الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3285 3286 3287 ص: وقد حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق ، قالا : ثنا روح ، قال : ثنا ابن جريج ، قال : ثنا عبيد الله بن أبي يزيد ، أنه سمع ابن عباس يقول : " ما علمت رسول الله - عليه السلام - يتحرى صيام يوم على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وشهر رمضان " .

                                                حدثنا ربيع الجيزي ، قال : ثنا أحمد بن محمد الأزرقي ، قال : ثنا عبد الجبار بن الورد ، قال : سمعت ابن أبي مليكة يقول : حدثنا عبيد الله بن أبي يزيد ، عن ابن عباس ، عن رسول الله - عليه السلام - قال : " ليس ليوم فضل على يوم في الصيام إلا شهر رمضان ويوم عاشوراء " .

                                                حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق ، قالا : ثنا روح ، قال : ثنا حاجب بن عمر ، قال : سمعت الحكم بن الأعرج يقول : "قلت لابن عباس : أخبرني عن يوم عاشوراء . قال : عن أي حالة تسأل ؟ قلت : أسأل عن صيامه أي يوم أصوم ؟ قال : إذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائما . قلت : كذلك كان يصوم محمد - عليه السلام - ؟ قال : نعم " .

                                                فهذا ابن عباس - رضي الله عنهما - قد روي عنه عن رسول الله - عليه السلام - أنه كان يصوم يوم عاشوراء ، وقد دلك على صومه ذلك أنه كان اختيارا لا فرضا : ما قد رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس في إخباره بالعلة التي من أجلها صام رسول الله - عليه السلام - يومئذ .

                                                التالي السابق


                                                ش: هذه ثلاث طرق صحاح ، أخرجها لبيان أن النبي - عليه السلام - كان يصوم يوم عاشوراء ، ثم قال : "وقد دلك على صومه " أي : قد دل على صوم النبي - عليه السلام - يوم عاشوراء ما رواه سعيد بن جبير المذكور آنفا "أنه كان اختيارا " أي : على سبيل التطوع لا على سبيل الوجوب والفرض .

                                                والمناقشة التي ذكرناها آنفا تأتي ها هنا خصوصا قوله : "ما علمت رسول الله - عليه السلام - يتحرى صيام يوم على غيره " يدل على الوجوب منه ، وهذا ظاهر لا يخفى .

                                                [ ص: 406 ] ثم الطريق الأول : عن أبي بكرة بكار وإبراهيم بن مرزوق ، كلاهما عن روح بن عبادة ، عن عبد الملك بن جريج ، عن عبيد الله بن أبي يزيد المكي مولى آل قارظ بن شيبة الكناني روى له الجماعة .

                                                وأخرجه البخاري : ثنا عبيد الله بن موسى ، عن ابن عيينة ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن ابن عباس قال : "ما رأيت النبي - عليه السلام - يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء ، وهذا الشهر يعني شهر رمضان " .

                                                وأخرجه مسلم والنسائي أيضا نحوه .

                                                قوله : "يتحرى " من التحري ، وهو القصد والاجتهاد والطلب والعزم على تخصيص الشيء بالشيء بالفعل والقول .

                                                الثاني : عن ربيع بن سليمان الجيزي ، عن أحمد بن محمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق الأزرقي أبي محمد المكي شيخ البخاري ، عن عبد الجبار بن الورد بن أبي الورد القرشي المخزومي المكي ، وثقه ابن حبان ، وروى له أبو داود والنسائي ، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة -واسمه زهير - أبي محمد الأحول المكي قاضي عبد الله بن الزبير ومؤذنه ، روى له الجماعة . . . إلى آخره .

                                                وهذا الحديث يدل على أن سائر الأيام متساوية في فضيلة الصوم فيها إلا أيام رمضان ويوم عاشوراء ، وأن لهما مزية على غيرهما في الفضيلة وكثرة الثواب .

                                                الثالث : عن أبي بكرة بكار وإبراهيم بن مرزوق ، كلاهما عن روح بن عبادة ، عن حاجب بن عمر الثقفي البصري روى له مسلم وأبو داود والترمذي ، عن الحكم بن عبد الله بن إسحاق الأعرج البصري عم حاجب بن عمر المذكور ، روى له هؤلاء .

                                                [ ص: 407 ] وأخرجه مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : ثنا وكيع بن الجراح ، عن حاجب بن عمر ، عن الحكم بن الأعرج قال : "انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم ، فقلت له : أخبرني عن صوم يوم عاشوراء ، فقال : إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما ، قلت : هكذا كان محمد رسول الله - عليه السلام - يصومه ؟ قال : نعم " .

                                                وأخرجه أبو داود : نا مسدد ، قال : نا إسماعيل ، قال : أخبرني حاجب بن عمر ، عن الحكم بن الأعرج قال : "أتيت ابن عباس وهو متوسد رداءه في المسجد الحرام ، فسألته عن صوم عاشوراء ، فقال : إذا رأيت هلال المحرم فاعدد ، فإذا كان يوم التاسع فأصبح صائما ، قلت : كذا كان محمد - عليه السلام - يصوم ؟ قال : كذا كان محمد يصوم " . انتهى .

                                                وفي هذا الحديث ما يدل على أن عاشوراء هو اليوم التاسع ، وإليه ذهب جماعة ، منهم : أبو رافع صاحب أبي هريرة ومحمد بن سيرين والشافعي وأحمد وإسحاق ، واحتجوا على ذلك بالحديث المذكور .

                                                وقال الجمهور -منهم أبو حنيفة ومالك والحسن وسعيد بن المسيب - : إنه هو اليوم العاشر ، وهو الذي يدل عليه أكثر الأحاديث ، ومنها قوله - عليه السلام - : "لأصومن التاسع " ، فهذا صريح على أن صومه - عليه السلام - كان العاشر .

                                                فإن قيل : ما وجه هذا الحديث الذي نص فيه على أنه هو التاسع مع أنه هو الذي روى أيضا عن النبي - عليه السلام - أنه هو اليوم العاشر ؟ !

                                                وأخرج الترمذي أيضا بإسناده عنه : "أمر رسول الله - عليه السلام - بصوم يوم عاشوراء يوم العاشر " ؟ .

                                                [ ص: 408 ] قلت : أراد ابن عباس من قوله : "فإذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائما " أي : صم التاسع مع العاشر ، وأراد بقوله : "نعم " ; ما روي من عزمه - عليه السلام - على صوم التاسع من قوله : "لأصومن التاسع " .

                                                وقال القاضي : ولعل ذلك على طريق الجمع مع العاشر ; لئلا يتشبه باليهود كما ورد في رواية أخرى : "فصوموا التاسع والعاشر " .

                                                قلت : ذكر رزين هذه الرواية عن عطاء قال : سمعت ابن عباس يقول : "صوموا التاسع والعاشر خالفوا اليهود " .

                                                قال القاضي : وإلى هذا أيضا ذهب جماعة من السلف ، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق .

                                                وروى عبد الرزاق : عن ابن جريج ، أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول في يوم عاشوراء : "خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر " .

                                                وقال عبد الحق في "أحكامه " : وذكر أبو أحمد من حديث داود بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن جده ابن عباس قال : قال رسول الله - عليه السلام - : " صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود ، وصوموا يوما قبله ، ويوما بعده " . هكذا رواه ابن أبي ليلى ، عن داود .

                                                ورواه ابن حي عن داود ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي - عليه السلام - قال : "لئن بقيت إلى قابل لأصومن يوما قبله ويوما بعده " يعني : يوم عاشوراء .

                                                قال أبو أحمد داود بن علي : أرجو أنه لا بأس به . وقال ابن معين : أرجو أنه لا يكذب . انتهى .

                                                قلت : فهذا يدل على أن المستحب أن يصام اليوم التاسع والعاشر والحادي عشر عملا بالأحاديث كلها وخروجا عن عهدة الخلاف ، وقال قوم من أهل العلم : من

                                                [ ص: 409 ] أحب صوم عاشوراء صام يومين : التاسع والعاشر ، وممن روي ذلك عنه : ابن عباس ، وابن سيرين ، وقاله الشافعي .

                                                ويقال : معنى قول ابن عباس : "نعم " في جواب الحكم بن الأعرج حين قال : "كذلك كان يصوم محمد -عليه السلام - " أي : نعم كان يصوم التاسع لو عاش إلى العام المقبل جمعا بينه وبين قوله : "فإذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع " .

                                                قال أبو عمر : وفي هذا دليل على أنه - عليه السلام - كان يصوم العاشر إلى أن مات ، ولم يزل يصومه حتى قدم المدينة وذلك محفوظ من حديث ابن عباس ، والآثار في هذا الباب مضطربة عن ابن عباس .




                                                الخدمات العلمية