هشام بن سعد ، ثم ذكر بإسناده مثله .

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أن الذي تلاه علينا من كتاب الله - عز وجل - والذي ذكره لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدفعان ما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديث الذي ذكرناه في صدر هذا الباب ؛ لأنه قد يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد بما في الحديث الذي رويناه في صدر هذا الباب قوما لم يأتوه إلى أن قال ذلك القول المذكور فيه قد تقدم إيمانهم وتصديقهم به رضوان الله عليهم قبل ذلك ، حال بينهم وبين إتيانه ما يحول بينهم وبين ذلك من العدو المانع منه ، ومن عدم ما يحملهم إليه ، ويبلغهم إياه ، ولم يقطعهم ذلك عن التصديق له والإيمان به ، ثم أتوه بعد ذلك فلحقوا بمن تقدمهم قبل ذلك في الإتيان إليه وفي القتال معه ، وفي الإنفاق في ذلك ، وفي [ ص: 266 ] التصرف فيما يصرفهم فيه كمثل ما عليه من كان معه قبل ذلك ، وكان ذلك قبل الفتح الذي ذكر الله - عز وجل - في الآية التي تلونا ، فتساويا جميعا في هذه الأسباب غير الإيمان به صلى الله عليه وسلم والتصديق له بظهر الغيب ، فإنهم فضلوا بذلك من آمن به سواهم ممن كان معه يرى إقامة الله عز وجل الحجج التي لا يتهيأ معها لذوي الأفهام الرد لها ، ولا الخروج عنها ، فهذا معنى يحتمله الحديث الذي رويناه في أول هذا الباب مما لا يخرج من الآية التي تلاها هذا القائل علينا ، ولا من الآثار التي ذكرها لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم بحقيقة الأمر في ذلك ، غير أن هذا ما بلغه فهمنا منه . والله نسأله التوفيق .

[ ص: 267 ] [ ص: 268 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية