الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 29 - 30 ] وإن بعثت إليه بمال ، فقال تصدقت به علي وأنكرت : فالرسول شاهد ، [ ص: 31 ] وهل مطلقا ؟ أو إن كان المال بيده ؟ تأويلان

التالي السابق


( وإن بعثت إليه ) أي المبعوث إليه المفهوم من بعثت ( بمال ) وقبضه من الرسول ثم اختلفتما ( فقال ) المبعوث إليه المال ( تصدقت ) يا باعث ( به ) أي المال ( علي ) بشد الياء ( وأنكرت ) يا باعث التصدق به عليه ، وقلت بل هي وديعة تحفظها لي وآخذها منك متى شئت ( فالرسول ) المبعوث معه المال ( شاهد ) بينكما إما بالصدقة أو الوديعة ، فإن شهد بالصدقة حلف عليها المبعوث إليه وتمت له ، فإن نكل فالقول للباعث بلا يمين [ ص: 31 ] لتمسكه بالأصل ونكول المبعوث إليه ، وإن شهد بأنه وديعة أخذه الباعث بلا يمين لشهادة الرسول له وتمسكه بالأصل ، وهو قبول قول المالك في إخراج ماله على وجه خاص وعدم الصدقة ، وإن قال الرسول لا أدري فالقول لرب المال أيضا لكن بيمينه لأن الأصل كشاهد واحد .

( و ) إن شهد الرسول بأنها صدقة ف ( هل ) تقبل شهادته قبولا ( مطلقا ) عن التقييد ببقاء المال بيد المبعوث إليه لعدم تعديه بإقرار رب المال بأمره بدفعه للمبعوث إليه ، وهو ظاهر المدونة ( أو ) إنما تقبل شهادته بالصدقة ( إن كان المال ) باقيا ( بيده ) أي المرسل إليه وأولى بيد الرسول لعدم إتمامه حينئذ بخوف الغرم فإن لم يبق المال بيد أحدهما فلا تقبل شهادته بالصدقة لاتهامه بخوف غرمه ، وهذا تأويل ابن أبي زيد في الجواب ( تأويلان ) فمحلهما إذا لم يكن المال بيده ولم تقم على دفعه بينة والمبعوث إليه معدم ، فإن كان بيده أو بيد المبعوث إليه أو قامت له بينة على الدفع قبلت شهادته بها اتفاقا لانتفاء اتهامه .

" ق " فيها لمالك " رضي الله عنه " وإن بعثت إلى رجل بمال فقال تصدقت به علي وصدقه الرسول وأنت منكر للصدقة وتقول بل هو إيداع فالرسول شاهد له يحلف معه المبعوث إليه ويكون المال صدقة عليه . قيل لمالك " رضي الله عنه " كيف يحلف ولم يحضر ، قال كما يحلف الصبي مع شاهده في دين أبيه . ابن يونس وقال أشهب لا تجوز شهادته لأنه يدفع عن نفسه الضمان أبو محمد أراد إذا كان المتصدق عليه عديما قد أتلف المال ولا بينة للرسول على الدفع إليه ، فأما وهو ملي حاضر فشهادته جائزة مع يمين المشهود له ، وكذلك إن قامت للرسول بينة بالدفع في عدم المشهود له .

ابن يونس وعلى هذا التأويل فقول أشهب موافق لقول ابن القاسم ، وكذلك علل أبو محمد قول ابن القاسم وعلل غيره قول أشهب بأنه إنما لم تجز شهادته لأنه دفع دفعا لم يؤمر به ، وذلك أن الآمر إنما أمره أن يدفع على جهة إيداعه فدفع هو على جهة التمليك فلا تجوز شهادته ولا يؤخذ الآمر بغير ما أقر به من الدفع على وجه الإيداع ، قال وابن القاسم [ ص: 32 ] إنما أجاز شهادته لأنه أذن له في الدفع فدفع والمال حاضر لم يستهلك بدفعه على حجة التمليك .

( تنبيهات )

الأول : تت هذان التأويلان ليسا كعادته ، بل عادته في مثل هذا أن يقول وهل خلاف أو وفاق تأويلان .

الثاني : عياض ظاهر المدونة جواز شهادته بكل حال ، وعلى هذا تأولها القاضي إسماعيل وهو قول عبد الله بن عبد الحكم لأنه لم يتعد لإقرار ربها أنه أمره بالدفع إلى من ذكر . وذهب سحنون إلى أن معنى ذلك أن المال في يد الرسول بعد لم يدفعه ، أو أنهما حاضران والمال حاضر ، ولو أنفقه المبعوث إليه لم تجز شهادة الرسول لأنه يسقط الضمان عن نفسه . وقال أشهب لا تجوز شهادة الرسول لأنه يدفع عن نفسه الضمان . وتأول أبو محمد قول أشهب بقريب من قول سحنون بأن المصدق عليه عديم وقد أتلف المال ولا بينة للرسول على الدفع . وأما وهو ملي أو قامت للرسول بينة على الدفع فشهادته جائزة ، وجعل بعضهم قول ابن القاسم وأشهب وفاقا على نحو ما ذهب إليه سحنون وتأوله ابن أبي زيد وهو مفهوم كتاب محمد .

الثالث : أبو الحسن انظر جعله يحلف هنا ، وهل هي يمين غموس ، أو إنما يحلف إذا تحقق ذلك عنده أو غلب على ظنه ، واختلف في الحلف على غلبة الظن على قولين ذكرهما اللخمي في كتاب الشهادات .

الرابع : فيها من أودعك مالا وقال تصدق به على فلان أو أقر له به حلف فلان مع شهادتك واستحقه إن كان حاضرا ، أو إن كان غائبا فلا تجوز شهادتك له إن كانت غيبته تنتفع أنت في مثلها . أبو الحسن فإن كانت غيبته لا تنتفع في مثلها فتجوز الشهادة لارتفاع التهمة . عبد الحق سألت بعض شيوخنا فقلت أرأيت إن قال المودع بالفتح للسلطان خذها من يدي لا أريد إمساكها ، فقال إن كان قال ذلك حين أتى يشهد بأن قال للحاكم أودعني فلان كذا وكذا ، وقال تصدق به على فلان الغائب فشهادته جائزة ، وإن شهد ولم [ ص: 33 ] يذكر ذلك ثم أتى بقوله هذا فيتهم أن يكون قاله لينفي الظنة عنه التي قد أبطلت شهادته . أبو الحسن فلو قدم الغائب وأراد أن يقوم بشهادته . قاله ابن شعبان لا تقبل لأنها قد ردت .

.



الخدمات العلمية