الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فإن هدم وبنى فله قيمته قائما ، وللشفيع : النقض [ ص: 238 ] إما لغيبة شفيعه فقاسم وكيله ، [ ص: 239 ] أو قاض عنه ، أو أسقط لكذب في الثمن ، أو استحق نصفها

التالي السابق


( فإن هدم ) المشتري الشقص ، ( وبنى ) المشتري بدل ما هدمه ثم أخذه الشفيع بالشفعة ( فله ) أي المشتري ( قيمته ) أي البناء حال كونه ( قائما ) يوم قيام الشفيع لتصرفه في ملكه مع ما يخص قيمة العرصة بلا بناء من الثمن الذي اشترى به ( وللشفيع [ ص: 238 ] النقض ) بضم النون وإعجام الضاد إن كان باقيا بعينه ولم يدخله فيما بناه وإلا فقيمته يوم الشراء . " ق " فيها لو هدم المبتاع وبنى قيل للشفيع خذ بجميع الثمن ، وقيمة ما عمر فيها أشهب يوم القيام وله قيمة النقض الأول منقوضا يوم الشراء يحسب كم قيمة العرصة بلا بناء ، وكم قيمة النقض مهدوما ثم يقسم الثمن على ذلك ، فإن وقع النقض نصفه أو ثلثه فهو الذي يجب للشفيع على المشتري ، ويحط عنه من الثمن ، ويغرم ما بقي مع قيمة البناء قائما .

ابن المواز هذا قول الإمام مالك وأصحابه رضي الله تعالى عنهم فإن لم يفعل فلا شفعة له ، قيل لابن المواز كيف يمكن إحداث بناء في مشاع قال قد يكون قد اشترى الجميع فأنفق وبنى وغرس ، ثم استحق رجل نصف ذلك مشاعا ، أي وأخذ النصف الباقي بالشفعة أو يكون شريك البائع غائبا فيرفع المشتري إلى السلطان يطلب القسم والقسم على الغائب جائز ، ولا يبطل شفعته ا هـ .

" ق " وعبارة تت قيل لمحمد كيف يمكن إحداث بناء في مشاع مع ثبوت الشفعة والحكم بقيمة البناء قائما ، وذلك لأن الشفيع إن كان حاضرا فقد أسقط شفعته وإن كان غائبا فالباني متعد فلا يكون له قيمة البناء قائما فالحكم بثبوت الشفعة وبقيمة البناء قائما متنافيان . " غ " وقد انفصل المصنف هنا بخمسة أجوبة ، أحدها أن يكون أحد الشريكين غاب ووكل في مقاسمة شريكه فباع شريكه نصيبه ثم قاسم الوكيل المشتري ولم يأخذ لموكله بالشفعة . ثانيها : أن يكون الشفيع غائبا وله وكيل على التصرف في أمواله فباع الشريك فلم ير الوكيل الأخذ بالشفعة وقاسم المبتاع ، وقد أشار إلى هذين معا بقوله ( إما ) بكسر الهمز وشد الميم ( لغيبة شفيعه ) أي الشقص حين اشترائه ( فقاسم وكيله ) أي الشفيع الغائب المشتري في العقار المشترك بينهما فهدم المشتري وبنى ثم قدم الشفيع وأراد الأخذ بالشفعة والوكيل صادق بوكيل على مقاسمة شريك سابق على شراء الشقص ، وبوكيل على التصرف في المال . [ ص: 239 ]

ثالثها : أن يكون الشفيع غائبا ويرفع المشتري إلى الحاكم ويطلب منه القسمة بينه وبين الغائب والقسم عليه جائز فقسم عليه بعد الاستقصاء ، وضرب الأجل وهو لا يبطل شفعته فهدم المشتري وبنى ثم قدم الغائب فله الأخذ بها وإليه أشار بقوله ( أو ) قاسم ( قاض عنه ) أي الغائب .

رابعها : أن يكذب المشتري في الثمن فيترك الشفيع ويقاسم المشتري ثم يتبين كذبه ويأخذ الشفيع بالشفعة ، وإليه أشار بقوله ( أو ترك ) الشفيع الأخذ بالشفعة ( لكذب في الثمن ) وقاسم المشتري فهدم وبنى .

خامسها : أن يكون قد اشترى الجميع فهدم وبنى وغرس ثم استحق نصفها وأخذ نصفها الآخر بالشفعة ، وإليه أشار بقوله ( أو ) اشترى الدار كلها وهدم وبنى ثم ( استحق ) بضم المثناة وكسر الحاء المهملة ( نصفها ) أي الدار ، فالثالث والخامس ذكرهما ابن يونس عن ابن المواز ، وباقيها ذكره ابن شاس ، وزاد سادسا وهو أن يقول المشتري وهبني الشريك الشقص بغير ثواب فيقاسمه الشفيع ثم يثبت بعد الهدم والبناء الشراء فأما جوابا ابن المواز فصحيحان إلا أن ابن عرفة قال في قسم القاضي يريد أنه قسم عليه على أنه شريك غائب فقط لا على أنه وجبت له شفعة ، ولو علم ذلك لم يجز له أن يقسم عليه ، إذ لو جاز قسمه لكان كقسمه هو بنفسه ، إذ لا يجوز أن يفعل الحاكم عن غائب إلا ما يجب على الغائب فعله ، فلو جاز قسمه عليه مع علمه بوجوب شفعته لما كانت له شفعة ، ولما تقررت شفعته لغائب لقدرة المشتري على إبطالها بهذا .

وأما أجوبة ابن شاس فقبلها ابن الحاجب وابن عبد السلام وابن هارون واعترضها ابن عرفة بأن الأول إن كان معناه أنه وكل في مقاسمة شريكه المعين لا في مقاسمته مطلق شريك ، فهذا راجع لأحد جوابي محمد لأنه راجع للقسم عنه لظن القاسم صحته ، فبان خطؤه وإن كان معناه أنه وكله في مقاسمة مطلق شريك فلا شفعة له فامتنع كونه تصويرا للمسألة .

والثاني واضح رجوعه لأحد جوابي محمد أيضا لأنه راجع للقسم عنه لظن القاسم صحته فبان خطؤه . [ ص: 240 ] والرابع والسادس باطلان في أنفسهم لأن كذب المشتري في دعوى الثمن الكثير ، وفي دعوى الهبة يصير متعديا في بنائه كغاصب بيده عرصة بنى بها بناء ، وهو يدعي أنه مالك ، فبان أنه غاصب ، فحكمه في بنائه حكم الغاصب المعلوم غصبه ابتداء ، وقد استشكل في التوضيح هذين الجوابين أيضا ، فقال وانظر لم لم يجعل المشتري إذا كذب في الثمن أو ادعى أنها صدقة ونحوها ، ثم تبين خلاف ذلك كالمتعدي ولعله الأظهر فلا يكون له إلا قيمة النقض ، فلعل كلامهم محمول على ما إذا كان ما أظهر من الثمن من خلاف المشتري . ا هـ . وهذا الحمل لا يقبله لفظ ابن شاس ، ويقبله لفظ المصنف هنا . وزاد أبو الحسن الصغير جوابين آخرين ، فقال أو يكون قسم مع رجل زعم أنه وكيل الغائب أو يكون العقار بين أحدهم غائب فباع أحد الحاضرين نصيبه فقسم المشتري مع الحاضر يظن أنه ليس له شريك غيره .




الخدمات العلمية